التصنيف: Uncategorized

  • الكثرة ليست معياراً لسلامة التوجه.

    لا يصح اتخاذ الغالبية معياراً للحكم على صحة الرأي، أو صدق الموقف، أو سلامة التوجه؛ فالكثرة العددية لا تستلزم بالضرورة رجاحة الرأي، أو سعة الوعي، أو حسن الاختيار. فالحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، والصواب لا يُقاس بمدى الانتشار، كما أن قيمة الرأي لا تُستمد من شيوعه بين الناس أو ندرته فيهم.

    فالعدد ليس ميزاناً للحقيقة، والغالبية ليست برهاناً على صواب التوجه؛ ولذلك لا يمكن الجزم بصحة توجه ما لمجرد حصوله على تأييد الأغلبية، كما لا يصح الحكم على توجه آخر بالسوء أو الخطأ لمجرد أنه لم يحظَ بتأييدها.

    وهذه النظرة نجد لها شواهد في ثقافتنا الإسلامية ونصوصها الدينية، كما نجد لها أصداءً في آراء عدد من الفلاسفة والمفكرين من حضارات أخرى. فأفلاطون، مثلاً، انتقد إخضاع الحكم السياسي لإرادة العامة دون اعتبار كافٍ للمعرفة والحكمة والخبرة، محذراً من أن يؤدي ذلك إلى سوء التدبير وتقديم غير المؤهلين على أهل المعرفة.

    وفي مثل هذه الأحوال نكون أمام ترجيح للإرادات والرغبات والتوجهات، لا أمام إثبات للحقيقة أو تعيين للأصوب والأجدر والأكثر ملاءمة. فإذا اتجهت إرادة الأكثرية ورغباتها إلى سلوك طريق معين، وكانت لها الغلبة العددية، فقد تضطر الأقلية إلى الانصياع لقرارها بحكم تلك الغلبة، لا لأن ذلك الطريق هو بالضرورة الأصح أو الأفضل، بل لأن إرادة الأكثرية هي المقدمة في مقام الحسم. وقديماً قال الشاعر العربي:

    وما أنا إلا من غزية إن غوتْ.

    غويتُ وإن ترشد غزيةُ أرشدِ.

    ومن المعلوم أن الجماعات -العامة والدهماء-قد تتأثر أحياناً بالمنافع العاجلة والدوافع القريبة، وقد يغلب على بعض أفرادها قصر النظر أو استحكام الأهواء، فيؤثرون المألوف والشائع والمعتاد دون تمحيص كافٍ أو إدراك دقيق لحقائق الأمور.

    ويرى جون ستيوارت مل (John Stuart Mill)، الفيلسوف والاقتصادي البريطاني، أن الأغلبية ليست بالضرورة على حق، ويحذر من استبدادها بالرأي، إذ قد لا يقتصر تأثيرها على التشريع والقرارات العامة، بل قد يمتد إلى قمع التنوع الفكري والفردية من خلال ضغط الرأي العام، بما يحد من حرية التفكير ويعرقل التقدم.

    كما يرى عدد من المفكرين الغربيين المعاصرين أن شيوع الرأي وكثرة المؤيدين له لا يجعلان منه رأيا صحيحاً بالضرورة؛ فقد يكون انتشار بعض الآراء نتيجة الانقياد للجماعة والخوف من مخالفتها، لا نتيجة الاقتناع بصحتها.

    فالمفكر والاقتصادي السياسي التركي الأمريكي تيمور كوران يوضح أن بعض الناس قد يخفون قناعاتهم الحقيقية ويظهرون تأييدهم للرأي السائد خشية العزلة أو الرفض الاجتماعي، فتبدو الجماعة متفقة، بينما لا يعكس هذا الاتفاق بالضرورة حقيقة مواقف أفرادها.

    ويحذّر أستاذ القانون والمفكر السياسي الأمريكي كاس سانستين من آثار الامتثال الاجتماعي واستقطاب الجماعة، موضحاً أن مسايرة الأفراد للرأي السائد، واجتماع المتشابهين في التفكير، قد يدفعان الجماعة أحياناً إلى مزيد من التطرف والابتعاد عن الرأي المتوازن، خصوصاً حين تُهمّش الآراء المخالفة ويُغفل التنوع الفكري.

    وتؤيد دراسات علم النفس الاجتماعي هذه المعاني؛ إذ أظهرت تجارب سولومون آش أن بعض الأفراد قد يسايرون رأي الأغلبية حتى عندما يتعارض مع ما يدركونه من حقيقة واضحة. كما كشفت دراسات الجهل التعددي أن الإجماع الظاهر قد لا يعكس بالضرورة القناعات الحقيقية لأفراد الجماعة. وتبين مراجعات علمية أن قيمة رأي الأكثرية تتوقف على كفاءة أصحابها واستقلال أحكامهم، لا على كثرتهم فحسب.

