التصنيف: Uncategorized

  • للمتقاعدين :

    Elderly men playing chess and drinking coffee in a traditional Middle Eastern café with stone walls and large windows.
    A group of elderly men enjoy coffee and a chess game in a lively café.

    تأمّلتُ جانبًا من سلوكي، وهو جانب يشترك فيه كثيرون، امتدَّ معي منذ سنوات الدراسة والتحصيل العلمي، واستمرَّ طوال مرحلة العمل.

    إنّه جانب الاهتمام الشديد والتحفّز الدائم، والاستغراق في التفكير، والتعمّق في كل ما يُعدّ ذا بالٍ في شؤون الحياة ، مع الاستعداد لكل طارئ، والتحسّب لكل احتمال. ويمتدّ هذا الاهتمام، بشكل أو بآخر، إلى الشأن العام ومتابعة الأحداث، وما يصاحب ذلك من توتّر وقلق.

    والقليل منّا مَن لا تعتريه مشاعر القلق والتوتّر الناتجة عن المبالغة في الاهتمام والاستعداد لكل أمر. وهذا أمر طبيعي في سياق السعي إلى النجاح؛ فبقدر الاهتمام يكون تحقيق الأهداف في مختلف مناحي الحياة. غير أنّ الشخص السويّ هو الذي يستطيع التحكّم في هذا السلوك، وموازنة الأمور، وضبط حدود القلق بحيث لا يتحوّل إلى عبء دائم.

    ويبقى السؤال المهم: إلى متى ينبغي أن يصاحبنا هذا السلوك؟ وإلى أيّ مرحلة عمرية يمكن للإنسان أن يتحمّل تبعاته؟

    أرى أنّ هذا السلوك لا بدّ أن يُضبط بحدٍّ زمني في حياة الفرد، فلا يستمرّ دون مراجعتة.وفي مرحلة من مراحل العمر المتأخرة ، ينبغي للإنسان أن يكون قد روّض هذا السلوك وعدّله .

    أمّا المتقاعدون بعد سنّ الستين، فهذه مرحلة التخفيف من هذا النمط من السلوك، والتدرّج في تركه؛ لأنّ للسنّ أحكامه، ولهذه المرحلة طاقتها المحدودة، وللنفس حاجتها إلى السكينة بعد عقود من الاستنفار.

      سَهِرَت أَعيِنٌ وَنامَت عُيونُ * في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ.

    إِنَّ رَبّاً كَفاكَ بِالأَمسِ ماكا * نَ سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ.

  • ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)

    Man in traditional clothing picking ripe dates from palm trees in an oasis
    A man harvesting ripe dates from palm trees in a lush desert oasis

    في جلسةٍ خاصة، ذكر أحد الحضور أنه اطّلع على وثيقةِ وصيّةٍ قديمة يوصي فيها صاحبُها بثمرِ بعض نخيله لِلَّاعين. وبيّن أن اللاعين – في ذلك الزمن، قبل نحو مئتي سنة أو أكثر – هم أناسٌ كان يبلغ بهم الجوع حدَّ التَّضوُّر والصياح والبكاء من شدّته.

    وكانت هناك غرفةٌ ملحقة بالمسجد يُخزَّن فيها تمرٌ لا يُعطى منه أحدٌ شيئًا إلا إذا بلغ مرحلةً يصبح فيها الطعامُ بمثابة الدواء لإنقاذ روحه.

    وقد بحثت لاحقا فوجدتُ مقالًا في جريدة الرياض تحدّث عن كلمة (لاعي) مع كلمات أخرى منسية، وأنها وردت في كثير من وصايا أهل الخير في نجد، ولا سيما في وصايا أوقاف أهل أشيقر. وجاء في المقال أن اللاعي هو الذي يصرخ في القرية نصف الليل من شدّة الجوع، وقد يصرخ قبل الفجر أو بعد صلاة العشاء مباشرة، وهو متلثّم حتى لا يُعرَف، وصراخه إمّا لجوعه الشديد أو لجوع أطفاله، فيعطيه أهل القرية ما يجدون، وأكثرهم كانوا فقراء أصلًا.

    ثم رجعتُ إلى المعاجم فوجدتُ ما يلي:

    لَعْوَةُ الجوع: حدّتُه وشدّته.

    لاعَ الجوعُ فلانًا: أحرقه وآلمه.

    فاللَّاعِين: الذين بلغ بهم الجوع حدّ التلوّي والصياح والاضطراب.

