الكاتب: أحمد مصلح الثمالي .

  • تأملات قرآنية 3.

    تكررت كلمة (نور) ومشتقاتها في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة، وقد بيّن المفسرون معانيها بحسب مواقعها في السور القرآنية. 

    وبتأمل هذه الآيات وتفسيرها وما نلاحظه في حياتنا اليومية، فإن هناك نورًا يُعدّ هِبة ومنحة إلهية لبعض الخلق، وهو نتيجة الإيمان الذي يبعثه الله في قلوب هؤلاء، فيكون لهم هاديًا إلى سبيل الحق ومنيرًا لطرق الحياة. 

     قال الله تعالى ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ صدق الله العظيم.   

     وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ صدق الله العظيم .    

    وكلما امتلأ قلب الشخص بهذا النور زاد فهمه، وقويت حجته، وصدق حدسّه، وتمّت حكمته، ووفّق للسداد في القول والعمل، وسَمَت هِمّته إلى معالي الأمور وارتفع عن سفاسفها، وكل ذلك بسبب النور الذي جعله الله له. 

    والحكمة من آثار هذا النور، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ صدق الله العظيم.     

    ومن حُرم هذا النور فمصيره العيش في الظلمات، والتخبّط في المتاهات، ولن يُحالَفه التوفيق، قال تعالى : ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ صدق الله العظيم.    

     وقال تعالى:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ صدق الله العظيم .  

    هذا النور الإلهي، سبب الهداية للطيب من القول والعمل، ومصدر الحكمة، ومفتاح التوفيق ، وكم هو الفرق بين من يسير في نور الإيمان ومن يتخبّط في ظلمات الغفلة.

  • تأملات قرآنية .2

    نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الرازق ، قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)صدق الله العظيم، ونؤمن بأن رزق الإنسان مكتوب له منذ أن خلقه الله، قال تعالى : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) صدق الله العظيم.

    وسعينا في الحياة من باب فعل الأسباب لأن القعود عن فعلها عجز ودِعة ، والله سبحانه يقول : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) صدق الله العظيم .   

    وقد تكرر في عدد من الآيات القرآنية الكريمة ذكر أن الله تعالى يبسط الرزق وَيَقْدِر ويعطي ويمنع ، قال تعالى : (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، وقال تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ، وقال تعالى:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وقال تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، وقال تعالى :(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ) صدق الله العظيم.

    ويخبرنا الله تعالى في هذه الآيات بأنه يبسط الرزق لبعض خلقه ويقدر لآخرين، وقد فسر بعض العلماء كلمة (يَقْدِرُ) أي يعطي بقدر الكفاية ، والمعنى أن هناك من يبسط الله له الرزق وهناك من يكون رزقه بقدر الكفاية، وكل ذلك ابتلاء وامتحان.  

    قال تعالى : (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) صدق الله العظيم.

    وتتضح الحكمة الإلهية في ذلك بأن الله العليم الخبير والبصير بخلقه قسم الأرزاق فأعطى كل إنسان رزقه ، ولا يدل بسط الرزق للبعض على الكرامة عند الله ولا القبض على الإهانة ، ولكنه سبحانه أعلم بما يصلح العباد وأبصر، فبحكمته يوسع الرزق لمن يشاء من عباده صالحا كان أو طالحا ويقدر على من يشاء منهم  ، وسعة الرزق ليست دليلاً على رضاه كما أن ضيقه ليس دليلاً على سخطه.  يقول تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) صدق الله العظيم ، فرب إنسان لا يصلحه إلا الفقر ، وآخر لا يصلحه إلا الغنى ، فهو يهبهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم ، وهو أعلم بعباده .