    ومن مجموع هذه الآراء والشواهد يتضح أن الانقياد لتفضيلات الأغلبية والاستجابة لدوافعها لا يؤديان بالضرورة إلى مواقف محمودة العواقب أو نافعة على المدى البعيد؛ بل قد تترتب على مسايرة رغبات الجماعة دون تمحيص أضرار ونتائج غير محمودة.

    قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ صدق الله العظيم.

  • الأحمق المطاع.

    عيينة بن حصن الفزاري (واسمه حذيفة) كان من سادات بني فزارة وفرسان غطفان، ومن أصحاب الكلمة المسموعة والنفوذ الواسع، حتى عُدَّ من الجرّارين الذين يقودون الجموع الكبيرة.

    أسلم في عهد النبي ﷺ، وشهد معه حنين والطائف، بعد أن كان من قادة غطفان في غزوة الخندق. لُقِّب بـالأحمق المطاع، وهو وصف يجمع بين قوة التأثير وضعف التقدير، فكان قومه يطيعونه ويأخذون برأيه رغم اندفاعه وسرعة أحكامه.

    ومن أشهر ما يُروى عنه أن أباه، حين اشتدت عليه آلام المرض، جمع أبناءه وطلب منهم أن يريحوه مما يجد، بإنهاء حياته، فامتنعوا جميعا إلا حذيفة، فاختاره لرئاسة القبيلة من بعده، وعدَّه أكثرهم طاعة له.

    وفي حروب الردة ارتد مع المرتدين، وكان يقول: (نبي من أسد وغطفان أحب إلينا من نبي من قريش). ثم أُسر وأُتي به إلى أبي بكر (رضي الله عنه)، فعاد إلى الإسلام، فعفا عنه وأطلق سراحه.

    وكان معروفا بِحِدّة طبعه وجرأته؛ فقد دخل على عمر رضي الله عنه وقال: (والله ما تقسم بالعدل ولا تعطي الجزل)، فغضب عمر حتى همَّ بمعاقبته، ثم كفَّ عنه.

    ويُروى أيضا أنه حَذَّر عمر (رضي الله عنه) من كثرة الأعاجم في المدينة، فلما طُعن عمر سأل عنه، فلما أُخبر بمكانه قال: (إن هناك لرأيا).

    كما ارتبط اسمه في بعض الروايات بمواقف نزلت بسببها آيات تتعلق بأدب مخاطبة النبي ﷺ وعدم الاستعلاء على ضعفاء المؤمنين.

    كان فارسا مطاعا وصاحب نفوذ، لكن اندفاعه وغلظة طبعه جعلاه يُخلَّد بلقب صار مثلا في التاريخ: (الأحمق المطاع).

  • الحجاج ناقد حصيف .

    انشدت ليلي الأخيلية الحجاج بن يوسف الثقفي ابياتا تمدحه فيها فلما قالت:
    إذا نزل الحجاجُ أرضاً مريضةً * تتبّعَ أقصى دائها فشفاها.
    شفاها من الداءِ العُضالِ الذي بها * غلامٌ إذا هزَّ القناةَ سقاها.
    قال الحجاج: (يا خَيْلِيَّةُ، اجْعَلِينِي هُمَامًا، لَا تَجْعَلِينِي غُلَامًا). وفي رواية (لا تقولي غُلام، ولكن قولي هُمام).
    لقد استوقفت الحجاجَ كلمةُ (غُلام) ورأى أنها لا تليق به، فهي قد تُشعر بالحداثة وصِغَر السن، وإن كانت العربية تطلقها أيضا على الشاب والرجل. ولكن هناك كلمة أقوى وقعاً وأرفع معنىً صِيغَت لمقام المدح، وتوحي بعِظَم الهمة والإقدام وهذا مكانها؛ فهي تقوم مقام كلمة (غلام) في الوزن، وبها يقوى معنى البيت وتبرز الصورة المختارة بلا لبس.
    فكلمة (غلام) لا تنهض بحَمْل معنى من اتحدت فِعالُ همته وإقدامه، وقناته وحسامه؛ لذا رفضها رُغم ثنائه على فصاحة ليلى الأخيلية وبلاغتها، وشهادته لجليسه بتمكّن شاعريتها، فإذا كان مقامُ الإعجاب يستوجب التنويه، فإن ميزانَ النقد يقتضي التدقيق والتنبيه، خاصة وأن الشعر ممّا تتناقله الركبان، ويجري به كل لسان .
    ومن هُنا، يجدر بالمبدعين الحذرُ من مغبَّة الاسترسال في اختيار الألفاظ ذات المعاني المشتركة، والحرص على انتقاء المفردات المناسبة للمواقف والمقامات، تلافياً لمثل هذه المآخذ النقديّة.

