الكاتب: أحمد مصلح الثمالي .

  • الخنفساء المدفعية (Bombardier beetle)

    الخنفساء المدفعية (Bombardier beetle)

    منح الله سبحانه وتعالى هذه الخنفساء نظامًا دفاعيًا فريدًا يتمثل في قدرتها على إنتاج وإطلاق سائل كيميائي ساخن وسام من مؤخرة بطنها عند تعرضها للخطر. تمتلك هذه الحشرة غددًا متخصصة تُنتج مادتين كيميائيتين، هما الهيدروكينون وبيروكسيد الهيدروجين، تُخزَّنان في خزانات منفصلة داخل جسمها.

    عند شعورها بالتهديد، تُفرغ هاتين المادتين في غرفة تفاعل صغيرة داخل بطنها، حيث تتفاعلان بمساعدة إنزيمات محفزة. ينتج عن هذا التفاعل انفجار حراري تصل درجة حرارته إلى ما يقارب (100) درجة مئوية، ويُطلق السائل الناتج على شكل رذاذ متقطع بنبضات سريعة، قد تصل إلى عدة رشقات في الثانية الواحدة، حسب شدة التهديد. تستطيع الخنفساء تكرار هذه العملية عدة مرات بفضل قدرتها على إعادة تعبئة الخزانات بالمواد الكيميائية.

    يُعد هذا النظام الدفاعي من أعقد الأنظمة الكيميائية في عالم الحشرات، ويشبه في مبدأه التفاعلات المحكمة في محركات الاحتراق الداخلي أو أنظمة دفع الصواريخ الصغيرة. وقد ألهم هذا التصميم تطبيقات مبتكرة في مجالات الهندسة الحيوية والتقنيات الدفاعية. (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) صدق الله العظيم.

  • دعوة للتأمل.

    قال تعالى :(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ)

    في الآيتين توضيح للعلاقة الوثيقة بين الانحراف العقدي والسلوك الاجتماعي، وتُحذير من العواقب الوخيمة التي تترتب على الإعراض عن منهج الله القويم. ولا تكتفي بوصف التًولي عن الدين كفعل سيئ يُنْبِئُ عن انحراف عن العقيدة السليمة ، بل تُبين كيف أن هذا التًولي يفتح الباب للفساد في الأرض، ويمتد أثره إلى تفكك الروابط الأسرية، التي هي أساس البناء الاجتماعي.

    و تُبرز أن صلة الرحم ليست مجرد فضيلة اجتماعية، بل هي مقياس للإيمان، وأن قطعها علامة على الانحراف وسبباً للعنة الإلهية. فالمعرضون عن الحق لا يكتفون بالابتعاد عن النهج القويم، بل يُفسدون، ويهدمون ما بناه الدين من تماسك وتراحم.

    ثم تأتي العقوبة اللعن، والصمم، والعمى، فهم لا يسمعون ولا يبصرون ما ينفعهم أو يضرهم ويفقدون البصيرة والقدرة على تمييز الحق من الباطل والصحيح من الخطأ.

    وفي الآيتين كشف عن أثر العقيدة في السلوك، ودعوة المؤمنين إلى مراجعة النفس وهل في سلوكها ما يدل على فساد أو قطيعة؟ إنها دعوة للتأمل. والله أعلم،

     
    
  • التقوى: خلقٌ دائم ومنهج حياة.

    التقوى خُلقٌ راسخ ومنهجٌ سلوكيٌّ يلازم المؤمن في أقواله وأفعاله، ويهديه في مسالك الحياة. وهي شعورٌ دائمٌ بمراقبة الله سبحانه وتعالى، وتعظيم أوامره وامتثالها، وتعظيم نواهيه واجتنابها، والحرص على رضاه، والالتزام بالحق والعدل والصدق حتى في أدقّ المواقف وأصعبها.

    وتتجلى حقيقة التقوى حين تتحرك الرغبات والميول، وتتباين الآراء، وتختلف النوايا، وتتشابه الصور، وتتشعب الطرق ، في غمار أعمال الحياة، فنجد من يحيد عن الصواب، ويُميله الهوى عن العدل والصدق، واتباع الحق (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) وفي المقابل نجد الملتزمين بالتقوى العارفين بأنها منهج النجاة، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).