     وينبئنا الله عز وجل بقصة رجل بسط الله له الرزق، فلم يعطه حقه فكان سبب هلاكه ، قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)صدق الله العظيم ، نصحه قومه بشكر النعمة وعدم الفرح والبطر والبغي والتكبر وأن عليه ابتغاء الدار الأخرى فيما آتاه الله ، وعدم الفساد في الأرض ، ولكنه رفض كل ذلك منكرا فضل الله عليه وما أعطاه من رزق قائلا انما أوتيته بعلم عندي ، فكانت عاقبته (  فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) وكان عبرة لمن يعتبر (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) صدق الله العظيم .

  • تأملات قرآنية.1

    Give him full head of hair
    A woman reads a book by candlelight in a warmly decorated room.

    المؤمن كيس فطن ، يجب عليه التأكد من صحة ما يقرأ وما يسمع ، حتى لا يقع في مسؤولية نقل الأكاذيب والاشاعات المدسوسة .

    قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ صدق الله العظيم.

     قال: الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تَثَبّت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن أن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.

    إذا تأملنا هذا، فإننا اليوم في حاجة ماسّة أكثر من ذي قبل في تحري الحرص على الأخذ بمنهج التثبت من صحة ما نسمع وما نقرأ، لنسلم من نقل الأخبار المكذوبة والشائعات المدسوسة، التي سَهّلت التقنية الحديثة نشرها وتعميمها.

    فيجب البحث عن صحة وصدق كل ما نسمع ونشاهد في وسائل نقل المعلومات الحديثة، التي أصبحت تزخرُ بالغث والسمين في ثورة معلوماتية لم نعهدها من قبل، وأصبحت سبل الوصول للمعلومة سهلة ويسيرة وفي متناول الجميع، مما يجعل التثبت واجبًا والتدقيق إلزامًا.

    والتثبت باب واسع من إعمال العقل والتروي والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وفي الحديث الصحيح: (كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع)، لأن الإنسان يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدّث بكل ما سمع دون تدقيق وتَثبّت فقد أخبر بكلام فيه بعض الكذب.

    ومثله ما جاء من النهي عن العجلة والتسرع في نشر الأمور ذات الأهمية وإذاعتها، قبل النظر والتأمل فيها وردّها إلى أهل العلم ،والعقل ، والنضج ، والرزانة.

    قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) صدق الله العظيم.

    وقد يقول قائل: ليس لي استطاعة ولا أمتلك وسائل التحقق عن كل ما يصلني من معلومات.

    وجوابه: أن عليه ألا ينقل ولا ينشر ما لم يتثبّت من صحته وصدقه، ليسلم من المسؤولية، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. صدق الله العظيم.

  • صنف من النًاسِ.

    صنفٌ من الناس يصعب التعامل معه؛ لا يعترف بمنهج الوسطية، ولا يقبل مبدأ التسامح، ويصرّ على أن تكون له الكلمةُ العليا والرأيُ الأخير.

    يستأثرُ بالرأي، ولا يرضى للآخرين رأيًا ما لم يوافق هواه ويحقق مبتغاه، فإن أُلْزِم الصواب أظهر تمعُّضه وعدم رضاه.

     تتحكّم فيه أنانيةٌ خِلْقِية، ونزعةٌ إلى الاستعلاء فِطرية، فنفسُه لا ترى الحقّ إلا في جانبها، وتعدّ الرأيَ الآخر تجاهلًا لها وانتقاصًا من ذاتها.

    يبالغ في العِناد، ويتشدّد في المواقف، ويميل إلى الجدال عند كلّ اختلاف؛ لا يبتغي الوصول إلى الرأي الصواب بقدر ما يبتغي الغلبة والانتصار لرأيه.

     يضخّم نقاطاً جانبية ليعقّد الأمور في سبيل ردّها، ويجعل من الخلاف اليسير معركةً لا تنطفئ نارها ولا يخمد أوارها.

     وكلّ ذلك من الأخلاق المذمومة والطباع الممقوتة؛ لأنها تفسد العلاقات، وتكدّر صفو التعاملات، وتحجب نور الحقيقة، وتحوّل الحوار البنّاء إلى جدالٍ عقيم، وتزرع بذور البغضاء والشحناء بين الناس.