  • هل ستزاحم الآلات البشر؟

    مع كل خطوة يقترب فيها الذكاء الاصطناعي من إتقان المهام العملية والمعرفية، تتصاعد المخاوف من أن يجد الإنسان نفسه على هامش المشهد. فالأتمتة تتسع، والأنظمة الذكية تتقن الكتابة والتحليل والتخطيط، حتى يكاد يبدو أنها تزاحم البشر في ميادينهم التقليدية.

    والحقيقة أنه مهما تقدمت الآلة، تبقى هناك أمور لا يمكن أن يتقنها الا الانسان وسوف ترتفع قيمة هذه الأمور ويصبح الانسان سيد الموقف فيها.

    فالذكاء الاصطناعي قد ينتج إجابات متقنة، لكنه لا يملك الإحساس والدافع الفطري والعاطفة الأساسية التي تدفع الكائن الحي للاستكشاف والتعلم واكتساب المعرفة وطرح الأسئلة لكشف ما وراء الظاهر.

    الفضول صفة الكائن الحي وهو ليس مجرد رغبة في المعرفة، بل قدرة على إعادة صياغة المشكلة، وتخيل احتمالات لم تُختبر بعد، والبحث عن معنى أعمق مما تقدمه البيانات. ومن هنا ينبع الابتكار الإنساني، بينما تبقى الآلة أسيرة ما تدربت عليه.

    الذكاء الاصطناعي قد يجمع البيانات ويحللها بدقة، لكنه يفتقر إلى التفكير النقدي الحقيقي، تلك القدرة على التمييز بين ما يبدو صحيحاً وما يحتاج إلى مراجعة، وبين الأصيل والمزور، وبين الادعاء والحقيقة. التفكير النقدي هو البوصلة التي تحمي من الانجراف خلف نتائج قد تكون دقيقة في شكلها، لكنها ناقصة أو متحيزة في جوهرها.

    الحكم البشري يمنح القرار معناه الأخلاقي والإنساني. فالآلة قد تقترح حلولا، لكنها لا تدرك أثرها على حياة الناس، ولا تفهم التعقيدات الاجتماعية والعاطفية التي تحيط بكل اختيار. وهنا يبقى الإنسان صاحب الكلمة الأخيرة فيما لا يُقاس بالأرقام وحدها.

    وتظل القدرة على التواصل والذكاء الاجتماعي جوهراً يصعب على الآلة تقليده. فالتواصل ليس مجرد كلمات، بل هو إحساس بالسياق، وقراءة للمشاعر، وبناء للثقة، والذكاء الاجتماعي هو فهم دوافع الآخرين، وتهدئة التوتر، وصنع روابط إنسانية لا تستطيع الخوارزميات أن تنسجها.

    وفي خضم هذا التحول، يظهر جانب آخر لا يقل أهمية عما سبق، لقد أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل مما كان في أي وقت مضى، فالتقنيات تبسّط المعلومات وتوفرها، ومنصات النقاش تفتح أبوابا واسعة لتبادل الأفكار وصقل المهارات والتعلم وتكوين ثقافات جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا والتعليم التقليدي. هذا التدفق المعرفي ينتظر منه أن يصنع أجيالا أكثر وعيا، وأكثر قدرة على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها، حتى يتحول كل فرد إلى مشروع معرفة متجدد.

    لهذا، ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر شكل العمل، فإنه يفتح في الوقت نفسه أبوابا جديدة أمام البشر. فهو يحررهم من المهام الروتينية، ويمنحهم فرصة للتركيز على ما يميزهم فعلا من الإبداع، والحكمة، والعلاقات، والأسئلة العميقة، والرؤية المتجددة التي تتجاوز حدود الخوارزميات.

    وبذلك، فإن التأثيرات السلبية المحتملة لا تلغي الفوائد الكبرى المتوقعة. فالعالم الذي تعمل فيه الآلة بكفاءة هو عالم ترتفع فيه قيمة الإنسان لا تنخفض، عالم يعيد تعريف المهارة، ويمنح البشر مساحة أوسع ليكونوا أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على بناء معرفة جديدة تعكس وعيهم وثقافتهم المتنامية.

    قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وقال سبحانه ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ صدق الله العظيم .

  • ثقافة العمل وأثرها في الأداء.

    ثقافة العمل هي مجموعة القيم والقناعات والمعايير والاتجاهات المشتركة السائدة في بيئة العمل، التي تؤثر في سلوك العاملين ونظرتهم إلى المسؤولية والإنجاز والانضباط والتعاون وجودة الأداء. وتشمل الالتزام بالأنظمة، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والمبادرة، والنزاهة المهنية، والحرص على جودة المنتج أو الخدمة.

    وقد تكون ثقافة العمل إيجابية، فتشجع على الإتقان والانضباط والتعاون، أو سلبية، فتترسخ فيها ممارسات خاطئة يعتادها العاملون، لا لقناعتهم بصحتها، بل لأنهم وجدوا من سبقهم يمارسها، ولأن البيئة المحيطة لم تضع حدًّا لها. وينشأ عن ذلك تفاوت بين ما تنص عليه الأنظمة والتعليمات وما يجري فعليًّا في الميدان.