    وقال الليث: يقال: كلبةٌ لَعْوةٌ، وذئبةٌ لَعْوةٌ، وامرأةٌ لَعْوةٌ؛ أي الحريصةُ التي تُقاتل على ما يُؤكل، والجمع اللَّعَوات.

    ويقال أيضًا: وما بالدارِ لاعي قَرْوٍ، أي ما بها أحد، ومعناه: ما بها من يلحس عُسًّا.

    والقَرْو: الإناء الصغير وحكى ابن بري عن أبي عمر الزاهد أن القَرْو مِيلَغةُ الكلب. قلتُ: صدق أبو عمر الزاهد؛ فنحن بعد ألف عامٍ من وفاته لا نعرف اسمًا للإناء الذي يوضع فيه طعام الكلب إلا القَرْو.

  • الناس كالإبل…

    Herd of camels in a desert valley at sunset with riders on horseback
    A vast herd of camels moves across a desert landscape at sunset with riders guiding them.

    إذا تأمّل المرءُ فيمن يُخالطهم في تعاملاته اليومية، أو يجمعه بهم جوارٌ لصيق، أو يُصاحبهم في رحلاتٍ طويلة، أو غير ذلك مما يُمتحَن به معدنُ الرجال، أدركَ ندرةَ الذين يُعوَّل عليهم، ويُطمأنُّ إلى أمانتهم، وطيبِ معدنهم، وحسنِ وفائهم، وصدقِ ودّهم، وثباتِهم عند تقلّب الأحوال.

    وقد أبان النبي ﷺ هذه الحقيقة في الحديث الشريف: «إنما الناس كالإبل المئة، لا تكاد تجد فيها راحلة». فالإبلُ وإن كثرت وتعدّدت أصنافُها، فإن الراحلةَ النجيبةَ القويةَ القادرةَ على التحمّل، الصبورةَ على قطع المفاوز، قليلةٌ نادرة.

    وكذلك الناس: قد تختبر منهم المئات، غير أنّ من تستقيم سريرته، وتصفو طويته، وتثبت عند الشدائد عزيمته، وتطمئنّ النفسُ إلى وفائه، قليلٌ نادرٌ كندرة وجود الراحلة في القطيع.

    ومن المعلوم أنّه لا يكاد يجتمع الكمالُ المطلق في أحدٍ من الخلق؛ فلكلِّ صارمٍ نَبْوَة، ولكلِّ جوادٍ كَبْوَة، ولكلِّ إنسانٍ هَفْوَة.

    ولكن سبيلَ العقلاء هو السدادُ والمقاربة، ولا بدّ من الإغضاء عن اليسير فيمن عُرف باستقامته، وحسنِ نيّته، وصفاءِ سريرته، وطيبِ طويته.

    وقد قال الشاعر قديمًا: وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لا تَلُومُهُ * عَلَى شَعَثٍ، أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ؟

  • أصحاب الفكر المستقل .

    Elderly man with gray beard and turban sitting in a market with textiles and spices behind him
    An elderly man in traditional clothing sitting in a bustling market corridor

    سبق أن ذكرتُ أن في كلّ مجتمع أناسًا — وقد يكون أحدهم بيننا — يمتلكون ميزة نادرة لا توجد عند أغلب الناس، إذ يتصرّفون وفق قناعاتهم في معظم شؤون الحياة، ولا يتأثرون بالفكر السائد ما لم يقتنعوا به. وقد سَمَّيْتُهُم أصحاب الفكر المستقل.

    العتّابي، واسمه كلثوم التغلبي، من أسرة ذات شرف ورفعة، يمتدّ نسبه إلى عمرو بن كلثوم صاحب المعلّقة وسيّد تغلب وشاعرها، كان سريع البديهة في المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز. و العرب تقول : من تمنّى رجلًا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، فقد تمنّى شيئًا عسيرًا، وقد اجتمع ذلك كلّه للعتّابي.

    وكان من جلساء الخليفة هارون الرشيد، ومع ذلك ظلّ منصرفًا عن المادة، زاهدًا فيها، ولم يمدّ عينيه إلى ما في أيدي البرامكة من مال، ولا إلى عطاياهم السخيّة، رغم قربهم منه. ولم يكن يبالي بملبسه وهيئته كما كان يفعل من يحضر مجلس الخليفة ، فعاتبه يحيى بن خالد البرمكي-مربي الرشيد والمتصرف في ادارة شؤون قصر الخلافة- على مظهره فأجابه العتّابي قائلًا:

    أبعدَ الله رجلًا همّه أن يكون جماله في لباسه وعطره؛ فإنما ذلك حظّ النساء وأهل الأهواء. إنما يرفعه أكبراه: همّته ولبّه، ويعلو به معظماه: لسانه وقلبه.

