التصنيف: Uncategorized

  •  تحديث أساليب التعريف بالإسلام.

    يواجه المجتمع الإسلامي اليوم تحديا حقيقيا يتمثل في الحفاظ على صلة أفراده بدينهم وثقافتهم وسط انفتاح معلوماتي واسع وتدفق متواصل للأفكار والقيم وأنماط الحياة.

    فلم يعد الأمر مقتصرا على الفهم والتبليغ، بل امتد إلى كيفية العرض بلغة يفهمها الجيل المعاصر، وبأسلوب يخاطب عقله وقلبه معا.

    ولا يمكن مواجهة الواقع بالاكتفاء بالأساليب التي اعتدناها، مهما بلغ صدقها وأثرها، بل يستوجب تطوير طرائق التعريف بالإسلام، وتعزيز صلة الناس بتعاليمه وروحه، وتجديد وسائل الدعوة والإرشاد بما يخاطب العقول، ولا سيما عقول جيل يعيش في عالم مادي كثرت فيه المُشَتّتات وغلب عليه الجفاف الروحي.

    لم تفقد الأساليب التقليدية قيمتها، لكنها لم تعد كافية وحدها، لأننا أمام جيل مُطّلع على كمّ هائل من الثقافات والمعلومات، وتتنازع وعْيه يومياً خطابات حديثة لا تكتفي بإبلاغه بالأفكار، بل تخاطب عقله ووجدانه معا، وتستثمر ما جُبل عليه الإنسان من حاجات ودوافع وميول، فتؤثر في نظرته إلى الأشياء، وتوجّه سلوكه، وتسهم في تشكيل قناعاته.

    ولا تقدم هذه الخطابات أفكارها بالطرح المباشر، بل تستثمر خصائص التلقي الإنساني، وما تجذبه الصورة والإيقاع والتكرار، لتثبيت رسائلها وتوجيه السلوك.

    ومن هنا، قد يبلغ الباطل بزخرفه ما لا يبلغه الحق إذا قُدِّم بأسلوب لا يناسب زمنه، وبخطاب لا يفهمه المخاطَب ولا يقنعه؛ فالإخلاص وحده لا يغني عن تحسين أساليب الأداء.

    وليس المطلوب نبذ الوعظ والإرشاد، ولا الانتقاص من أثر الكلمة الصادقة والقدوة الحسنة، وإنما المطلوب أن نستشعر حجم التحدي، فنطوّر ما لدينا ونثريه.

    ونحتاج إلى منهجيّات تخاطب هذا الجيل بلغته، وتستفيد مما يألفه ويقبل عليه، وتقدّم له المعاني بما يفهمه، من غير تفريط في الثوابت ولا تكلّف يفقد الخطاب وقاره.

    وهذا العمل يحتاج إلى علم، وجهد، ووقت، وصبر. وكل تأخير فيه له ثمن، لأن الآخرين يعملون بجد، ويستثمرون سرعة النشر وسهولة الوصول، ويُحسنون استخدام الوسائل الحديثة في التأثير في الوجدان والعقول، والحق أولى أن يُعرض بوضوح وإحكام.

    والإسلام نفسه لا يضيق بهذا التجديد، فقد دعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة، وأمر بالجدال بالتي هي أحسن، وجعل العقل أداة للفهم لا خصماً للإيمان. فتجديد الأسلوب وفاء للمنهج، لا خروج عليه.

    ومن أجل تصميم أساليب ومناهج فاعلة، لا بد من تكامل الجهود بين علماء الدين وعلماء النفس والاجتماع والمفكرين، وكل من يحسن فهم السلوك الإنساني ووسائل التأثير، حتى يجتمع صدق المضمون مع فقه الواقع.

    كما ينبغي أن تُطرح المشكلات والمعضلات والتوجهات المعاصرة بوضوح وصراحة ومصداقية، من غير تهويل يثير المخاوف ويزرع الشكوك، ولا تهوين يبعث على اطمئنان زائف، ويُبلِّد الإحساس بخطورة الواقع.

    وينبغي كذلك أن تُناقش جذور المشكلات وأسبابها وآثارها مناقشة عقلية علمية هادئة، تُظهر فهماً للواقع وقدرة على علاجه، لا مجرد إنكاره. وأن يُبيَّن موقف الإسلام منها بدقة ووضوح، في عرض مترابط وموثّق، يربط الحكم بالحكمة، والنص بالمقصد، والعقيدة بأثرها في حياة الإنسان.

    وبذلك ينتقل الخطاب من الوعظ العام إلى البيان المقنع الذي يبرز المشكلة ومنشأها، ويناقش آثارها، ويطرح علاج الإسلام لها.

    وإذا عُرضت الفكرة على هذا النحو، فليُترك للمرء مجال التأمل والحكم، فالعقل إذا خوطب بالوضوح والمنطق كان أقدر على تمييز الصواب واتباعه، ومعرفة الخطأ واجتنابه.

    والدعوة الراشدة لا تخشى السؤال، ولا تستغني عن الحجة، ولا تستبدل الزخرف بالبرهان. فالحق إذا أُحسن عرضه كان أرسخ في النفس وأبعد عن الإكراه والزينة الخادعة. أما إذا عُرض عرضا مجملا، أو لم تُبيَّن معانيه بوضوح، أو قُدِّم بلغة لا تناسب عصره، فقد يُردّ لا لضعف مضمونه، بل لقصور في تبليغه.

    ومن ثم فإن التعريف بالإسلام، وحفظ صلة الناس بدينهم في هذا الزمان، لا يتحقق بتجاهل الواقع وعدم تقدير أهمية أدوات العصر، كما لا يتحقق بالذوبان في تياراته، وإنما بخطاب يبرز أصالة المضمون، ويجمع بين عمق الفكرة، وصدق الروح، وجمال العرض.

     وهذا هو التجديد الذي نحتاج إليه بأن يبقى الأصل مصونا، وأن يتجدد الأسلوب بما يقرّب معانيه إلى العقول والقلوب، لتترسخ صلة الناس بهذا الدين، ويغدو هدْيَه حاضرا في وعيهم ومُوجّها لسلوكهم.

  • المتكأ والتكية .