    و (رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ ، سَمْحًا إذا اشْتَرى ، سَمْحًا إذا قَضَى ، سَمْحًا إذا اقْتَضَى).

    Four friends sitting outdoors in a garden, holding coffee cups and talking
    Four friends share coffee and conversation in a lush garden setting.
  • وصل دفع الإيهام.

    يُعدّ الوصل والفصل من أدقّ فنون البلاغة، لأنهما يتحكّمان في انتقال المعنى بين الجمل، فيقرّبان المقصود أو يبعدانه، وينشئان في ذهن السامع صورة واضحة أو ملتبسة.

    والمقصود بالوصل عطف الجمل بعضها على بعض، وبالفصل ترك ذلك العطف. غير أن للوصل استعمالات مخصوصة، من أرقّها ما يسمّيه البلاغيون (وصل دفع الإيهام)، وهو أن يُوصل بين جملتين بحرف الواو لئلا يتوهّم السامع معنى غير مراد.

    ومن أظهر أمثلته ما رُوي أن رجلًا مرّ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ومعه ثوب، فقال له الصديق: أتبيع الثوب؟ فقال الرجل: لا عافاك الله. ففهم أبو بكر أن العبارة توهم الدعاء عليه، لأن (لا عافاك الله) جملة واحدة معناها نفي العافية عنه. فقال له: لقد علمتم لو كنتم تعلمون. قل: لا، وعافاك الله. فتصبح لا جوابًا للسؤال، وعافاك الله دعاءً مستقلاً، والواو بينهما تمنع التباس المعنى وتعيد للكلام أدبه.

    وهذه الواو ليست حرفًا عابراً، بل أداة إنقاذ للمعنى من سوء الفهم، لأنها تمنع التصاق النفي بالدعاء، وتُظهر قصد المتكلم على وجهه الصحيح. ولهذا استحسنها الأدباء وعدّوها من أجمل الواوات، لأنها جمعت بين سلامة المعنى وحسن اللفظ، وأثبتت أن حرفًا صغيراً قد يقلب معنى الكلام من دعاء بالسوء إلى دعاء بالخير.

    ويُحكى عن الصاحب بن عباد أنه سمع مثل هذا فقال: (هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ على خدود الملاح)، يريد أنها زادت الكلام جمالًا كما تزيد خصل الشعر المتدلية خدود الملاح حسناً، وأنها جاءت في موضعها فأكملت المعنى وزيّنت اللفظ.

    وهكذا يتبيّن أن الوصل في مثل هذه المواضع ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة بيانية تحفظ المعنى من الانحراف، وتُظهر قصد المتكلم، وتُنبئ عن فصاحته،وسمو أدبه ، وتمنح الكلام رونقًا لا يتحقق بدونه. وسلامتكم.

  • العمامة والصمادة.

    Change red turban to burgundy dyed fabric
    Bedouin man wearing a white robe and red keffiyeh standing in sandy desert with camels and tent behind

                                                                                                                                           غطاء الرأس عند سكان الجزيرة العربية لم يكن يوما ترفاً بل ضرورة تمليها طبيعة المناخ الذي عاشوا فيه وكانت العمامة عند العرب الأقحاح هي الغطاء الرئيس لرؤوسهم حتى قيل (العمائم تيجان العرب) لبسها النبي ﷺ وصحابته وتظهر في نقوش صخرية تعود لأقوام سكنوا الجزيرة منذ آلاف السنين.

    وتدل كتب التراث على أن للعمامة وظائف تتجاوز مجرد تغطية الرأس فمن أعجب ما ورد أنها كانت حافظة للأشياء الثمينة إذ اشتهر العرب بأنهم ينزلون عمائمهم منزلة الجيوب كما كانت تستخدم للظل والوقاية والاتكاء والالتحاف عند الحاجة.