    رحمه الله، فقد كان من أصحاب الفكر الاستقلالي في اللباس والهيئة يلبس ما يرتاح اليه لا ما يعجب الآخرين.

     وله قصة أخرى تظهر منها شخصيته المستقلة، سأوردها لكم في مشاركة قادمة إن شاء الله تعالى، وسلامتكم.

  • تأملات قرآنية 3.

    تكررت كلمة (نور) ومشتقاتها في القرآن الكريم أكثر من خمسين مرة، وقد بيّن المفسرون معانيها بحسب مواقعها في السور القرآنية. 

    وبتأمل هذه الآيات وتفسيرها وما نلاحظه في حياتنا اليومية، فإن هناك نورًا يُعدّ هِبة ومنحة إلهية لبعض الخلق، وهو نتيجة الإيمان الذي يبعثه الله في قلوب هؤلاء، فيكون لهم هاديًا إلى سبيل الحق ومنيرًا لطرق الحياة. 

     قال الله تعالى ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ صدق الله العظيم.   

     وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ صدق الله العظيم .    

    وكلما امتلأ قلب الشخص بهذا النور زاد فهمه، وقويت حجته، وصدق حدسّه، وتمّت حكمته، ووفّق للسداد في القول والعمل، وسَمَت هِمّته إلى معالي الأمور وارتفع عن سفاسفها، وكل ذلك بسبب النور الذي جعله الله له. 

    والحكمة من آثار هذا النور، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ صدق الله العظيم.     

    ومن حُرم هذا النور فمصيره العيش في الظلمات، والتخبّط في المتاهات، ولن يُحالَفه التوفيق، قال تعالى : ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ صدق الله العظيم.    

     وقال تعالى:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ صدق الله العظيم .  

    هذا النور الإلهي، سبب الهداية للطيب من القول والعمل، ومصدر الحكمة، ومفتاح التوفيق ، وكم هو الفرق بين من يسير في نور الإيمان ومن يتخبّط في ظلمات الغفلة.

  • تأملات قرآنية .2

    نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو الرازق ، قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)صدق الله العظيم، ونؤمن بأن رزق الإنسان مكتوب له منذ أن خلقه الله، قال تعالى : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) صدق الله العظيم.

    وسعينا في الحياة من باب فعل الأسباب لأن القعود عن فعلها عجز ودِعة ، والله سبحانه يقول : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) صدق الله العظيم .   

    وقد تكرر في عدد من الآيات القرآنية الكريمة ذكر أن الله تعالى يبسط الرزق وَيَقْدِر ويعطي ويمنع ، قال تعالى : (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، وقال تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ، وقال تعالى:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وقال تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، وقال تعالى :(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ) صدق الله العظيم.

    ويخبرنا الله تعالى في هذه الآيات بأنه يبسط الرزق لبعض خلقه ويقدر لآخرين، وقد فسر بعض العلماء كلمة (يَقْدِرُ) أي يعطي بقدر الكفاية ، والمعنى أن هناك من يبسط الله له الرزق وهناك من يكون رزقه بقدر الكفاية، وكل ذلك ابتلاء وامتحان.  

    قال تعالى : (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) صدق الله العظيم.

    وتتضح الحكمة الإلهية في ذلك بأن الله العليم الخبير والبصير بخلقه قسم الأرزاق فأعطى كل إنسان رزقه ، ولا يدل بسط الرزق للبعض على الكرامة عند الله ولا القبض على الإهانة ، ولكنه سبحانه أعلم بما يصلح العباد وأبصر، فبحكمته يوسع الرزق لمن يشاء من عباده صالحا كان أو طالحا ويقدر على من يشاء منهم  ، وسعة الرزق ليست دليلاً على رضاه كما أن ضيقه ليس دليلاً على سخطه.  يقول تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) صدق الله العظيم ، فرب إنسان لا يصلحه إلا الفقر ، وآخر لا يصلحه إلا الغنى ، فهو يهبهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم ، وهو أعلم بعباده .

     وينبئنا الله عز وجل بقصة رجل بسط الله له الرزق، فلم يعطه حقه فكان سبب هلاكه ، قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)صدق الله العظيم ، نصحه قومه بشكر النعمة وعدم الفرح والبطر والبغي والتكبر وأن عليه ابتغاء الدار الأخرى فيما آتاه الله ، وعدم الفساد في الأرض ، ولكنه رفض كل ذلك منكرا فضل الله عليه وما أعطاه من رزق قائلا انما أوتيته بعلم عندي ، فكانت عاقبته (  فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) وكان عبرة لمن يعتبر (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) صدق الله العظيم .