    من الكلمات التي أُدخلت إلى العربية حديثاً كلمة تَكِيَّة. فنجد القواميس الحديثة تذكر أن التَّكِيَّة اسم نُزُل للمسافرين أو دار لإيواء الفقراء تُنفِق عليه منظمة دينية. كما تذكر أنه تعبير معاصر للدلالة على السّفه في إنفاق الأموال دون وجه حق. وهذا اللفظ مسموع في أحاديث الناس. ونفهم المعنى العام للكلمة على أنه توفيرالمأوى و الطعام بلا مقابل، ولمن لا يستحق.

    وكلمة تَكِيّة بالفارسية (تَکْیَه) (بفتح التاء وسكون الكاف، وتنتهي بهاء صامتة) وليست أصلية في الفارسية، بل وافدة من العربية، فهي عندهم لفظ عربيّ مأخوذ من مصدر (الاتكاء)، والهاء في آخرها زيدت بالفارسية لجعلها اسم مصدر ومعناها الاعتماد، أو الاستناد بالظهر على وسادة أو جدار. وقد انتقلت من الفارسية إلى التركية العثمانية بلفظ (تکیّہ) ثم عادت منها إلى العربية، وجُمعت على تَكَايَا.

    قال تعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة.

    وتحت كلمة (وكا) يقول ابن فارس، الواو والكاف والحرف المعتل: أُصَيلٌ يدلُّ على شَدِّ شيء وشِدَّة. منه الوِكَاء: الذي يُشَدُّ به. وفي لسان العرب: المُتَّكِئُ فِي العَرَبِيَّةِ كُلُّ مَن اسْتَوَى قاعِداً عَلَى وِطاءٍ مُتَمَكِّناً، والعامّةُ لَا تَعْرِفُ المُتَّكِئَ إِلَّا مَنْ مالَ فِي قُعُودِه مُعْتَمِداً عَلَى أَحَدِ شِقَّيْه؛ والتاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وأَصله مِنَ الوِكاءِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الكِيسُ وَغَيْرُهُ، كأَنه أَوْكَأَ مَقْعَدَتَه وشَدَّها بالقُعود عَلى الوِطاءِ الَّذِي تحْتَه.

    وقد أطلق العثمانيون كلمة تكية على دور المتصوفة التي تأوي الدراويش وعابري السبيل وتطعمهم من ريع أوقاف خيرية بلا مقابل، ثم اتسع معناها لاحقاً ليشمل الدور الوقفية التي تقدم الطعام المجاني لعموم المحتاجين.

    وكانت التكايا العثمانية منذ القرن السادس عشر مؤسسات وقفية منظمة، لها نظّار، وسجلات، وموظفون، وتعمل وفق نظام مالي ثابت يعتمد على ريع الأوقاف.

    وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة أقام محمد علي باشا التكيتين المصريتين على النظام العثماني في أوائل القرن التاسع عشر لتقديم وجبة يومية من حساء القمح والعدس للفقراء والمحتاجين على مدار العام.

    في منتصف القرن العشرين، ومع قيام مؤسسات الرعاية الاجتماعية الحديثة في العهد السعودي توقفت خدمة التكايا وحلت محلها الضمانات الاجتماعية والمبرات الخيرية، ثم أُزيلت مبانيها ضمن مشاريع توسعة الحرمين الشريفين بعد تواجد استمر لأكثر من قرن من الزمان.

    وهكذا رأينا كيف اغتربت كلمة (المُتَّكأ) العربية في معاجم الأمم، ثم آبت إلى ديارها بحُلّة جديدة مشحونة بدلالات إضافية. ولعلنا نلمس أن أريج معانيها الأصيلة، الضاربة في عمق الكرم والكرامة، قد خَبَت جذوته متأثرةً بطبائع تلك المجتمعات التي عاشت بينها رَدَحَاً من الدهر.

  • الاستغناء:

    ينعكس الفقر على حياة الإنسان قيداً يكبّل روحه وطموحه، فالعوز يحوّل حياة المرء إلى معركة لتأمين البقاء، ويستنزف طاقته الذهنية والبدنية. وعلى النقيض من ذلك، يمثل الغنى والكفاية المادية مظلة من الأمان تحمي كبرياء الإنسان، فالمال قوة تمنح صاحبها ثقة في نفسه، وشجاعة وثباتاً في تصرفاته. وهذه الثقة والثبات يصنعان هيبة المرء، ويكسبانه تقديراً اجتماعياً يترجم إلى مكانة مرموقة وصوت مسموع. فالكفاية المالية تحوّل الإنسان من مجرد باحث عمّا يؤمّن له البقاء إلى صانع للحدث ومؤثر في الحياة.

    غير أن هذا الشعور بالقوة والتمكين يُنسي بعض الناس حجمهم الحقيقي، ويعميهم عن تصور الحالة النقيضة للغنى وما يرافقها من مساوئ، ويخلق في نفوسهم تطاولاً يتجاوز حدود ما لهم وما عليهم، فيتصور أحدهم أنه أعلى لأنه أغنى، وأنه الأفضل لأن المال طوع يديه وتحت تصرفه.

    ثم تتشكل لديه قناعات لا أساس لها بأنه إنما جمع هذه الأموال، وكسب تلك الثروات، ووصل إلى الغنى بفضل ذكائه ومعرفته ودهائه وجهوده وحنكته، وأنه يستحق ذلك وأكثر.

    تُظهر دراسات في علم النفس الاجتماعي أن ارتفاع شعور الفرد بالغنى أو القوة يوسّع نطاق المصلحة الذاتية  عنده ويضعف الانضباط الأخلاقي، فيميل الإنسان إلى تجاوز القواعد حين يشعر بالامتياز أو التفوق.

    وتبيّن أبحاث علم الأعصاب أن استحضار الإحساس بالسيطرة يرتبط بانخفاض نشاط الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف، ولا سيما نظام الخلايا المرآتية. ومع هذا الانخفاض يتراجع حضور الآخرين في القرار، وتخفّ حساسية الدماغ لهم. ليس ذلك قسوة متعمدة، بل تغيّر بيولوجي تلقائي يشكّل البذرة الأولى لنشوء شعور الاستعلاء عند ارتفاع الإحساس بالقوة، ومنه الإحساس بالغنى.

     فالإنسان الذي كان يصغي للناس ويتواضع، يتوقف عن الإصغاء حين يصل إلى مبتغاه، لا لأنه تغيّر أخلاقيا بالضرورة، بل لأن الدماغ يعيد ترتيب أولوياته.