    وليست التقوى في ترك الحرام فقط، بل في اجتناب المشتبهات خشية الوقوع في المحرمات، قال ﷺ:(إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه…) وقال ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، قال ابن رجب رحمه الله:(وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى.)

    فعندما يكون القلب السليم ميزانًا، والعقل الواعي الحكيم حكمًا، والبصيرة الثاقبة رادعًا، تأتي النتيجة عملًا منضبطًا موزونًا بميزان التقوى، فالتقوى ليست خُلقًا عابرًا، ولا سجيةً متكلَّفة، بل هي حالة قلبية دائمة تزن الأفعال بميزان رضا الخالق لا بميزان الهوى، فتجد صاحبها يعفو لا عن ضعف، بل لأن العفو أقرب للتقوى، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ويعدل ويصدق حتى مع من يكره، امتثالًا لقوله تعالى(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وهو يرى في التقوى بابًا لتفريج الكرب ، وجلب الرزق ،وتيسير الأمور، ثابت الثقة بالله، حَسَنُ الظن بربه، كما قال سبحانه: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) وقوله:(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).

    والتقوى هي الزاد الحقيقي في رحلة الحياة، كما قال الله تعالى:(فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وقد لخّص الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله هذا المعنى في خطبته الأخيرة حين قال:(إن لكل سفرٍ زادًا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم.)

    فمن أراد الزاد للدار الآخرة، ونيل القبول، والتيسير، والرفعة، والرزق في الدنيا، فليجعل التقوى نصب عينيه في كل عمل، وليجعل الوَرَع ملازمًا لحياته، وليحاسب نفسه بمعيار التقوى، وليجعل هدفه الدرجات العُلاَ.

    وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ.

    وَتَقْوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وَعِندَ اللهِ لِلْأَتْقَى مَزِيدُ.

  • بين كُثَيِّرُ عزة والأخطل التغلبي .

    كُثَيِّرُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الخُزاعيُّ، المعروفُ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ، كان شاعرَ أهلِ الحجازِ في العصرِ الأمويِّ، لا يُقدِّمونَ عليهِ أحدًا، وكان بنو مروانَ يُعظِّمونهُ ويُكرِمونه. وكان مُفرِطَ القِصَرِ، دَميمًا، وفي نفسِه شَمَمٌ وتَرَفُّعٌ.

    وقد حدث أنَّ كُثَيِّرًا كان يُنشدُ الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ قصيدةً له، وعنده الأخطلُ غِياثُ بنُ غَوْثٍ التَّغلِبيُّ، وكان نصرانيًّا — إذ كانت قبيلةُ تغلبَ نصرانيةً ثم أسلمتْ مع مرورِ الوقتِ -.

    فقال الخليفةُ للأخطلِ: كيف ترى؟ فقد كان الخليفة يعلم الفارق بين أسلوب الشاعرين وبيئة شعرهما وأغراض الشعر عندهما فأراد أن يثري النقاش بسؤال الأخطل عن رأيه فيما سمع .

    فقال الأخطلُ: حجازيٌّ مُجَوَّعٌ مَقْرورٌ، دَعْني أَضْغَمْهُ يا أميرَ المؤمنين — وكأنَّهُ احتقرَهُ لقِصَرِهِ ودمامتِهِ –(وأضغمه أي أعضه ويسمى الأسد ضيغما ) وأراد أن يفتعل موقفا يثير كثير عزة ، وربما دارت بينهما مساجلات كتلك التي كانت تدور بين الخطل وشعراء عصره مثل الفرزدق وربما لمس من سؤال الخليفة أنه يريد افتعال مثل هذا الموقف.

    فقال كُثَيِّرٌ: من هذا يا أميرَ المؤمنين؟ (الأرجح أنه يعرفه ولكن أراد بالسؤال عنه التقليل من قدره فكأنه نكرة غير معروف لديه )

    فقال له: هذا الأخطلُ.!

    فقال له كُثَيِّرٌ: مَهْلًا، فهلا ضَغَمْتَ الذي يقول:

    لا تطلبن خُؤولةً في تغلبٍ فالزنجُ أكرمُ منهمُ أخوالا.