  • تأملات قرآنية.1

    Give him full head of hair
    A woman reads a book by candlelight in a warmly decorated room.

    المؤمن كيس فطن ، يجب عليه التأكد من صحة ما يقرأ وما يسمع ، حتى لا يقع في مسؤولية نقل الأكاذيب والاشاعات المدسوسة .

    قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ صدق الله العظيم.

     قال: الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تَثَبّت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن أن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.

    إذا تأملنا هذا، فإننا اليوم في حاجة ماسّة أكثر من ذي قبل في تحري الحرص على الأخذ بمنهج التثبت من صحة ما نسمع وما نقرأ، لنسلم من نقل الأخبار المكذوبة والشائعات المدسوسة، التي سَهّلت التقنية الحديثة نشرها وتعميمها.

    فيجب البحث عن صحة وصدق كل ما نسمع ونشاهد في وسائل نقل المعلومات الحديثة، التي أصبحت تزخرُ بالغث والسمين في ثورة معلوماتية لم نعهدها من قبل، وأصبحت سبل الوصول للمعلومة سهلة ويسيرة وفي متناول الجميع، مما يجعل التثبت واجبًا والتدقيق إلزامًا.

    والتثبت باب واسع من إعمال العقل والتروي والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وفي الحديث الصحيح: (كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع)، لأن الإنسان يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدّث بكل ما سمع دون تدقيق وتَثبّت فقد أخبر بكلام فيه بعض الكذب.

    ومثله ما جاء من النهي عن العجلة والتسرع في نشر الأمور ذات الأهمية وإذاعتها، قبل النظر والتأمل فيها وردّها إلى أهل العلم ،والعقل ، والنضج ، والرزانة.

    قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) صدق الله العظيم.

    وقد يقول قائل: ليس لي استطاعة ولا أمتلك وسائل التحقق عن كل ما يصلني من معلومات.

    وجوابه: أن عليه ألا ينقل ولا ينشر ما لم يتثبّت من صحته وصدقه، ليسلم من المسؤولية، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. صدق الله العظيم.

  • صنف من النًاسِ.

    صنفٌ من الناس يصعب التعامل معه؛ لا يعترف بمنهج الوسطية، ولا يقبل مبدأ التسامح، ويصرّ على أن تكون له الكلمةُ العليا والرأيُ الأخير.

    يستأثرُ بالرأي، ولا يرضى للآخرين رأيًا ما لم يوافق هواه ويحقق مبتغاه، فإن أُلْزِم الصواب أظهر تمعُّضه وعدم رضاه.

     تتحكّم فيه أنانيةٌ خِلْقِية، ونزعةٌ إلى الاستعلاء فِطرية، فنفسُه لا ترى الحقّ إلا في جانبها، وتعدّ الرأيَ الآخر تجاهلًا لها وانتقاصًا من ذاتها.

    يبالغ في العِناد، ويتشدّد في المواقف، ويميل إلى الجدال عند كلّ اختلاف؛ لا يبتغي الوصول إلى الرأي الصواب بقدر ما يبتغي الغلبة والانتصار لرأيه.

     يضخّم نقاطاً جانبية ليعقّد الأمور في سبيل ردّها، ويجعل من الخلاف اليسير معركةً لا تنطفئ نارها ولا يخمد أوارها.

     وكلّ ذلك من الأخلاق المذمومة والطباع الممقوتة؛ لأنها تفسد العلاقات، وتكدّر صفو التعاملات، وتحجب نور الحقيقة، وتحوّل الحوار البنّاء إلى جدالٍ عقيم، وتزرع بذور البغضاء والشحناء بين الناس.

    و (رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ ، سَمْحًا إذا اشْتَرى ، سَمْحًا إذا قَضَى ، سَمْحًا إذا اقْتَضَى).

    Four friends sitting outdoors in a garden, holding coffee cups and talking
    Four friends share coffee and conversation in a lush garden setting.
  • وصل دفع الإيهام.

    يُعدّ الوصل والفصل من أدقّ فنون البلاغة، لأنهما يتحكّمان في انتقال المعنى بين الجمل، فيقرّبان المقصود أو يبعدانه، وينشئان في ذهن السامع صورة واضحة أو ملتبسة.

    والمقصود بالوصل عطف الجمل بعضها على بعض، وبالفصل ترك ذلك العطف. غير أن للوصل استعمالات مخصوصة، من أرقّها ما يسمّيه البلاغيون (وصل دفع الإيهام)، وهو أن يُوصل بين جملتين بحرف الواو لئلا يتوهّم السامع معنى غير مراد.