    وتتشكل عقلية الاستحقاق عنده عندما يشعر بأنه قادر، فيرى نجاحه ذاتيا، فيقلّ اعتماده على الآخرين، ومن ثم يقلّ اهتمامه بهم. ومع شعوره بالاستقلال المطلق يتحول الاستغناء إلى استعلاء.

    هذه التحولات النفسية والعصبية لا تقول إن كل غني طاغ، ولا إن كل فقير رحيم، لكنها تشير إلى أن الاستغناء حالة خطرة تتولد في الدماغ وتترجم في السلوك، وإذا تُركت بلا تقويم ولا ترويض فإنها تدفع الإنسان تلقائياً إلى توسيع مساحة الذات وتقليص مساحة الآخرين. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾. صدق الله العظيم.

    والإسلامُ  يربّي الإنسانَ على رؤية الغنى بوصفه فضلا من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فيكسر وَهْم الاستحقاق الذي يصوّر للمرء أن ما بين يديه ثمرة ذكائه وحيلته.

    ويفعّل الرقابة الداخلية في النفس، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىٰ﴾، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾؛ فينشأ شعور دائم بالمحاسبة يحدّ من اندفاع القوة، فتعمل هذه الرقابة كوابح أخلاقية تمنع تضخم الذات عند الشعور بالاستغناء.

    ويمتدح الله تعالى الإيثار ويثني على المُؤْثِرين، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، و الإيثاريُوسّع مساحة التعاطف في القلب والدماغ، ويجعل حضور الآخرين أثقل في القرار. ومع هذا الاتساع في مساحة الآخر، يعيد الإيمان الإنسان إلى حجمه الحقيقي، فيمنع تضخيم الذات المصطنع والمذموم.

  • الانفاق الاندفاعي:

    يتأثر سلوك الإنسان في جوهره بدوافعه الفطرية واستجاباته النفسية والعصبية. فقد يتغير قراره في لحظة واحدة حين تنشط مشاعر المكافأة، أو تتحرك دوافع المنافسة، أو تظهر مواقف الخوف . فحين يتلقى الفرد ثناء متكررا أو مدحا علنيا، ينشط نظام المكافأة في الدماغ، ويزداد إفراز الدوبامين، – ناقل عصبي يرتبط بالتحفيز وتوقع المكافأة ويُسمّى هرمون السعادة – فيتولّد شعور قريب من نشوة المكافأة الفورية، وقد يُضعف هذا الشعور الضبط العقلي لقرار الإنفاق،

     وقد يندفع الإنسان إلى الصرف تحدوه الرغبة في استمرار الإحساس بالتقدير، وفي إثبات الذات، وفي نيل القبول الاجتماعي. وقد بيّنت دراسات في علم النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي أن الإنفاق يرتفع حين يشعر الفرد بأنه داخل منافسة مباشرة أو مقارنة اجتماعية ظاهرة، لأن صورته أمام الآخرين تصبح مرتبطة بما يُظهره من إنفاق.

    ويظهر هذا بوضوح أكبر لدى بعض الأفراد – وغالباً لدى الرجال في المواقف التنافسية ومواقف استعراض المكانة – فيتحوّل المال إلى أداة لإثبات الجدارة والمكانة، ويصبح الإنفاق أحيانا استعراضا علنيا غير عقلاني.

    وأحيانًا يكون الخوف من الإحراج في موقف عام دافعًا إلى الإنفاق طلبا للقبول وتجنّبا للنظرة الدونية. فيكون الإنفاق عندئذ تحت ضغط اجتماعي ونفسي، لا نتيجة قرار مالي مدروس.

    وتستثمر المنصات الرقمية هذه العوامل البيولوجية والنفسية، فتصمم واجهاتها وإشعاراتها وخوارزمياتها لاستثارة الاستجابة العصبية الميسِّرة للشراء السريع – الإعجاب العلني، ندرة المعروض، العدّ التنازلي، التوصيات الشخصية، والشارات والنياشين، والصور المصاحبة ،والشراء بنقرة واحدة -. فيتخذ الفرد قراره تحت تأثير محفّزات موجَّهة، لا في حالة رويّة كاملة. وهكذا ينشأ الإنفاق الاندفاعي من تضافر نشوة الثناء، والتحدي التنافسي، والعجلة ، والخوف من الإحراج.

     وتتكرر الصورة في المزادات، والتسويق التجاري، والإعلانات، والتجارة عبر البث المباشر، حيث تدفع المحفّزات المصطنعة الفرد إلى قرار إنفاق أسرع من حسابه العقلاني. وكثير من ذلك تهوّر لا ينسجم مع الاحتياجات الفعلية أو الإمكانات المادية الحقيقية.

    وتُغذّي المنصات الرقمية اليوم آفاتا نفسية وسلوكية ممقوتة – كالرياء، والمباهاة، والمفاخرة، والسفه في الإنفاق – وبأدوات تقنية ذكية.

    المنهج الاسلامي يقوم على ترسيخ الوسطية في الإنفاق، وإخلاص النية، واعتماد السرية وكتمان كثير من العطاء، والابتعاد عن التفاخر والتباهي، والمالُ مالُ الله، والشخص مؤتمن عليه ومسؤول عن كسبه وإنفاقه، وكل ذلك يستلزم من الفرد النظر فيما هو مقدم عليه، والتأني الذي يمنعه من الاندفاع، وهي ضوابط تضعف مصائد التحفيز العلني الموجَّه وتُبقي الإنسان أقرب إلى الوعي والتعقّل المالي.

    قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. صدق الله العظيم.

  • ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾

    راقب باحثون سلوك أطفال في سنّ ما قبل المدرسة، ونشروا نتائج دراستهم في مجلة نموّ الطفل (CHILD DEVELOPMENT)، فتبيّن لهم أنّ هؤلاء الصغار، قبل أن تستقرّ عندهم عادات المجتمع، يميّزون بفطرة واضحة بين ما يملكونه وما يملكه غيرهم، ويطبّقون قواعد ثابتة لتحديد المالك الأوّل. واستُدلّ من هذه التصرّفات على أنّ الإحساس بالملكيّة جزء أصيل من تكوين الذات البشريّة، وليس مجرّد عرف اجتماعيّ يُكتسب مع مرور الزمن.