    والتغلبيُّ إذا تنحنحَ للقرى حكَّ استَهُ وتمثَّلَ الأمثالا.

    فسكتَ الأخطلُ، فما أجابهُ بحرفٍ. والشِّعرُ من قصيدةٍ لجريرٍ يهجو فيها الأخطلَ.

    يقول أبو العتاهية:

    وَلَئِن ندمت على سكوتك مرة. فلقد ندمت على الكلام مرارا.

    إن السكوت سلامة ولربما. زرع الكلام عداوة وضرارا.

  • العزلة المعرفية .

    عندما يُنهي البعض مراحل التعليم الرسمي والدراسة المنهجية، يبدأ في بناء معرفته عبر اختيارات ذاتية يُشكلها ميوله وتتحكم فيها توجهاته. فيقرأ الكتب التي تستهويه، ويطّلع على الصحف والمجلات التي تناسبه، ويتابع البرامج والمقاطع التي تجذبه، ويزور المواقع التي تتماشى مع اهتماماته. كما يشارك في المنتديات والمؤتمرات التي تروق له، ويختار أصدقاءه وجلساءه ممن ينسجم معهم، متجنبًا ما لا يناسب ميوله، بل قد ينفر منه أحيانًا.


    هذا السلوك طبيعي في الإنسان، وقد استغلت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، هذه الطبيعة الفطرية فتبرز لكل شخص المحتوى الذي يلبي ميوله، ومن خلال تتبع ما يشاهده أو يتابعه أو يكتبه، تعمل هذه التقنيات على تسهيل وصوله الى المادة التي تُشبع رغباته وتتماشى مع توجهاته.


    والميل الفردي المحدود، والثقافة الموجّهة يحصران الفرد داخل دوائر معرفية مختارة، شبيهة بأغلفة دودة القز الحريرية التي تحتمي بها. فتصبح مصادره المعرفية مغلقة، ومحفزات التفكير محدودة، تقيّد العقل وتحصر الثقافة.
    والحكيم لا يحصر نفسه في دوائر معرفية ضيقة، بل يُوسّع آفاق تفكيره، وينهل من جميع الأوعية المعرفية لتطوير رؤيته الفكرية يستفيد من الإيجابيات ويتفادى السلبيات، مدركًا أن مصادر المعرفة واسعة وتحمل ما يعينه في حياته، ويمنحه حلولًا لتحقيق طموحاته وأهدافه.


    إن القراءة في مختلف التخصصات، والاطلاع المفتوح على شتى جوانب المعرفة، وخوض التجارب الإيجابية في مجالات الحياة، إلى جانب مجالسة طبقات المجتمع المتنوعة من مختلف الأعمار، والحوار معهم وسماع آرائهم، والسفر والاحتكاك بأطياف البشر، كلها عناصر تُوسّع المدارك، فهي تُنمي المعارف وتُحسّن جودة القرارات في شتى مناحي الحياة.

  • ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع .

    اذا تأملنا الأشياء حولنا نجد أنها تمر في دورات، بعضها دورته قصيرة والبعض دورته طويلة، وكلها مرتبة على أساس منطقي هو: بداية، صعود وتوسع، وكمال ونضج، ثم نقص وانحدار ، حتى الوصول الى القاع و (مَـا طَـارَ طَـيْـرٌ وَارْتَفَعْ إِلَّا كَـــمَــا طَــارَ وَقَــعْ) .
    ومثال ذلك في علم الاقتصاد يوجد الدورة الاقتصادية، وتُعرف باسم دورة الأعمال، وهي حركة دائرية للاقتصاد أثناء انتقاله من النمو إلى التوسع ثم الذروة والكمال ثم الانكماش والهبوط الى القاع والعودة مرة أخرى. هذه نظرية معروفة ومألوفة يعرفها خبراء الاقتصاد ويسير على منهاجها رجال المال والأعمال .
    وهناك أمثلة كثيرة لدورات الحياة في كل منحى من مناحيها، تبلغ فيها الأشياء ذروتها ثم تنزل الى القاع مرة أخرى، ففي الأحياء دورات يمر بها كل كائن حي بما فيها الانسان يقول تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وحضارات الأمم، والامبراطوريات، تمر بدورات نشأة وصعود وسطوع ثم تواكل ، ودعة وضعف ،ونزول ، وانحطاط ،واضمحلال ، وأفول. اقرؤوا ذلك عند ابن خلدون ان شئتم. ولو تأملتم ما حولكم فسوف تلاحظون هذه الدورات…
    بقي أن نقول ان يجب على المرء العاقل التفكير جيداً في مناحي حياته وما حوله ويميز من هذه الدورات ما يعنيه، ويُخمٍن حَجمها، وعُمرها، وموقعه منها، وكيف يجني منافعها، ويتجنب تبعاتها.