    ومن أظهر أمثلته ما رُوي أن رجلًا مرّ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ومعه ثوب، فقال له الصديق: أتبيع الثوب؟ فقال الرجل: لا عافاك الله. ففهم أبو بكر أن العبارة توهم الدعاء عليه، لأن (لا عافاك الله) جملة واحدة معناها نفي العافية عنه. فقال له: لقد علمتم لو كنتم تعلمون. قل: لا، وعافاك الله. فتصبح لا جوابًا للسؤال، وعافاك الله دعاءً مستقلاً، والواو بينهما تمنع التباس المعنى وتعيد للكلام أدبه.

    وهذه الواو ليست حرفًا عابراً، بل أداة إنقاذ للمعنى من سوء الفهم، لأنها تمنع التصاق النفي بالدعاء، وتُظهر قصد المتكلم على وجهه الصحيح. ولهذا استحسنها الأدباء وعدّوها من أجمل الواوات، لأنها جمعت بين سلامة المعنى وحسن اللفظ، وأثبتت أن حرفًا صغيراً قد يقلب معنى الكلام من دعاء بالسوء إلى دعاء بالخير.

    ويُحكى عن الصاحب بن عباد أنه سمع مثل هذا فقال: (هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ على خدود الملاح)، يريد أنها زادت الكلام جمالًا كما تزيد خصل الشعر المتدلية خدود الملاح حسناً، وأنها جاءت في موضعها فأكملت المعنى وزيّنت اللفظ.

    وهكذا يتبيّن أن الوصل في مثل هذه المواضع ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة بيانية تحفظ المعنى من الانحراف، وتُظهر قصد المتكلم، وتُنبئ عن فصاحته،وسمو أدبه ، وتمنح الكلام رونقًا لا يتحقق بدونه. وسلامتكم.

  • العمامة والصمادة.

    Change red turban to burgundy dyed fabric
    Bedouin man wearing a white robe and red keffiyeh standing in sandy desert with camels and tent behind

                                                                                                                                           غطاء الرأس عند سكان الجزيرة العربية لم يكن يوما ترفاً بل ضرورة تمليها طبيعة المناخ الذي عاشوا فيه وكانت العمامة عند العرب الأقحاح هي الغطاء الرئيس لرؤوسهم حتى قيل (العمائم تيجان العرب) لبسها النبي ﷺ وصحابته وتظهر في نقوش صخرية تعود لأقوام سكنوا الجزيرة منذ آلاف السنين.

    وتدل كتب التراث على أن للعمامة وظائف تتجاوز مجرد تغطية الرأس فمن أعجب ما ورد أنها كانت حافظة للأشياء الثمينة إذ اشتهر العرب بأنهم ينزلون عمائمهم منزلة الجيوب كما كانت تستخدم للظل والوقاية والاتكاء والالتحاف عند الحاجة.

    ومع العمامة هناك غطاء آخر للرأس يلبس تحتها، نسميه اليوم الطاقية أوالكوفية ،وفي المعاجم نجد لفظ الصماد (ما يلفه الرجل على رأسه مما هو دون العمامة كالخرقة والمنديل). وكانوا يرون أنه الحد الأدنى للحفاظ على الوقارعندما كان نزع العمامة أو كشف الرأس في الأماكن العامة ومجامع الناس من خوارم المروءة.

     وأقول: لم نكن نعرف تعبير الغترة ولا الشماغ إلى وقت قريب فكنا نستخدم تعبيري الصمادة والعمامة وكانت الصمادة تعد غطاء الرأس الأساس بينما العمامة متعددة الأغراض ومنها تغطية الرأس.

     ولعل ما كنا نسميه صمادة هو نفسه الصماد الوارد في المعجم (ما يلف على الرأس دون العمامة) ثم اختزل الصماد في هذه الخرقة الصغيرة التي نسميها اليوم طاقية أو كوفية واختزلت العمامة فيما نسميه الغترة أو الشماغ.وأصبح لدينا طاقية أو كوفية وفوقها غترة أو شماغ ،ونسينا الأصل وهو الصمادة والعمامة .

     ولو كان لي من الأمر شيء لعدت إلى الماضي أعصب رأسي بصمادة وأتخذ عمامة ضافية أشدها على رأسي متى احتجت وأتفيأ بها من الشمس وأتلحفها عند البرد، ومتى أضع العمامة تعرفوني . وسلامتكم ،،،