    وفي علم الأعصاب يبرز بعدٌ آخر لهذه الحقيقة. فقد عَرَضَتْ مراجعة علميّة نُشرت في مجلة الاتّجاهات في العلوم الإدراكيّة (TRENDS IN COGNITIVE SCIENCES) أدلّة على أنّ الدماغ يعامل الأدوات التي يسيطر عليها الإنسان كامتداد فعليّ لجسده، حيث يتّسع مخطّط الجسد العصبيّ ليشملها. كما أظهرت دراسات التصوير العصبيّ أنّ القشرة الجبهيّة الأماميّة الوسطى تُظهر انحيازا واضحا لكلّ ما يرتبط بالذات، بما في ذلك الممتلكات. وهذا ما يجعل الدفاع عن المقتنيات سلوكاً فطريّاً متّصلا بغريزة البقاء وبناء الذات.

    ومن التقاء سلوك التملّك المبكّر مع الانحياز العصبيّ لما يتّصل بالذات، يتّضح أنّ غريزة حب التملّك جزء لا ينفصل عن التكوين البيولوجيّ والنفسيّ للإنسان. فهو يميل بطبعه إلى تعظيم ما يملك، ويشتدّ خوفه من فقدانه.

    وهذا الميل الفطريّ يفسّر شُحّ الإنسان وتشبّثه بما لديه، وضنّه به، وتردّده في التنازل عنه أو التفريط فيه، حتّى كأنّ خسارة ما يملكه انتقاص من ذاته أو اقتطاعاً من كيانه.

    ونجد القرآن الكريم يعبر عن الشُّح بعبارة بليغة في قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. فالتعبير يدلّ على أنّ الشحّ حاضر في النفس حضورا ثابتا، ويتجلّى في شدّة الحرص على الحقوق والمكتسبات، ماديّة كانت أو معنويّة. وقد قال الإمام الزمخشريّ في تفسيره الكشّاف: (إنّ الشحّ جُعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفكّ عنه، يعني أنّها مطبوعة عليه… وقد أُضيف إلى النفس، لأنّه غريزة فيها). فالإنسان، بحكم خِلْقته وطبيعته النفسيّة والعصبيّة، ميّال بطبعه إلى الشحّ والتشبّث بما لديه.

    ولمّا كان الشحّ نزعة فطريّة وآثاره على الفرد والمجتمع سلبيّة، فإنّ الحكمة تقتضي ألاّ يبقى الإنسان أسيرا لهذه الجِبِلَّة، وأنّ من واجبه أن ينهض بتهذيبها وتقويمها حتّى لا تطغى عليه وتتحوّل إلى بخل مذموم.

    وهنا يأتي التوجيه الربّانيّ الذي يربط الفلاح بوقاية النفس من الشحّ، وبالقدرة على ضبط هذا الانحياز الفطريّ وترويض هذه الغريزة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. صدق الله العظيم.

  • لكل مقام مقال:

    كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي كلَّ موقفٍ قدرَه، ويضع لكلِّ مقامٍ ما يناسبه، فإذا كان الأمر يتطلب الحزمَ كان حزمُه واضحًا لا يعرف التردد، وإن كان الموقفُ موقفَ نقاشٍ ورأيٍ أعطاه حقَّه من النقاش.

     يروي السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه كان في المسجد، فَحَصَبَه رجلٌ، فالتفت فإذا عمرُ يأمره أن يأتيَه برجلين رفعا أصواتَهما. فلما وقفا بين يديه وسألهما: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: (لو كنتما من أهل البلد لأوجعتُكما، ترفعان أصواتَكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    كان ذلك مقامً حزم، فكان عمرُ فيه كما عرفه الناس: حازما، مع أن في خطابه لهما عدل وحلم، فقد قدر كونهما من غير أهل المدينة وأن ذلك يشفع لهما ، فهما لم يعرفا أن رفع الصوت فيه اخلال بحرمة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ثم كان له موقفٌ آخر لا يشبه الأول، وكان مسألةَ نقاش ورأي نلمس فيها لطف عمر، فقد سأل رضي الله عنه: رجلا من أهل الطائف (أيهما خير: الحَبَلة أم النخلة؟)

    وكان أهلُ الطائف أهلَ عنبٍ وكرومٍ وزبيبٍ، يعرفونها كما يعرف أهلُ المدينة النخلة، فقال الطائفي: (إن الحبلةَ أتزبَّبُها وأتربِّبُها، وأُصلح بها بِرْمَتي، وأنام في ظلِّها). كلامُ رجلٍ جرَّب الشجرةَ وعرف منافعَها وتحدث بما يعلم.

     فقال عمر: (لو حضرك رجلٌ من أهل يثرب لردَّ هذا عليك). كأنه أراد أن يسمع رأيَ أهل المدينة في النخلة. فدخل عبد الرحمن بن مِحصن الأنصاري فأخبره بخبر الطائفي، فقال:

    (ليس كما قال؛ إني إن آكل الزبيبَ أضرس، وإن أدَعْه أغرث، ليس كالصَّقْر في رؤوس الرّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المَحْل؛ تحفةُ الكبير، وصمتةُ الصغير، وزادُ المسافر، وينضج فلا يُعْنِي طابخًا، ويُحترش به الضبُّ من الصَّلْعاء، وخِرْسةُ مريم بنت عمران).

     كان كلامُه يمثل رأي أهل المدينة، فهم يعرفون النخلةَ كما يعرف أهلُ الطائف العنب، يعددون فوائدها ويذكرون ما لها من محاسن. فلما سمع عمر القولين قال: (ما أراك يا أخا الطائف إلا قد غُلِبْتَ).

    لم يكن عمر رضي الله عنه يتعامل مع الأمور على نسق واحد، ولا ينظر إليها من زاوية محددة، بل كان يجمع في إدارته بين الحزم الذي عُرف به في حماية حدود الله وحقوق العباد، واللطف في الحوار والنقاش وشؤون المعاش، والرأفة بالضعفاء، والتأني في مواطن الاجتهاد ومعالجة النوازل، والمشاورة في ذلك كله.

    وهذه السمات الثلاث مترابطة لا تنفك؛ فالحزم بلا تأني يفضي إلى التسرع، واللين بلا حزم يؤدي إلى الضعف، والتأني بلا حزم ينقلب تردداً. وسيرته العطرة في كتب التاريخ والتراجم حافلة بمثل هذه المواقف المتوازنة.  

  •                أصالةُ اللسانِ وفقهُ الشريعة.