  • قصاصات الإنترنت.


    هناك العديد من الصور على الانترنت على شكل قصاصات وملصقات اجتهد واضعوها في تجميلها فبعضها مؤطرة ومزخرفة، ينقلون فيها حِكماً ومَواعِظ وأقوالاً مأثورة وأشعاراً جميلة، وينسبونها الى كَاتب أو كِتاب، ويتناقلها الناس حباً في المعرفة.
    ويلاحظ أن بعض صانِعي ومنتجي تلك القصاصات، ينقلون نقلاً غير دقيق ويجْتَزئون الأقوال ويجتهدون أحياناً بالحذف والتبديل لبعض الكلمات اجتهاداً منهم في تبسيط المَنْقول للناس.
    ومن الواجب على من ينقل تلك القصاصات أو يروي محتواها أن يتثبت من صحة ما جاء فيها ويتتبع مصادرها ويدقق في صحة النقل، وتلكم هي الأمانة العلمية التي توجب نسبة كل قول لقائله، وكما جاء عنده لا عند مُجتهدٍ بَتَرَه من سياقه، أو بدل بعض كلماته، أو اجتهد في صيغة عباراته، دون تنويه أو اشارة. فاذا عَتَم علينا فهمه أو التبس معناه عتبنا على من ُنسب اليه القول وهو منه براء.
    وقد جاء في مقدمة كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي قوله: (ثم اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سويّ، فقطع أطرافه فتركه أشلّ اليدين، أبتر الرجلين، أعمى العينين، أصلم الأذنين، أو كمن سلب امرأة حليّها فتركها عاطلا، أو كالذي سلب الكميّ سلاحه فتركه أعزل راجلا) والعاقل لا يقدم على هذا الفعل المشين ولا يكون لفاعله معين.

  • حسن الظن من صفات الأخيار.

    سوء الظن وبناء الأحكام على مجرد الشكوك والأوهام من الآفات النفسية والأخلاقية التي تنخر في جسد العلاقات الإنسانية، وتفتك بروح التآلف والتلاحم بين الناس. إنه ذلك الشعور القاتم الذي يجعل الإنسان يفسر أفعال الآخرين على أسوأ وجه، ويُضمر في قلبه الريبة والشك تجاه كل تصرف أو موقف أو كلمة، حتى لو كانت بريئة. والشخص الذي يسيء الظن دائما يعيش في عزلة نفسية، يتوجس من كل من حوله، ويظن أنهم يتآمرون عليه، فيتحول إلى كائن انطوائي، دائم القلق، فاقد للراحة والسكينة. وظنه السيئ هذا لا يقتصر أثره عليه فحسب، بل يمتد ليهدم جسور الثقة، ويزرع العداوة، ويقوض أسس تماسك المجتمع.

    وقد نهى الله تعالى عن هذا الخلق الذميم في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك لما فيه من ظلم للناس وافتراء عليهم دون بينة أو دليل.  قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.

    ومن أخطر أنواع سوء الظن أن يسيء الإنسان الظن بربه، فيظن أن الأقدار لا تحمل له إلا السوء، وأن دعاءه لا يُستجاب، وأن يظن أن الله لا يرحمه ولا يقبل منه ولا يعفو عنه. وقد ورد في الحديث القدسي: “أنا عند حسن ظن عبدي بي”. وفي الحديث أيضا «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».

    و سوء الظن يدفع الإنسان الى تصرفات مكروهة ومذمومة، ويجعله يتجسس على الخلق ويتتبع عورات الناس، ويقع في الغيبة والنميمة، لما تلبسه من سوء الظن فتضعف ثقته بالآخرين فيكرهونه ويبتعدون عنه اتِّقَاءَ شَرهِ.  قال الإمام الغزالي: (الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنساناً يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق).