    ومع العمامة هناك غطاء آخر للرأس يلبس تحتها، نسميه اليوم الطاقية أوالكوفية ،وفي المعاجم نجد لفظ الصماد (ما يلفه الرجل على رأسه مما هو دون العمامة كالخرقة والمنديل). وكانوا يرون أنه الحد الأدنى للحفاظ على الوقارعندما كان نزع العمامة أو كشف الرأس في الأماكن العامة ومجامع الناس من خوارم المروءة.

     وأقول: لم نكن نعرف تعبير الغترة ولا الشماغ إلى وقت قريب فكنا نستخدم تعبيري الصمادة والعمامة وكانت الصمادة تعد غطاء الرأس الأساس بينما العمامة متعددة الأغراض ومنها تغطية الرأس.

     ولعل ما كنا نسميه صمادة هو نفسه الصماد الوارد في المعجم (ما يلف على الرأس دون العمامة) ثم اختزل الصماد في هذه الخرقة الصغيرة التي نسميها اليوم طاقية أو كوفية واختزلت العمامة فيما نسميه الغترة أو الشماغ.وأصبح لدينا طاقية أو كوفية وفوقها غترة أو شماغ ،ونسينا الأصل وهو الصمادة والعمامة .

     ولو كان لي من الأمر شيء لعدت إلى الماضي أعصب رأسي بصمادة وأتخذ عمامة ضافية أشدها على رأسي متى احتجت وأتفيأ بها من الشمس وأتلحفها عند البرد، ومتى أضع العمامة تعرفوني . وسلامتكم ،،،

  • لن يخيّب الله مسعى أمة هذا دأبها.

    شاهدتُ الليلة الماضية مناظر نُشرت على الإنترنت للصلاة في الحرمين الشريفين، فرأيت – كما رأيتم – تلك الحشود الهائلة التي تجمعت في أمن وأمان، تحرسها عناية الرحمن. ورأيت المشهد ذاته في عدد من المساجد في مدن المملكة، من غربها إلى شرقها، ومن شمالها إلى جنوبها؛ حشودًا جمعتها عقيدة الإيمان، وعلتها سكينة الخشوع لله رب العالمين، تجمعت في طمأنينة، وغادرت في هدوء وخضوع. أولئك هم عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. صدق الله العظيم.

     لقد بُذلت جهود مضنية من الجهات الرسمية لتنظيم هذه الحشود وإرشادها ومتابعتها، وسبق ذلك إنفاق كبير على مدى عقود لتأمين راحتهم وسلامتهم. وتذكرتُ مقالة الدكتور عبد العزيز الخويطر – رحمه الله – فحواها أن الأمم والدول كالأفراد: لها أعمال تُسجَّل، ولها صحيفة تُملأ بما تفعل، وتُحاسب على ما قدمت، فالدول ليست مجرد مؤسسات، بل لها شخصية معنوية، ومسار، ونتائج، وميزان أعمال. والعدالة الإلهية قائمة لا تتبدل، والتاريخ – بوصفه سجلاً – يدون تلك الأعمال ويشهد لها أو عليها.

    وعندما نتأمل جهود بلادنا في خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية الوافدين للحج والعمرة، وخدمة المساجد في أنحاء المملكة، وما تقدمه المملكة للإسلام والمسلمين من عون ومساندة في مختلف أصقاع الأرض، وما تقوم به من خدمة للإنسانية عمومًا – وعلى سبيل المثال لا الحصر: البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة، الذي أجرى عشرات العمليات الناجحة، ففرّج كربًا عن أولئك الضعفاء وذويهم.

    عندما نتأمل كل هذا – وهو غيض من فيض مما تبذله بلادنا من مدّ جسور الخير للبشرية جمعاء، ونشر الفضيلة – لا يسع المرء إلا أن يقول: لن يخيّب الله مسعى أمة هذا دأبها، وسيؤيدها بنصره وتمكينه، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. صدق الله العظيم.