                   

    إنَّ عظمةَ اللسانِ العربيِّ وعمقَ بيانِه لا يتجليان في مجردِ إدراكِ القواعدِ وحفظِ الألفاظ، بل في تلك السليقةِ الفطريةِ والملكةِ الراسخةِ التي اختصَّ بها العربُ الأقحاح، أولئك الذين توارثوا أسرارَ البيانِ جيلاً بعد جيلٍ في بيئةٍ صافية، فكانت العربيةُ الفصحى لغةَ حياتِهم اليومية، لم تُلوَّثْ منطقَها لهجةٌ شاذة، ولم تكسِرْ استقامةَ لسانِها عباراتٌ مستوردة أو عُجمةٌ وافدة، ولم تُزاحِمْها لغةٌ محميةٌ أو لهجةٌ محظية.

    وقلَّ أن يبلغَ متعلمُ العربيةِ مهما حذقَ مرتبةَ مَن جُبِل عليها طبعاً ونطق بها فطرةً؛ فالأول يدرسها قواعدَ وألفاظاً، بينما يعيشها الآخر فهماً وفكراً. إن العربيةَ لسانُ معايشةٍ وبيئةٍ تمنح صاحبَها القدرةَ على التقاطِ أسرارِ الكلامِ العربيِّ وفهمِ معانيه، قبل أن تكون مجردَ أداةٍ للتواصل والنطق.

    ولأجل هذا التلازمِ الوثيقِ بين فصاحةِ اللسان وسلامةِ الأفهام، نجد أنَّ تفسيرَ القرآنِ الكريمِ والتأليفَ في معانيه، واستنباطَ أحكامِ السنةِ النبوية، وشريعةَ الإسلامِ عموماً، لا يستقيم بحالٍ لمن لم تكن لغتُه وفهمُه عربياً أصيلاً؛ إذ إن غيابَ هذه الأصالةِ اللغويةِ هو المزلقُ الأولُ الذي تسرَّبت منه بدعُ المتكلمين، وأوهامُ المؤوِّلين الذين حملوا النصوصَ الشرعيةَ على محاملَ أعجمية لم تألفْها سليقةُ العرب ومقاصدُهم في الخطاب.

    ولعلَّ خيرَ شاهدٍ على وعيِ علماءِ الصدرِ الأولِ بخطورةِ العجمةِ واللحنِ في نقلِ الشريعةِ وتفسيرِها، ومثالاً يُحتذى في الأمانةِ والورعِ والالتزامِ التامِّ بحدودِ النصِّ عند غيابِ السليقةِ الكاملة، ما كان من حالِ إمامِ المدينةِ وعالمِها الحافظِ نافعٍ المدنيِّ (مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، تـ 117هـ). فقد كان نافعٌ على جلالةِ قدرِه وإمامتِه في الحديث يُعرف بأن في لسانِه لُكنةً وعُجمة يُقاربها اللحنُ أحياناً بسبب أصلِه غيرِ العربي، ولأجل ذلك كان لا يُفسِّرُ القرآنَ الكريمَ تورُّعاً وخشيةً أن يحملَه على غيرِ وجهِه.

    وقد أحاط مروياتِه للسُنَّةِ بسياجٍ من الضبطِ المحكم، فكان يُحدِّث من كتابٍ وصحيفةٍ له ثبتت فيها أحاديثُ ابنِ عمر، فكان تلامذتُه يقرؤون الصحيفةَ عليه وهو يُقرُّهم، لا يخرج عما في دفترِه ولا يتجاوزُه أبداً، حتى قال تلميذُه عبيدُ الله بن عمر: «كان نافعٌ لا يفسِّر». وجاء في مأثورِ سيرتِه أنهم كانوا يردُّونه عن اللحنِ فيأبى أن يتكلم بغيرِ ما سَمِع وحَفِظ في كتابِه.

    إنَّ هذه الواقعةَ التاريخيةَ تلخّص بدقةٍ معادلةَ العلمِ والبيانِ في الإسلام؛ فمَن كانت لديه عجمةٌ أو لُكنةٌ في اللسان وقف عند حدودِ النقلِ والتزامِ المكتوبِ دون أن يتجرأ على الاجتهادِ برأيِه في تفسيرِ كلامِ الله ورسولِه، أما مَن غابت عنه الأصالةُ اللغوية، وعَدِم الملكةَ العربية، ثم تجرَّأ مع ذلك على خوضِ غِمارِ الجدلِ والكلام، وتأويلِ وحيِ الله بمصطلحاتِ الفلسفةِ العجمية، فإنه قد فتح على نفسِه وعلى الأمةِ باباً من الخلافِ والافتراق.

    عقب اتساعِ رقعةِ الفتوحاتِ الإسلاميةِ في القرنِ الأولِ الهجريِّ ودخولِ أممٍ شتى في دينِ الإسلام، انتبه كبارُ الفقهاءِ والتابعين في المدينةِ المنورةِ مبكراً إلى ظاهرةِ دخولِ أفكارٍ ومناهجَ غريبةٍ على السليقةِ الإسلاميةِ والعربيةِ الصافية.

    ونلتمس بعض الآثار التي تحذر من نتائج اختلاطُ النسيجِ الاجتماعيِّ بدخولِ أمم لم تتربَّ على السليقةِ الأولى والنصوصِ الصافية، والاعتماد في اجتهادها على الرأيِ المجردِ كبديلٍ عن الاتباعِ والالتزامِ اللغويِّ والشرعيِّ بحدودِ النص.

    وعندما برزت آراء طبقةِ المولَّدين التي اقترن ظهورُها بانتشارِ طرقِ الرأيِ والجدلِ في الأمصار. قال إمامُ أهلِ مكةَ سفيانُ بن عُيينة (تـ 198هـ) في سياقِ حديثِه عن منشأِ الرأيِ في الأمصار: (فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي إنما هو من المولَّدين أبناءِ سبايا الأمم). وذكر ابنُ عُيينة بعد ذلك بعضَ من كان بالمدينةِ والبصرةِ والكوفةِ ممن ظهرت عندهم طرقُ الجدلِ والرأي.