    ومع استمرار هذه الممارسات، قد تتحول إلى أعراف غير مكتوبة تنتقل من جيل وظيفي إلى آخر، حتى يصبح الخطأ مألوفًا والتقصير مقبولًا والجدية مستغربة. وتزداد خطورتها حين تصبح نمطًا سائدًا يدفع الموظف الجديد إلى التكيف معها، خصوصًا في ظل غياب القدوة المهنية وضعف المساءلة.

    وتوجد هذه الظاهرة بدرجات متفاوتة في مختلف المهن والقطاعات، دون أن يعني ذلك سوء المهنة أو تساوي العاملين فيها في الأداء؛ فالمشكلة تكمن في الثقافة السلبية التي تتسامح مع التقصير ولا تميز بعدالة بين المجتهد والمقصر.

    ولا تقتصر آثار هذه الثقافة على ضعف أداء المقصر، بل تمتد إلى احباط الموظف المجتهد حين يرى أن إخلاصه لا يقابَل بتقدير مناسب، وأنه يتحمل أعباء إضافية بينما يُعذر المقصر أو يُتستر عليه. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع دافعيته وشعوره بعدم جدوى بذل المزيد من الجهد. وهكذا تتراجع روح المبادرة، وتُعاد إنتاج الممارسات السلبية؛ إذ يتأثر الموظف الجديد بما يشاهده في بيئة العمل بقدر تأثره باللوائح، وربما أكثر.

    ولا يكفي لإصلاح هذه البيئة إصدار أنظمة جديدة؛ فقد تكون الأنظمة واضحة، بينما يكمن الخلل في ضعف تطبيقها أو في الثقافة السائدة. ويقتضي الإصلاح وضع معايير واضحة للأداء، وتطبيق الأنظمة بعدالة، ومساءلة المقصر، وتقدير المجتهد، ومعالجة الممارسات المعوقة للإنتاجية. وقد يستلزم الأمر اتخاذ إجراءات وظيفية بحق من تثبت عدم كفاءته أو عدم صلاحيته للاستمرار في مسؤولياته، وفق الأنظمة المعمول بها.

    والغاية أن يصبح الالتزام هو القاعدة، وأن ينعكس التميز على التقييم والمكافأة والفرص المهنية، وألا يمر التقصير دون معالجة مناسبة؛ فالمسؤولية ليست شعارًا، بل التزام تترتب عليه حقوق وواجبات، وثواب ومساءلة.

    ومن المهم التمييز بين المهنة ومن يمارسونها؛ فقد تكون المهنة عظيمة ونبيلة، ومع ذلك يقصر بعض المنتسبين إليها. فسوء الممارسة لا يعني فساد المهنة ذاتها، كما أن وجود نماذج متميزة لا يعني تساوي جميع العاملين في الكفاءة والإخلاص.

    إن ثقافة العمل عامل مؤثر في تحويل الأنظمة من نصوص مكتوبة إلى ممارسات واقعية؛ فالثقافة التي تعزز الانضباط والإتقان والعدالة وتحمل المسؤولية تدعم تحقيق أهداف المؤسسة، بينما تحد الثقافة المتسامحة مع التقصير من فاعلية الأنظمة، مهما بلغت جودتها ووضوحها.

    ومن هنا، فإن بناء ثقافة عمل سليمة لا يقل أهمية عن وضع الأنظمة؛ إذ يتوقف نجاحها على عدالة تطبيقها، والقدوة المهنية، والمعايير التي تحكم الأداء اليومي، وتقدير المجتهد ومعالجة القصور. وبذلك تتحول القيم المهنية إلى ممارسات فعلية تسهم في تحسين الأداء وتحقيق أهداف المؤسسة.

  • ثقافتنا الى أين ؟

    قبل خمسين عاما تقريبا، حين بدأ التلفزيون يفرض حضوره على المجال العام، وظهر مفكرون غربيون يحذّرون من انتقال المجتمعات من ثقافة تقوم على القراءة والتحليل، وتنشأ في أروقة الجامعات ومراكز البحث، إلى ثقافة تعتمد على الصورة السريعة والانفعال.

     كانوا يرون أن التلفزيون لا يغيّر طريقة عرض المعلومة فحسب، بل يغيّر طبيعة التفكير نفسه، وأنه يحوّل الحياة إلى تسلية، والتعليم إلى ترفيه، والخطاب العام إلى سلسلة من المشاهد المتتابعة التي تُستهلك دون أن تُناقش،و نشروا كتبا بهذا الصدد.

    ومع أن تلك التحذيرات بدت في وقتها جريئة، فإنها كانت تتحدث عن وسائط محدودة، ذات اتجاه واحد، تخضع لرقابة مؤسسات إعلامية ومحررين ومراجعين.