    قد يكون سوء الظن خلقًا ملازمًا لبعض الأشخاص، مسيطرًا على تفكيرهم معظم الوقت، وقد يكون طارئًا عند البعض لفترة محدودة بسبب ظروف تمر بهم أو مواقف تصادفهم. وقد يتلبس هذا الخلق الفرد دون أن يشعر به أو يعيه، مما يستوجب على الإنسان أن يكون واعيًا لسلوكه، مدققًا فيما يطرأ عليه من مواقف وتغيرات.

    ولا يقتصر أثر سوء الظن على العلاقات العامة، بل يتغلغل إلى داخل الأسر والبيوت، فيفسد العلاقة بين الأقارب وبين الزوجين، ويشعل نار الخلافات، ويؤدي إلى    الفرقة وقطيعة الرحم، وكل ذلك بسبب الحكم المتسرع المبني على ظنون لا أساس لها. ولهذا دعا الإسلام إلى التبين والتثبت، وترجيح حسن الظن، والتمهل قبل إصدار الأحكام، لأن الإنسان لا يعلم ما في القلوب، ولا يملك مفاتيح النوايا. فحسن الظن يفتح أبواب المحبة، ويمنح النفس راحة وطمأنينة، ويجعل الإنسان متفائلًا مقبلًا على الحياة مرتاح البال محبوبا من الآخرين، بينما سوء الظن يحبس صاحبه في سجن من الشك والترقب والكراهية.

  • معادلة نعم ولا.

    بمناسبة نقاشنا حول أهمية اللطف في التعامل مع الناس، وما أشرنا إليه من أن اللين والحلم والتغاضي من شيم الكرام، وأن السماحة تجمع القلوب، بينما يَنفُر الناس من الغِلظة والفظاظة، وأن اللطف يُسعِف في تحقيق الأهداف أكثر مما يُسعِف العنف؛ ومع ذلك، فإن لعلماء النفس رأيًا في الموضوع، حيث يرون أن الإنسان السوي يحب أن يقول “لا” أحيانًا. وهناك كتاب صدر بعنوان “داء إرضاء الآخرين” – The Disease to Please للدكتورة النفسية هارييت بي برايكر، وقد صدر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002م، وصُنف ضمن الكتب الأكثر مبيعًا في حينه.

    والكتاب لا ينتقص من قيمة اللطف في التعامل على النحو الذي ذكرنا، بل يهدف إلى تقويم سلوك بعض الناس الذين بلغ بهم الحال إلى ما يُعرف بـ”متلازمة إرضاء الآخرين”، وهي حالة من المبالغة في اللطف وعدم الممانعة، ناتجة عن قصور سلوكي. وهذه الحالة ضارة ومؤذية للشخص، وذلك حين تتحول الرغبة في إرضاء الآخرين إلى نمط نفسي قهري، لا ينبع من كرم الشمائل دائمًا، بل من خوفٍ دفين من الرفض وتبعاته، أو شعورٍ بعدم الثقة بالنفس، أوعجزٍ عن قول ما يعتقد المرء صحته وصوابه.

    ويرى الكتاب أن هذه الحالة نوع من الإدمان السلوكي الذي يُعطّل حياة صاحبها ويستهلك طاقته، لما يكابده من معاناة نفسية وحسية، وصعوبة في قول “لا”، إذ يتحمّل مسؤولية مراعاة مشاعر الآخرين، ويشعر بتأنيب الضمير إن لم يستجب لطلباتهم ويحقق رغباتهم، ويقيس قيمته الذاتية بمدى رضاهم عنه، حتى إنه “يعيش وكأن قيمته لا تُقاس إلا من خلال عيون الآخرين.” وهؤلاء “الأشخاص الذين همّهم إرضاء الجميع ليسوا مجرد لطفاء يُفرطون في المجاملة، بل هم أسرى حاجة قهرية لاكتساب قبول الآخرين.”