    ويروى عن امام أهلِ السنةِ سفيانُ الثوري (تـ 161هـ) أنه كان يتخوف من خروجِ العلمِ إلى من لم يتشربوا هذه السليقة. فقد روى تلميذُه محمدُ بن يوسفَ الفِرْيابي:(كان سفيانُ الثوري إذا رأى هؤلاء النبطَ يكتبون العلم تغيَّر وجهُه، فقلت: يا أبا عبد الله أراك إذا رأيتَ هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك. قال: كان العلم في العرب وفي ساداتِ الناس، وإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء النبطِ والسفلة غُيِّر الدين).

    ولم يكن هذا الموقفُ نابعاً من طعنٍ عرقيٍّ أو عنصريٍّ – فالإسلام يساوي بين المسلمين دون الالتفاتِ للأعراق – وإنما كان الأئمةُ كالثوري يخشون مع غيابِ أصالةِ اللسانِ والمنهجِ العربيِّ لدى النبطِ والأعاجمِ الذين لم يتشربوا لغةَ القرآن، أن تقودَهم اجتهاداتٌ قاصرةٌ تسبب التباساً في فهمِ مقاصدِ الدين وقلبَ مصطلحاتِ العلمِ نتيجةَ العجمةِ الفكريةِ واللغوية.

    في القرنِ الثالثِ الهجري، اتخذ التحليلُ بُعداً لغوياً معرفياً جلياً، إذ واجه الإمامُ عبدُ العزيزِ الكناني (تـ 240هـ) خصمَه بشرَ المريسي (رأسَ المعتزلة) في مناظرتِه الشهيرة قائلاً: (وإنما دخل الجهلُ على بشرٍ ومن قال بقولِه لأنهم ليسوا من العرب، ولا علمَ لهم بلغةِ العرب ومعاني كلامِها، فتأوَّلوا القرآنَ على لغةِ العجم).

    في كتابِه الكامل نجد الإمامُ المبردُ (تـ 285هـ)بعمل جاهداعلى نقد ما أدخل على العربيةِ الأصيلةِ من كلامِ أهلِ الجدل، ليُبيِّن أن خروجَ الكلامِ عن سننِ العربيةِ يورث ركاكةً في الأسلوب واضطراباً في الفهم، وأن العُجمةَ إذا خالطت البيانَ أفسدت معناه.

    في القرنِ الثامنِ الهجري صهر شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية (تـ 728هـ) هذه الآثارَ التاريخيةَ والنقودَ اللغويةَ في نظريةٍ معرفيةٍ كاملةٍ داخل مشروعِه النقديِّ لعلمِ الكلامِ والفلسفةِ المترجمة. وأوضح أن البدعَ الكلاميةَ ونفيَ الصفاتِ نبتت وترعرعت في المدنِ والحواضرِ التي اختلط فيها اللسانُ العربيُّ بغيرِه بحسبِ البعدِ عن الدارِ النبوية.

    وفي كتابَيه (الرد على المنطقيين) فكَّك ابنُ تيمية العلةَ المعرفيةَ لهذا الضلال؛ فأوضح أن واضعي الفلسفةِ والمنطقِ من اليونانِ والرومِ لم يكونوا أهلَ كتاب، فكانت لغتُهم ومصطلحاتُهم قاصرةً أصلاً عن إدراكِ الغيبيات، فلما عُرِّبت كتبُهم في العصرِ العباسي، تلقفها أناسٌ لم يتأسسوا على أصالةِ اللسانِ العربيِّ الشرعي، فخلطوا بين مرادِ الله في القرآن ومصطلحاتِ الفلاسفةِ اليونان.

    فحمل المتكلمون نصوصَ الوحيِ المعجزةَ على مصطلحاتٍ محدثةٍ جهلاً بدقائقِ أساليبِ العربِ البلاغية، ولو أنهم فهموا القرآنَ بما يفهمه به الصحابةُ والعربُ الأقحاح لَسَلِموا.

    بلغت هذه السلسلةُ التاريخيةُ والمعرفيةُ ذروتَها التنظيريةَ واللفظيةَ عند الإمامِ أبي إسحاقَ الشاطبي (تـ 790هـ)، والذي تتبع كلَّ ما تقدم وصاغ جملتَه الاستقرائيةَ البليغةَ في كتابِه (الاعتصام) حيث قال: (ولعلك إذا استقريتَ أهلَ البدعِ من المتكلمين، أو أكثرَهم، وجدتَهم من أبناءِ سبايا الأمم، ومن ليس له أصالةٌ في اللسانِ العربي، فعما قريبٍ يفهم كتابَ الله على غيرِ وجهِه، كما أن من لم يتفقه في مقاصدِ الشريعة فهمها على غيرِ وجهِها).

    لقد حسم الشاطبي القضيةَ بوضوح، فالعلةُ الحقيقيةُ ليست عرقيةً أو طبقية، بل هي علةٌ أدواتيةٌ لغوية؛ إنها غيابُ الأصالةِ في اللسانِ العربي كأداةِ إدراكٍ وفهمٍ للنصوص، مما جعل هؤلاء المتكلمين يفهمون الوحيَ بمعزلٍ عن مقاصدِ الشريعة وسليقةِ لغتِها.

    وفي الختام تتجلى من هذا السردِ التاريخي حقيقةُ أن الإسلامَ لم يذمَّ أحداً بسبب عرقِه أو نسبِه أو دمِه، فهناك كبارُ أئمةِ الإسلامِ الذين أسهموا في حراسةِ الملة، وخدموا الدين، وكانوا من غيرِ العرب، ولكنهم رُزقوا أصالةَ المنهجِ وفصاحةَ اللسان، وشاهدنا ذلك جلياً في إنتاجِهم، كإمامِ النحاةِ سيبويه الفارسي، وإمامِ المحدثين البخاريِّ (من أهلِ بخارى)، والإمامِ ابنِ قتيبةَ الدينوريِّ الفارسيِّ صاحبِ (تأويل مشكل القرآن).

    فمن دخل في لسانِ العرب وعقلَ مناهجَهم في الخطاب وزالت عنه العجمةُ الفكرية، صار إماماً يُقتدى به ولو كان أعجميَّ النسب، ومن ابتغى فهمَ القرآنِ والسنةِ عبر قوالبِ الفلسفاتِ الوافدةِ والمناهجِ الفكريةِ المحدثة، والانغلاقِ المناطقي، ونأى عن مهبطِ الوحي وموئلِ الدين ومعقلِ العربيةِ الفصحى، فهو فقيرٌ في أصالةِ اللسانِ العربي، زلَّت قدمُه، وطاش سهمُه.