    اليوم، لم يعد الأمر انتقالا من الكتاب إلى التلفزيون، ومن قاعات المحاضرات إلى الاستوديو، بل انتقالا إلى فضاء مفتوح لا يشبه أي وسيلة عرفها البشر من قبل. فقد تغيّر شكل المعلومة، وأعيد تشكيل بيئتها بالكامل. فالمحتوى لم يعد يُنتج في غرف الأخبار أو في المؤسسات الأكاديمية، بل يُصنع في غرف النوم وعلى الهواتف المحمولة، ويصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق دون أن يمر بأي عملية تحقق أو مراجعة.

    ومع هذا التحول، لم يعد الشكل أهم من المضمون فحسب، بل أصبح الشكل هو المضمون، وأصبحت السرعة معيارا للقيمة، والانتشار معيارا للحقيقة، بصرف النظر عمّن أتى بالمعلومة ومن أين أتت.

    وساد منطق اقتصادي تحكم في المعلومة، لا علاقة له بالمعرفة أو التثقيف، فالأولوية للمحتوى الأكثر قدرة على الإثارة، لأن الاثارة تولّد الانفعال والانفعال يولّد تفاعلا والتفاعل يولّد بقاءً أطول على المنصات، والبقاء يولّد نقودا وكسبا.

    وهكذا أصبحت الروايات المرسلة، والمواقف المصطنعة، والمشاهد المزيفة، والأحاديث الكاذبة وقودا يوميا للخطاب العام. وأصبح العَيِيّ خطيبا، والفاشل طبيبا، والجاهل خبيرا، والسفيه محللا، والمعتوه مفسرا، بلا ملل ولا رادع ولا خجل، وتراجع المضمون المحكَّم لصالح مادة هزيلة تقدم في مقاطع قصيرة وعناوين مثيرة.

    ومع الوقت، تشكّلت فقاعات معرفية تعيش داخلها فئات تتلقى محتوى مصمما خصيصا لميولها، ومعزولة عن الحقائق المشتركة التي كانت تشكّل أساس النقاش العام.

    هذا الانفتاح غير المنضبط للمنابر جعل المعلومة عرضة للتشويه، وأضعف قدرة طالب المعرفة الحقة على التمييز بين الحقيقة والتضليل وبين السليم و السقيم. ومع غياب وسيط معرفي يضمن الحد الأدنى من الجودة، أصبح المؤثر وصانع المحتوى والخوارزمية هم من يحددون ما يُناقش وما يُهمل، وما يُصدَّق وما يُكذَّب.

    وفي هذا السياق، لم يعد الجمهور يتخلى عن عمق الخطاب طوعا، بل أصبح غير قادر على الوصول إليه أصلا، لأن البيئة التي تسمح بوجود خطاب عميق لم تعد قائمة.

    طالب المعرفة اليوم أصبح يتلقى معلومات متدفقة من مصادر لا تخضع لأي معيار، ويواجه محتوى سريعا ومجزأً يصعب ربطه بسياق معرفي متماسك. ومع ضعف مهارات التحقق، أصبح من السهل أن تختلط المعلومة الصحيحة بالخطأ، وأن تتراجع القدرة على التفكير النقدي لصالح الاستهلاك السريع للمحتوى. وهكذا لم تعد المدرسة والجامعة المصدر الأساسي للمعرفة، بل أصبحتا جزءا صغيرا من بيئة معرفية واسعة لا يمكن السيطرة عليها.

    نحن أمام ثقافة ليست لها مركزية، ولا مرجعية، ولا وسيط معرفي يحمي جودة المعلومة. ثقافة تتشكل فيها الحقيقة وفق ما تقرره الخوارزميات، ويتحدد فيها النقاش العام وفق ما يثير الانتباه لا وفق ما يستحق التفكير.

     إن غياب المسؤولية وضعف المحاسبة حوّلا الساحة إلى فوضى معرفية تهدد قدرة المجتمعات على بناء فهم مشترك سليم. إن ما نواجه اليوم ليس مجرد تطور في وسائل الإعلام أو مصدر المعلومة، بل تحولا في بنية المعرفة نفسها.

    وإذا لم تُبنَ منظومة جديدة توازن بين الانفتاح والمسؤولية، فإن المعلومة ستظل عرضة للتشويه، وسيظل التثقيف عاجزا أمام بيئة معرفية لا تعترف بالعمق ولا تمنح التفكير النقدي الوقت الذي يحتاجه ليعمل.

  • من علم حشرة الجدجد هذا ؟.

    الجدجد، (GRYLLUS CAMPESTRIS) هذه الحشرة تحفر قرب سطح الأرض نفقاً تصممه على شكل بوق تغني فيه الذكور ليلاً لجذب الإناث، وهو ليس نفقاً عشوائياً، بل يتم تصميمه وفق معايير هندسية دقيقة في الشكل والأبعاد تجعل منه بوقاً مثالياً لتكبير وتضخيم الصوت.