    وتقع المشكلة حين يتحول الأمر من مجرد سلوك اجتماعي طبيعي إلى مرحلة إدمان، فيسعى إلى نيل الاستحسان أو القبول من الآخرين ولو على حساب حاجته وراحته، ولسان حاله يقول: “لا يجوز أن أُخيّب ظن أحد”، و”احتياجاتي أقل أهمية من احتياجات الآخرين”، ويتجنب الرفض مهما كان الثمن خشية النقد أو الاستنكار، مما يضخّم المشكلة ويحوّلها إلى مرض حقيقي، خاصة حين يُستغل من الآخرين الذين يدركون نقطة ضعفه.

    ويشير الكتاب إلى أن هذا النمط من التفكير غالبًا ما يكون نتيجة لتربية مشروطة، حيث يتعلم الطفل أن الحب والقبول لا يُمنحان إلا بالطاعة والسلوك المثالي. ومع الوقت، تتحول هذه القناعة إلى عادة نفسية تدفعه إلى تهميش ذاته في سبيل إرضاء الآخرين، مما ينعكس على شخصيته بشعور دائم بالضغط والتوتر، وعلاقات غير متوازنة، ولومٍ للذات وتحسرٍ مستمر.

    لذا، فإن هذا النمط السلوكي يجب أن يُقوَّم، وعلى صاحبه أن يتعلم أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، وأن من الواجب تعديل سلوكه، وأن يتعلّم متى يجب أن يقول “نعم”، ومتى يجب أن يقول “لا”. فاللطف لا يتعارض مع الحزم، ولا يستلزم أن تتفق دائمًا مع الغير، والحلم لا يعني التنازل عن الحقوق، والرحمة لا تبرّر الذوبان في الآخرين، وأن “من حقك أن تقول لا، وأن ترفض دون شعورٍ بالذنب، وأن تحمي وقتك وطاقتك من الاستنزاف”، وتحترم ذاتك وتتمسك برأيك.

    فالغاية ليست أن يُحبّنا الجميع، بل أن نحيا باتزان، ونحترم أنفسنا دون أن نسقط في هاوية الموافقة الدائمة. فأنت تستحق الاحترام حتى لو لم تُرضِ الجميع.

    لئِن كُنتُ مُحتاجًا إِلى الحِلمِ إِنَّني* إِلى الجَهلِ في بَعضِ الأَحايِينِ أَحوَجُ.

     وَلي فَرَسٌ لِلحِلمِ بِالحِلمِ مُلجَمٌ *وَلي فَرَسٌ لِلجَهلِ بِالجَهلِ مُسرَجُ.

  • فلسفة الابداع .

    الحياة أجمل حين نعيشها وفق قناعاتنا، لا كما يريدها الآخرون. حين نسلك طريقنا بثقة وننأى عن تدخل المتطفلين، تتفجر الطاقات وتزدهر الأفكار، ويغدو تحقيق الأهداف أيسر. كم نهدر من وقت وجهد في إزاحة عوائق وضعها غير المعنيين بدعوى الخوف علينا والاهتمام بنا .

    دعني أعيش كما أريد، دعني أعمل، دعني أُبدع… لا تصرّ على أن أقتفي خطاك، فأنا لست نسخة مكررة منك. يقول “سقراط”: “اعرف نفسك”، فالمعرفة تبدأ من الذات لا من تقليد الغير. التنوع في الفكر منهج حضاري، فلا ينبغي حصر الجميع في قالب واحد. قال “جون لوك”: “العقل ليس وعاء يجب ملؤه، بل نار يجب إشعالها”، وبهذا تُدرك أهمية تفتيح الآفاق وإثارة التساؤل.

    الإبداع فطرة في كل إنسان، فإن نُميَّت بحرية، تطورت لصالح الجميع، وإن قُمعت، تلوثت بطفيليات التقليد. وقد أشار “إيمانويل كانت” إلى أن “التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي يتحمل مسؤوليتها بنفسه”. فلا تنمية بلا استقلال فكري واحترام للعقول وابداعها.

    الأمم الحيّة تُجدد ذاتها وتغير من أوضاعها أما الأمم الجامدة فتشيخ باكرًا، وكما قال مالك بن نبي: “حين تكون الأمة مبدعة، تُصنع الحضارة من حولها تلقائيًا”. والإبداع ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لتقدّم المجتمعات.