    وهذه الظاهرةُ نراها تتكرر بحذافيرِها في واقعِنا المعاصرِ على أيدي بعضِ المعاصرين الذين يخوضون في تفسيرِ آياتِ القرآنِ وأحاديثِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، مع فقرِهم في فهمِ العربية وعجزِهم عن بلوغِ أصالةِ اللسانِ العربي.

    فتراهم يجترئون على محكماتِ التنزيلِ وسنةِ سيدِ المرسلين بأدواتِهم القاصرة، وأفهامِهم السقيمة، وبلا أثارةٍ من علمٍ كتبوه أو منهجٍ صحيحٍ اتبعوه، متناسين أن الولوجَ إلى هذا الأمرِ ممتنعٌ على غيرِ متبحرٍ في لغةِ القرآنِ الكريم ولسانِ العربيةِ المبين.

    قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ صدق الله العظيم.

  •  العجلة فطرة خِلقيّة أصيلة في الانسان.

    توضح دراسات في علم الأعصاب وعلم النفس التطوري أن العجلة ليست مجرد سلوك طارئ في النفس البشرية، بل هي ميل فطري متجذر في التكوين البيولوجي والعصبي للإنسان. فسرعة الاستجابة آلية عصبية مهيأة للتعامل مع المواقف المفاجئة، لذلك لا ينبغي النظر إلى العجلة بوصفها عيبا مطلقا، بل طاقة فطرية تحتاج إلى تهذيب وتوجيه حتى تتحول إلى سرعة واعية ومنضبطة.

    علميا ترتبط العجلة بغريزة البقاء، فالتفاعل الفوري مع المواقف المفاجئة يمنح الإنسان قدرة على التصرف عندما يكون التأخر مكلفًا، ويؤدي الجهاز العصبي السمبثاوي دورا مركزيا في هذه الاستجابة ، إذ يزيد معدل ضربات القلب، ويرفع ضغط الدم، ويوسع الشعب الهوائية، وينشط الغدد العرقية، بالتزامن مع إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، التي ترفع اليقظة وتُسرّع اتخاذ القرار.

    وتشير الأبحاث العلمية إلى أن الاندفاعية تتصل بآليات عصبية محددة، من بينها نشاط الدوبامين بوصفه ناقلا عصبيا مؤثرا في تفضيل المكافآت الفورية. وقد بينت الدراسات أن اختلاف نشاط الدوبامين في مناطق مثل العقد القاعدية في الدماغ يؤثر في ميل الإنسان إلى اختيار النتائج السريعة. كما ترتبط الاندفاعية بشبكات عصبية مسؤولة عن التقييم والتحكم، مما يجعل درجاتها متفاوتة بين الأفراد بصورة طبيعية.

    كما أن القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المرتبطة بالضبط والتخطيط، لا يكتمل نضجها إلا في منتصف العشرينيات تقريبا، لذلك تبدو العجلة أكثر وضوحًا في المراحل المبكرة من العمر، ثم تميل إلى الانخفاض مع النضج والخبرة. ومع أن السمات الشخصية، مثل اليقظة والتنظيم الذاتي، تؤثر في مستوى الاندفاع، فإن مقدار العجلة يبقى جزءاَ من التنوع الطبيعي بين البشر.

    وتمنح العجلة الإنسان قدرة على الحسم في المواقف الطارئة، وقد تسهم في الإبداع والجرأة واتخاذ القرار عندما يكون التردد غير مجدٍ. غير أن قيمتها الحقيقية تظهر حين تقترن بالوعي وحسن التقدير، فتتحول من اندفاع غير محسوب إلى استجابة سريعة ومناسبة.

    ورغم أن العجلة ميل فطري أصيل، فإن تهذيبها ضروري، ويمكن تحقيق ذلك عبر الوعي الذاتي، والتدريب على التفكير في العواقب، وممارسة استراتيجيات تأجيل الإشباع، وقد دعمت هذا الاتجاه تجارب ودراسات وأبحاث وبرامج تدريبية أظهرت أن الإنسان قادر على توجيه اندفاعه وتحويله إلى سلوك أكثر اتزانًا.

    ومن ذلك يتبين أن العجلة طاقة فطرية تؤكدها الشواهد العلمية والتكوين البيولوجي، ولها وظائف نافعة في سياقات متعددة، لكنها تحتاج إلى تهذيب مستمر حتى لا تتحول إلى تسرّع مؤذٍ أو قرار غير محسوب.

    قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾، فالإنسان خُلق عًجولا، والعجلة من طبعه، وصفة من صفاته الجِبِلّية، وإحدى القوى التي رُكِّب عليها، يُؤثر العاجِلَ وإن قَلَّ على الآجِل وإن عَظم وجَلَّ، ولذلك ذُمَّت العجلةُ وكان على الإنسانِ أن يغالِبَ نفسَه وطبعَه، ويتَّصِفَ بالتُّؤدَة والأناة.

  • تأملات قرآنية:5- السبات.

    وردت كلمة سبات في القرآن الكريم في موضعين: قوله تعالى (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا)، وقوله تعالى (وجعلنا نومكم سباتا). وعند التأمل في هذا اللفظ ندرك أنه يصف نوعا خاصا من النوم أنعم الله سبحانه وتعالى به على عباده، فهو ليس وصفا للنوم في عمومه، بل تعبير يرسم صورة لحالة مثالية منه، فالنوم نعمة ذكرها الله في قوله تعالى (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله)، وفي الآيتين السابقتين يذكر سبحانه نعمته بأن جعل هذا النوم سباتا.

    ويرى أكثر المفسرين أن السبات هو الراحة من تعب العمل بالنهار، لأن النوم يقطع العمل النهاري فينقطع معه التعب وتتحقق الراحة. غير أن كلمة سبات تحمل معاني أوسع من مجرد الراحة المتحققة بعد الانقطاع عن العمل، فقد ورد في عدد من المعاجم أن كلمة سبات لا تعني الراحة، وأن الجذر اللغوي يدور حول معنى القطع والفصل، ومن معانيه أيضا التمدد، فيقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته، ويقال رجل مسبوت الخلق أي ممدود. والعرب تسمي سير الإبل اللين السهل سَبْتا، وتسمى النعال الناعمة اللينة سِبْتا. ومن مجموع هذه الدلالات يتبين أن كلمة سبات تجمع معاني القطع والتمدد والليونة والانبساط، وهي معان أوسع من مجرد الانقطاع والراحة.