    • فيضاعف الشكل الهندسي للنفق طاقة الموجات الصوتية نحو 251 مرة مقارنة بالصوت في الهواء الطلق.
    • يبدو الصوت للمستمع أعلى بنحو 5 إلى 6 مرات.
    • يتسع مدى الصوت حتى يبلغ 600 متر.
    • تصل شدة الصوت إلى 92 ديسيبل على بعد متر، وتتجاوز 115 ديسيبل عند فوهة النفق في بعض الأنواع.
      قال تعالى : ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ صدق الله العظيم.

  • لماذا الأخضر؟

    تُشير الدراسات السلوكية والعصبية إلى أن الألوان تعمل كمحفزات بصرية تُنشِّط المسارات العصبية المرتبطة بالمعالجة الحسية. وينعكس ذلك على بعض آليات التنظيم العصبي، وعلى وظائف مرتبطة بالانتباه والحالة الشعورية.

     ويتحدد مقدار هذا التأثير تبعاً لخصائص اللون، ولمدة التعرّض البصري، وللسياق الذي يظهر فيه اللون، كما يتفاوت بحسب حالة المتلقي، إذ تتفاعل الخبرة الإدراكية المكتسبة مع الاستجابات العصبية الأولية.

    وتُظهر أبحاث قياس معدل ضربات القلب وتقلّبيته أن الألوان الدافئة ذات الأطوال الموجية الأطول – وعلى رأسها الأحمر والبرتقالي – ترتبط في كثير من السياقات بارتفاع نسبي في مؤشرات الاستثارة والتيقّظ، بما قد يوافق ميل الجهاز العصبي الودّي إلى زيادة معدل ضربات القلب ودعم التأهب الحركي، وقد يولّد ذلك شعوراً بالحماسة وزيادة الطاقة والقدرة على التفاعل السريع.

     أما الألوان الباردة ذات الأطوال الموجية الأقصر – وعلى رأسها الأخضر والأزرق – فترتبط في دراسات أخرى بميل أكبر إلى الهدوء وانخفاض الإحساس بالتوتر. ولا تتوقف هذه الاستجابة عند الحدود البيولوجية الفطرية، بل تتداخل معها المحددات الثقافية والخلفيات البيئية والحضارية بوصفها عوامل إدراكية مكتسبة تشكّل التفسير النفسي والجسدي لكل لون، فتجعل التفاعل الإنساني مع المحيط البصري تجربة مركّبة تجمع بين الفطرة العضوية والتشكيل المجتمعي.

     واللون الأخضر وهو من ألوان منتصف الطيف المرئي، ويُصنَّف إدراكياً ضمن الألوان الباردة، يُنظر إليه بوصفه لون التوازن والانسجام. وقد ربطته دراسات نفسية وفسيولوجية بتخفيف الإحساس بالتوتر والإعانة على الاسترخاء لما يجتمع فيه من اعتدال بصري وارتباط ذهني، فهو أرفق بالعين من كثير من الألوان الحادة عالية التباين وإدراكه أيسر وأقل إجهاداً في الإضاءة النهارية، لذا فهو يُعين على الطمأنينة وقد يفتح باب التفكير الهادئ والتعافي النفسي.

     ولذلك تعتمد بيئات العمل الحديثة النباتات والجدران الخضراء ضمن ما يُسمّى التصميم المستلهَم من الطبيعة (التصميم البيوفيلي) – منهج في العمارة والتصميم الداخلي يقوم على دمج عناصر الطبيعة في المباني بهدف تحسين صحة الإنسان وراحته النفسية – طلباً لتخفيف التوتر ودعم التركيز وتحسين المزاج، وقد وثّقت مراجعات منهجية أثراً إيجابياً متفاوت القوة للنباتات والإطلالات الطبيعية في خفض مؤشرات الإجهاد الذاتي وبعض المؤشرات الفسيولوجية.

    ويُستخدم اللون الأخضر في بيئات الرعاية الصحية، في منسوجات الستائر والملابس وفي ألوان قاعات الانتظار، لما يوفره من راحة بصرية وقدرته على تهدئة المرضى والطاقم الطبي، كما شاع استعمال اللون الأخضر والأزرق المخضرّ في ملابس الجراحين منذ أوائل القرن العشرين بعد العدول عن اللون الأبيض اللامع، ثم اتسع استخدامهما لاحقا في بقية عناصر البيئة الطبية.

     وهذا البعد الجمالي والنفسي للون الأخضر يَبْرز في الآيات التي صوّرت نعيم أهل الجنة، إذ جُعِلَ اللون الأخضر ـ بما يحمل من دلالات السكينة والطمأنينة والجمال ـ لباساً لهم وزينةً لمتكئهم. قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وقال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ صدق الله العظيم.

  •  تحديث أساليب التعريف بالإسلام.