  • مناسبة العيد !

    عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

    العيدُ أيّامُ فرحٍ وسرور، وتواصُلٍ وتراحُم، وتجديدٍ للعهد مع النفس والآخرين. فيه تتجلّى المعاني الإنسانية في أبهى صورها؛ يجتمع الناس بعد طول افتراق، وتتصافح الأيدي، وتتصافى القلوب، فتسود روح التسامح، ويزول ما تراكم في الصدور من كدرٍ أو سوء فهم لا تخلو منه الحياة.

    وفي العيد تذكيرٌ حيٌّ بحقّ الأهل والأقرباء والأصحاب والأصدقاء، وفرصةٌ سانحة لمشاركتهم الفرح، وتجديد الصلة بهم، واستحضار قيمة الاجتماع بعد نأي وفرقة.

    وهو وقتٌ لإعادة ترتيب الأولويات؛ يدرك فيه المرء أن السعادة الحقيقية لا تكتمل إلا بقرب مَن يحب، وبمَن يشاركه الفرح والترح. وحين تتوحّد المشاعر، تتجلّى الأُلفة وتقوى اللُحمة، وتسمو الروابط الروحية، وتتوثّق الأواصر الاجتماعية، فينعكس ذلك على الفرد طمأنينةً وراحةً نفسية، وعلى المجتمع تلاحمًا يعزّز تماسكه ويحميه من التفكك.

    وهكذا يظلّ العيد فرصةً ثمينة لتصفية النفوس من كل ما علق بها من إِحَن، ولمّ الشمل بعد تفرّق، واستعادة ما تشتّت من الودّ، وتجديد ما انقطع من الصلات. وبه يقترب الإنسان من ربّه أولًا، ومن نفسه وممّن يأنس بهم ويألفونه. فيجد في العيد مناسبةً لإراحة البدن، وإنعاش الوجدان، وإحياء البصيرة، وتجديد الأمل، ودافعًا للاستمرار في مواجهة قادم الأيام بقلبٍ مطمئن، وروحٍ متفائلة، ونشاطٍ متجدّد.

    بارك الله لكم جميعًا في هذا العيد، وجعله عيدَ خيرٍ وبركةٍ وسعادةٍ ومودّة. وكل عام وأنتم بخير.  

  • ﴿يا بني آدم لا يفتننَّكم الشيطان﴾

    عندما نتابع ما تكشّف في الآونة الأخيرة من أحداث وفضائح في الغرب، وما انطوت عليه من شذوذ وفساد وقبح، ونرى كيف تورط فيها عدد غير قليل من مشاهير العالم وأصحاب النفوذ والقرار، ندرك أننا أمام منظومة تعمل على هدم الأخلاق ونشر الشر.
    فالتفاصيل التي خرجت إلى العلن، وما ظهر من مراكز قذرة تُستدرج إليها شخصيات مؤثرة، تكشف عن شبكة تعمل في الخفاء، تمارس الابتزاز والترغيب والترهيب لتسيطر على مصائر هؤلاء، وتدفعهم إلى اتخاذ قرارات تخدم تلك الدوائر المظلمة.
    وحين نتأمل هذا المشهد كله، تتبدى لنا إجابات لأسئلة طالما حيرتنا ولم نجد لها تفسيرًا مقنعًا من قبل:

    من يقف وراء الدفاع المستميت عن الشذوذ الجنسي؟

    من يشرّع قوانينه ويفرضه على المجتمعات؟

    من يدفع باتجاه التحول الجنسي ويجعله قضية مركزية؟

    ومن يغذي تفكك الأسرة في الغرب ويعمل على تقويض بنيانها؟

    واليوم، بعد أن انكشفت بعض خفايا تلك الشبكات التي تورطت فيها شخصيات نافذة، أصبح بالإمكان فهم كيف تُدار هذه الملفات، ولماذا تُفرض على العالم فرضًا.
    وهكذا، حين نربط بين ما ظهر من فضائح وما يُفرض من قيم منحرفة، تتضح الصورة بوضوح: هناك منظومة كاملة تعمل على إعادة تشكيل الأخلاق، وتوجيه القرار السياسي والاجتماعي، وتطبيع الرذيلة، مستغلة نقاط ضعف بعض من بيدهم السلطة، لتصنع عالمًا يتوافق مع رؤيتها المنحرفة.

