أصحاب الفكر المستقل .

Elderly man with gray beard and turban sitting in a market with textiles and spices behind him
An elderly man in traditional clothing sitting in a bustling market corridor

سبق أن ذكرتُ أن في كلّ مجتمع أناسًا — وقد يكون أحدهم بيننا — يمتلكون ميزة نادرة لا توجد عند أغلب الناس، إذ يتصرّفون وفق قناعاتهم في معظم شؤون الحياة، ولا يتأثرون بالفكر السائد ما لم يقتنعوا به. وقد سَمَّيْتُهُم أصحاب الفكر المستقل.

العتّابي، واسمه كلثوم التغلبي، من أسرة ذات شرف ورفعة، يمتدّ نسبه إلى عمرو بن كلثوم صاحب المعلّقة وسيّد تغلب وشاعرها، كان سريع البديهة في المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز. و العرب تقول : من تمنّى رجلًا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، فقد تمنّى شيئًا عسيرًا، وقد اجتمع ذلك كلّه للعتّابي.

وكان من جلساء الخليفة هارون الرشيد، ومع ذلك ظلّ منصرفًا عن المادة، زاهدًا فيها، ولم يمدّ عينيه إلى ما في أيدي البرامكة من مال، ولا إلى عطاياهم السخيّة، رغم قربهم منه. ولم يكن يبالي بملبسه وهيئته كما كان يفعل من يحضر مجلس الخليفة ، فعاتبه يحيى بن خالد البرمكي-مربي الرشيد والمتصرف في ادارة شؤون قصر الخلافة- على مظهره فأجابه العتّابي قائلًا:

أبعدَ الله رجلًا همّه أن يكون جماله في لباسه وعطره؛ فإنما ذلك حظّ النساء وأهل الأهواء. إنما يرفعه أكبراه: همّته ولبّه، ويعلو به معظماه: لسانه وقلبه.

رحمه الله، فقد كان من أصحاب الفكر الاستقلالي في اللباس والهيئة يلبس ما يرتاح اليه لا ما يعجب الآخرين.

 وله قصة أخرى تظهر منها شخصيته المستقلة، سأوردها لكم في مشاركة قادمة إن شاء الله تعالى، وسلامتكم.

التعليقات

أضف تعليق