    يواجه المجتمع الإسلامي اليوم تحديا حقيقيا يتمثل في الحفاظ على صلة أفراده بدينهم وثقافتهم وسط انفتاح معلوماتي واسع وتدفق متواصل للأفكار والقيم وأنماط الحياة.

    فلم يعد الأمر مقتصرا على الفهم والتبليغ، بل امتد إلى كيفية العرض بلغة يفهمها الجيل المعاصر، وبأسلوب يخاطب عقله وقلبه معا.

    ولا يمكن مواجهة الواقع بالاكتفاء بالأساليب التي اعتدناها، مهما بلغ صدقها وأثرها، بل يستوجب تطوير طرائق التعريف بالإسلام، وتعزيز صلة الناس بتعاليمه وروحه، وتجديد وسائل الدعوة والإرشاد بما يخاطب العقول، ولا سيما عقول جيل يعيش في عالم مادي كثرت فيه المُشَتّتات وغلب عليه الجفاف الروحي.

    لم تفقد الأساليب التقليدية قيمتها، لكنها لم تعد كافية وحدها، لأننا أمام جيل مُطّلع على كمّ هائل من الثقافات والمعلومات، وتتنازع وعْيه يومياً خطابات حديثة لا تكتفي بإبلاغه بالأفكار، بل تخاطب عقله ووجدانه معا، وتستثمر ما جُبل عليه الإنسان من حاجات ودوافع وميول، فتؤثر في نظرته إلى الأشياء، وتوجّه سلوكه، وتسهم في تشكيل قناعاته.

    ولا تقدم هذه الخطابات أفكارها بالطرح المباشر، بل تستثمر خصائص التلقي الإنساني، وما تجذبه الصورة والإيقاع والتكرار، لتثبيت رسائلها وتوجيه السلوك.

    ومن هنا، قد يبلغ الباطل بزخرفه ما لا يبلغه الحق إذا قُدِّم بأسلوب لا يناسب زمنه، وبخطاب لا يفهمه المخاطَب ولا يقنعه؛ فالإخلاص وحده لا يغني عن تحسين أساليب الأداء.

    وليس المطلوب نبذ الوعظ والإرشاد، ولا الانتقاص من أثر الكلمة الصادقة والقدوة الحسنة، وإنما المطلوب أن نستشعر حجم التحدي، فنطوّر ما لدينا ونثريه.

    ونحتاج إلى منهجيّات تخاطب هذا الجيل بلغته، وتستفيد مما يألفه ويقبل عليه، وتقدّم له المعاني بما يفهمه، من غير تفريط في الثوابت ولا تكلّف يفقد الخطاب وقاره.

    وهذا العمل يحتاج إلى علم، وجهد، ووقت، وصبر. وكل تأخير فيه له ثمن، لأن الآخرين يعملون بجد، ويستثمرون سرعة النشر وسهولة الوصول، ويُحسنون استخدام الوسائل الحديثة في التأثير في الوجدان والعقول، والحق أولى أن يُعرض بوضوح وإحكام.

    والإسلام نفسه لا يضيق بهذا التجديد، فقد دعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة، وأمر بالجدال بالتي هي أحسن، وجعل العقل أداة للفهم لا خصماً للإيمان. فتجديد الأسلوب وفاء للمنهج، لا خروج عليه.

    ومن أجل تصميم أساليب ومناهج فاعلة، لا بد من تكامل الجهود بين علماء الدين وعلماء النفس والاجتماع والمفكرين، وكل من يحسن فهم السلوك الإنساني ووسائل التأثير، حتى يجتمع صدق المضمون مع فقه الواقع.

    كما ينبغي أن تُطرح المشكلات والمعضلات والتوجهات المعاصرة بوضوح وصراحة ومصداقية، من غير تهويل يثير المخاوف ويزرع الشكوك، ولا تهوين يبعث على اطمئنان زائف، ويُبلِّد الإحساس بخطورة الواقع.

    وينبغي كذلك أن تُناقش جذور المشكلات وأسبابها وآثارها مناقشة عقلية علمية هادئة، تُظهر فهماً للواقع وقدرة على علاجه، لا مجرد إنكاره. وأن يُبيَّن موقف الإسلام منها بدقة ووضوح، في عرض مترابط وموثّق، يربط الحكم بالحكمة، والنص بالمقصد، والعقيدة بأثرها في حياة الإنسان.

    وبذلك ينتقل الخطاب من الوعظ العام إلى البيان المقنع الذي يبرز المشكلة ومنشأها، ويناقش آثارها، ويطرح علاج الإسلام لها.

    وإذا عُرضت الفكرة على هذا النحو، فليُترك للمرء مجال التأمل والحكم، فالعقل إذا خوطب بالوضوح والمنطق كان أقدر على تمييز الصواب واتباعه، ومعرفة الخطأ واجتنابه.