    وإذا نظرنا إلى الحقائق التي كشفها علم وظائف الأعضاء(الفيزيولوجيا)، وأكدها العلماء المختصون، نجد أن جسم الإنسان يدخل أثناء النوم سلسلة من العمليات الحيوية الدقيقة، منها عملية التنظيف (الغليمفاوي)، وهو نظام طبيعي للتخلص من الفضلات والسموم والبروتينات الضارة في الدماغ. وتحدث هذه العملية أثناء النوم العميق، حيث تتوسع الفراغات بين الخلايا العصبية ، وتتمدد بنسبة قد تصل إلى ستين بالمئة، مما يسمح بتدفق السائل النخاعي بقوة أكبر ليغسل الفضلات المتراكمة ومنتجات الأيض الضارة.

    وفي أثناء النوم الليلي العميق ترتخي العضلات وتهدأ الأعصاب، ويعاد توازن النواقل العصبية التي اختلت أثناء اليقظة، وتصلح الخلايا التالفة، ويتجدد مخزون الطاقة على مستوى الأنسجة. كما يفرز الجسم في هذه المرحلة هرمونات ضرورية لتقوية الجهاز المناعي وترسيخ الذاكرة. وكل هذه الفوائد لا تتحقق بصورة كاملة إلا عندما يكون النوم عميقا حقيقيا (سبات) يسمح لأعضاء الجسم بأداء وظائفها على النحو الأمثل لتستمر دورة الحياة.

    ولهذا كانت كلمة السبات هي الكلمة الوحيدة التي تستوعب كل ما يتأتى من النوم الجيد، فهي تشمل القطع الذي يفرضه الله على الإنسان قسرا عندما يغشاه النوم ليحميه من الإرهاق المستمر، وتشمل الاسترخاء والتمدد الذي يحدث في الأنسجة والفراغات بين الخلايا العصبية، وتشمل كذلك العمليات التي تسمح بالتجديد والصيانة لأجزاء حساسة من الجسم، بما فيها التنظيف العميق للدماغ واستعادة التوازن الكيميائي والطاقي. ولذلك فإن النوم (السبات) نعمة كبيرة أنعم الله بها علينا وامتن بأن وهبنا إياها. (وجعلنا نومكم سباتا) صدق الله العظيم.

  • التدهور المعرفي .

    تبلغ القدراتُ المعرفيةُ لدى الإنسان السويّ ذروتَها في سنّ الثلاثين، وإن لم يحافظ عليها ويُنَمِّها أصيب بما يُسمّى التدهورَ المعرفي؛ وهو اضطراب يبدأ ببطء في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر، ويتطوّر بصمت على مدى عقود، على هيئة فقدانٍ تدريجيّ لمهارات التفكير، وضعفٍ في القدرة على التذكّر، وتشتّتٍ في الانتباه، وخللٍ في حلّ المشكلات، وبطءٍ في استيعاب المعلومات. ويُعدّ هذا التدهور أحد أبرز المسبّبات المؤدية إلى مرض الزهايمر، المسؤول عن نحو 80% من حالات الخرف.

    ومن الخطأ الاعتقادُ بأنّ الخرف لا يصيب إلا كبار السن؛ فالتغيّرات الدماغية قد تبدأ مبكرًا لدى بعض الأشخاص بعد سنّ الأربعين، خاصةً إذا قلّ التحفيز الذهني وضعفت العناية بصحة الدماغ. ويمكن تقليل خطر الوقوع في هذه الدوّامة باتباع عادات تحافظ على صحة الدماغ، وتُبقيه نشطًا متيقظًا قادرًا على أداء وظائفه على أحسن وجه. ومن أهم هذه العادات:

    1- تنشيط الدماغ بانتظام.

    وأفضل وسائل التنشيط وأسهلها القراءة، فالواجب أن نقرأ بانتظام، ونناقش أفكارًا عميقة تُحفّز العقل، ونسعى الى تعلّم ما هو جديد، ونُحدث معلوماتنا بانتظام، والا فسوف نصبح عرضة للتدهور المعرفي، وهو المرحلة المبكرة التي تسبق الزهايمر. وتظهر أعراضه التي قد لا نشعر بها، لكن من حولنا يلاحظونها علينا: بُطئًا في التفكير، وسوءًا في التقدير، وضعفًا في تقييم الأمور، وصعوبة في التركيز، وارتباكًا في اتخاذ القرارات.  

    قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ صدق الله العظيم.

    2- تجنّب آفات تثبيط التفكير.

    الدماغ عضو شديد الحساسية، ويحتاج إلى حماية مستمرة. ومن أكثر ما يضرّه المدخلات الهابطة وإشغاله بأمور تافهة. ومن أسوأ ما يعانيه الجيل الحديث الإفراطُ في متابعة المحتوى القصير والسريع الذي تقدّمه بعض المنصّات؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الاستهلاك المفرط لهذا النوع من المحتوى يُضعف القدرة على التركيز، ويقلّل من مهارات التفكير العميق واكتساب المعرفة، مما يفتح الباب لدوّامة التدهور المعرفي. ومثل ذلك مجالسةُ قاصري التفكير، ممّن لا تُنمّي مُجالسَتهم المداركَ ولا توسّع آفاق العقل.

    3- العناية بصحة الدماغ وتنظيفه يوميًا.

    كانت فكرة تنظيف الدماغ تبدو غريبة في السابق، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت وجود نظام يعمل أثناء النوم يقوم بطرد السموم والفضلات من الدماغ، ومن أهمها بروتينات الأميلويد بيتا وتاو المرتبطة بمرض الزهايمر.

    وينشط هذا النظام بكفاءة أثناء نوم الليل؛ ففي هذا الوقت تتّسع قنوات الدماغ، فيزداد تدفّق السائل الدماغي النخاعي، ويصبح الدماغ أقدر على التخلص من الفضلات.

    أما الحرمان المزمن من النوم فيُبطئ هذه العملية بشكل واضح، ولا يُعوَّض أثره بسهولة، حتى لو نِمنا ساعات كافية في الليلة التالية.

    قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ صدق الله العظيم.

    Vintage doll head with mechanical crown featuring gears and a glowing tube in a cluttered workshop
    A vintage doll head adorned with a glowing mechanical crown in a workshop