
إذا تأمّل المرءُ فيمن يُخالطهم في تعاملاته اليومية، أو يجمعه بهم جوارٌ لصيق، أو يُصاحبهم في رحلاتٍ طويلة، أو غير ذلك مما يُمتحَن به معدنُ الرجال، أدركَ ندرةَ الذين يُعوَّل عليهم، ويُطمأنُّ إلى أمانتهم، وطيبِ معدنهم، وحسنِ وفائهم، وصدقِ ودّهم، وثباتِهم عند تقلّب الأحوال.
وقد أبان النبي ﷺ هذه الحقيقة في الحديث الشريف: «إنما الناس كالإبل المئة، لا تكاد تجد فيها راحلة». فالإبلُ وإن كثرت وتعدّدت أصنافُها، فإن الراحلةَ النجيبةَ القويةَ القادرةَ على التحمّل، الصبورةَ على قطع المفاوز، قليلةٌ نادرة.
وكذلك الناس: قد تختبر منهم المئات، غير أنّ من تستقيم سريرته، وتصفو طويته، وتثبت عند الشدائد عزيمته، وتطمئنّ النفسُ إلى وفائه، قليلٌ نادرٌ كندرة وجود الراحلة في القطيع.
ومن المعلوم أنّه لا يكاد يجتمع الكمالُ المطلق في أحدٍ من الخلق؛ فلكلِّ صارمٍ نَبْوَة، ولكلِّ جوادٍ كَبْوَة، ولكلِّ إنسانٍ هَفْوَة.
ولكن سبيلَ العقلاء هو السدادُ والمقاربة، ولا بدّ من الإغضاء عن اليسير فيمن عُرف باستقامته، وحسنِ نيّته، وصفاءِ سريرته، وطيبِ طويته.
وقد قال الشاعر قديمًا: وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لا تَلُومُهُ * عَلَى شَعَثٍ، أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ؟
أضف تعليق