    إنه الوجه الحديث للشر، النسخة المعاصرة من فتنة الشيطان التي حذّرنا الله منها، في قوله تعالى: ﴿يا بني آدم لا يفتننَّكم الشيطان﴾ صدق الله العظيم.

  • دارة عصبية في الدماغ ..

    تُعد الاستجابة الشرطية إحدى أقدم النظريات في علم النفس، وقد وضع أسسها الطبيب الروسي إيفان بافلوف عام 1903، كما جاءت الإشارة إليها لدى الفيلسوف أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وتقوم هذه النظرية على أن الكائن الحي يتعلم الربط بين مثير ونتيجة، مما يجعل السلوك لاحقًا استجابة تلقائية لهذا الارتباط.

    وفي خطوة علمية حديثة لفهم آليات الدافعية البشرية على المستوى العصبي، كشف فريق بحثي من جامعة كيوتو اليابانية عن دارة عصبية جديدة قد تفسر سبب صعوبة البدء في المهام أو إنجازها لدى الكثيرين – ما يُعرف عادةً بالكسل أو التراخي – حتى مع وجود رغبة حقيقية في القيام بها. ونُشرت نتائج هذا البحث في مجلة (Current Biology)، وهي مجلة علمية محكمة وتُعد من أبرز المنصات العالمية لنشر الاكتشافات العلمية الرائدة.

    يركز الاكتشاف على دارة عصبية تربط بين منطقتين رئيسيتين في الدماغ تلعبان دورًا أساسيًا في تقييم المكافآت – وهي أي نتيجة إيجابية متوقعة مثل الشعور بالإنجاز أو الفائدة الملموسة – والمخاطر والمثبطات – أي النتائج السلبية المحتملة مثل الفشل أو بذل جهد كبير دون ضمان نجاح -. ويقوم الدماغ بموازنة هذين الجانبين باستمرار قبل اتخاذ قرار أو البدء في مهمة.

     وأظهرت الدراسة أن هذه الدارة تعمل كآلية كبح (فرملة) داخل الدماغ. فمع زيادة نشاطها، يصبح الفرد أقل قدرة على بدء المهام تباطؤ أو تردد وكسل، حتى لو كانت المكافأة المتوقعة كبيرة. وعلى النقيض، يؤدي انخفاض نشاطها إلى ارتفاع الدافعية، وربما إلى اندفاع أو تهور في اتخاذ القرارات. وقد أثبت الباحثون ذلك من خلال تجارب علمية مخبرية دقيقة.

    ويمثل هذا الاكتشاف خطوة هامة نحو فهم أعمق لاضطرابات الدافعية، مثل التردد المزمن، التسويف، وبعض أعراض الاكتئاب أو الفصام أو مرض باركنسون. كما يفتح أبوابًا لتطوير علاجات مستقبلية تستهدف هذه الدارة، مثل التحفيز العميق للدماغ أو الأدوية، لتحسين القدرة على اتخاذ القرارات والبدء في المهام والإنجاز.

    ولا يقدم هذا البحث تفسيرًا بيولوجيًا فحسب، بل يسلط الضوء أيضًا على تفاعل الدماغ مع الضغوط اليومية، وكيف يمكن لآليات عصبية دقيقة أن تحدد ما إذا كنا سنبدأ المهمة الآن أو نؤجلها أو نشطبها نهائيًا من أجندتنا. قال تعالى (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) صدق الله العظيم.