    والدعوة الراشدة لا تخشى السؤال، ولا تستغني عن الحجة، ولا تستبدل الزخرف بالبرهان. فالحق إذا أُحسن عرضه كان أرسخ في النفس وأبعد عن الإكراه والزينة الخادعة. أما إذا عُرض عرضا مجملا، أو لم تُبيَّن معانيه بوضوح، أو قُدِّم بلغة لا تناسب عصره، فقد يُردّ لا لضعف مضمونه، بل لقصور في تبليغه.

    ومن ثم فإن التعريف بالإسلام، وحفظ صلة الناس بدينهم في هذا الزمان، لا يتحقق بتجاهل الواقع وعدم تقدير أهمية أدوات العصر، كما لا يتحقق بالذوبان في تياراته، وإنما بخطاب يبرز أصالة المضمون، ويجمع بين عمق الفكرة، وصدق الروح، وجمال العرض.

     وهذا هو التجديد الذي نحتاج إليه بأن يبقى الأصل مصونا، وأن يتجدد الأسلوب بما يقرّب معانيه إلى العقول والقلوب، لتترسخ صلة الناس بهذا الدين، ويغدو هدْيَه حاضرا في وعيهم ومُوجّها لسلوكهم.

  • المتكأ والتكية .

    من الكلمات التي أُدخلت إلى العربية حديثاً كلمة تَكِيَّة. فنجد القواميس الحديثة تذكر أن التَّكِيَّة اسم نُزُل للمسافرين أو دار لإيواء الفقراء تُنفِق عليه منظمة دينية. كما تذكر أنه تعبير معاصر للدلالة على السّفه في إنفاق الأموال دون وجه حق. وهذا اللفظ مسموع في أحاديث الناس. ونفهم المعنى العام للكلمة على أنه توفيرالمأوى و الطعام بلا مقابل، ولمن لا يستحق.

    وكلمة تَكِيّة بالفارسية (تَکْیَه) (بفتح التاء وسكون الكاف، وتنتهي بهاء صامتة) وليست أصلية في الفارسية، بل وافدة من العربية، فهي عندهم لفظ عربيّ مأخوذ من مصدر (الاتكاء)، والهاء في آخرها زيدت بالفارسية لجعلها اسم مصدر ومعناها الاعتماد، أو الاستناد بالظهر على وسادة أو جدار. وقد انتقلت من الفارسية إلى التركية العثمانية بلفظ (تکیّہ) ثم عادت منها إلى العربية، وجُمعت على تَكَايَا.

    قال تعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة.

    وتحت كلمة (وكا) يقول ابن فارس، الواو والكاف والحرف المعتل: أُصَيلٌ يدلُّ على شَدِّ شيء وشِدَّة. منه الوِكَاء: الذي يُشَدُّ به. وفي لسان العرب: المُتَّكِئُ فِي العَرَبِيَّةِ كُلُّ مَن اسْتَوَى قاعِداً عَلَى وِطاءٍ مُتَمَكِّناً، والعامّةُ لَا تَعْرِفُ المُتَّكِئَ إِلَّا مَنْ مالَ فِي قُعُودِه مُعْتَمِداً عَلَى أَحَدِ شِقَّيْه؛ والتاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وأَصله مِنَ الوِكاءِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الكِيسُ وَغَيْرُهُ، كأَنه أَوْكَأَ مَقْعَدَتَه وشَدَّها بالقُعود عَلى الوِطاءِ الَّذِي تحْتَه.

    وقد أطلق العثمانيون كلمة تكية على دور المتصوفة التي تأوي الدراويش وعابري السبيل وتطعمهم من ريع أوقاف خيرية بلا مقابل، ثم اتسع معناها لاحقاً ليشمل الدور الوقفية التي تقدم الطعام المجاني لعموم المحتاجين.

    وكانت التكايا العثمانية منذ القرن السادس عشر مؤسسات وقفية منظمة، لها نظّار، وسجلات، وموظفون، وتعمل وفق نظام مالي ثابت يعتمد على ريع الأوقاف.

    وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة أقام محمد علي باشا التكيتين المصريتين على النظام العثماني في أوائل القرن التاسع عشر لتقديم وجبة يومية من حساء القمح والعدس للفقراء والمحتاجين على مدار العام.

    في منتصف القرن العشرين، ومع قيام مؤسسات الرعاية الاجتماعية الحديثة في العهد السعودي توقفت خدمة التكايا وحلت محلها الضمانات الاجتماعية والمبرات الخيرية، ثم أُزيلت مبانيها ضمن مشاريع توسعة الحرمين الشريفين بعد تواجد استمر لأكثر من قرن من الزمان.

    وهكذا رأينا كيف اغتربت كلمة (المُتَّكأ) العربية في معاجم الأمم، ثم آبت إلى ديارها بحُلّة جديدة مشحونة بدلالات إضافية. ولعلنا نلمس أن أريج معانيها الأصيلة، الضاربة في عمق الكرم والكرامة، قد خَبَت جذوته متأثرةً بطبائع تلك المجتمعات التي عاشت بينها رَدَحَاً من الدهر.