التصنيف: Uncategorized

  • عادة الفزعة .

    الفزعة شكل من أشكال الأعمال التطوعية .

    Photo by Diego Sandoval on Pexels.com

    نظام الفزعة او عادة الفزعة من الامور التي كانت مألوفة عند المزارعين  في زمن ليس بالبعيد. وقبل ان ندخل في تفصيلات هذا النظام وحتى نعرف كنهه نبدأ اولا بتعريف معنى كلمة (فزعة) في اللغة العربية، ففي المعجم، فَزِعَ إِلى القوم: استغاثهم، وفَزِعَ القومَ وفَزَعَهم فَزْعاً وأَفْزعَهم: أَغاثَهم, قال الشاعر: فقُلْتُ لكَأْسٍ أَلْجِمِيها فإِنَّما حَلَلْتُ الكَثِيبَ من زَرُودٍ لأَفْزَعا.

     فالفزعة اذا هي ان يلبي الناس نداء داعيهم في طلب المساعدة أي مساعدة في عمل من الاعمال التي لا يجد سبيلا في انجازها لوحده وهذه المساعدة هي طبعا من الاعمال التطوعية التي تأدى بدون مقابل. ومن الأمور التي يطلب فيها الناس الفزعة عادة جني الثمار , وحصاد المحاصيل , فقد يطلب الشخص فزعة جاره او ابن عمه او حتى البعيدين ( لصرام الحنطة ) او قطاف الذرة او (الدياسة) وهي اي الدياسة كلمة عربية فصيحة جاء في الصحاح في تعريف كلمة ركس والراكس هو الهادي وهو الثور وسط البيدر تدور عليه الثيران في الدياسة . وجاء في اللسان والطائف ا لثور الذي تطوف حوله البقر في الدياسة .

    قلت لقد استطرت هنا ولكن لا مانع لمزيد من المعرفة فالراكس هو المركوس الى عمود الجرين ويسمى القاعد لأنه اقل دواب الدياسة حركة. والطايف في آخر طرف الدواب مما يلي الحافة وهو أكثر دواب الدياسة دورانا.

    وقد تطلب الفزعة لإصلاح اضرار سببتها السيول او لفتح طريق وتوسعته او حتى لبناء بيت او (كبسه) اي وضع السقف له وقد تطلب الفزعة من شخص واحد او شخصين او اكثر.

    ويتساءل البعض هل الفزعة واجبة على المفتزَع أم ان له ان يرفض ذلك؟

    والجواب انها ليست مُلزمة بل تطوعية كم ذكرت. ولكنه لا يستطيع ان يرفضها ادبيا وكذلك لا يستطيع رفضها لأنه محتاج الى الاخرين الذين سوف يعاملونه بالمثل فيما لو (أفزعهم) مستقبلا. فالذي يرفض ان يفزع لأخيه يصبح محل النظرة الدونية  . ومن الذين ليس فيهم خيرا، كما ان المفتزع يعلم ان الرفض له آثار وخيمة لان الجماعة سوف يقاطعونه ( فلا يخرجون ثوره من البير) هكذا يقولون لان في هذا تمثيل لأقصى درجات حاجة الفرد للأخرين في ذلك الوقت فثوره سوف يموت في البئر قبل ان يجد من يخرجه منها ان قاطعوه.

    نعود ونوضح ان الناس يستفزعون قومهم للمساعدة ويفزعون لهم وهذا النظام نظام منتج اقتصاديا فالشخص ليس لديه عمل مستمر كل يوم واغلب اعمال المزارعين موسمية ودورية يتخللها ايام فراغ فاذا تعاونوا في العمل انجزوه فهم يحصدون محصول   ( فلان ) اليوم وبعد يوم او يومين يحصدون محصول جاره وهكذا .كما انهم يساعدون في هذه الاعمال بروح الاخوة وبمعنويات عالية وينجز الفريق في يوم ما لا يستطيع الفرد انجازه في شهر .أضف الى ذلك انهم يفزعون في كثير من الاحيان بآلاتهم ودوابهم .ومن مزايا هذا النظام انهم يستفيدون من خبرات بعضهم ومهارة كل فيما يحسنه فتجتمع المهارات والخبرات والآلات والمعدات لتكمل بعضها . ويزيد نظام الفزعة من تلاحم القوم ويقوي اواصر المحبة ولحمة الاخاء بينهم بالإضافة الى التوفير الكبير الذي يحققه لهم .

    وان كان هذا النظام تطوعي بدون اجر فان هناك التزامات ادبية على المفتزِع منها ما اشرت اليه من انه ملتزم أدبيا بتلبية نداء الفزعة للآخرين ومنها انه منتظر منه تقديم وجبة او وجبات طعام (للفزًاعة) وكلما كان دأب المفتزع وعادته تقديم طعام جيد كلما تسابق القوم ملبيين طلبه . ومما يتناقله الناس ان البعض يتقدم للفزعة متى سمع بها حتى ولو لم تطلب منه هكذا تطوعا منه بكل اريحية وطيبة نفس.

    وكما يفزع الرجال كذلك تفزع النساء ويشاركن في مجموعات في اداء ما يناسبهن من عمل، وكذلك الاطفال. وقد اشرت الى ان الفزعة قد تكون في مواسم  الحصاد والدياسة، وهنا اشير الى ان صاحب المحصول يقدم طوعيا للفزاعة وأحيانا لمن يحضر المناسبة شيئا من الإنتاج ويسمى شُكدا، والشكد كلمة عربية  فصيحة وهو ما يُمْنَح من الثّمر عِنْد الحَصَاد .

    وللفزاعة حين مشاركاتهم في مجموعات لأداء العمل اناشيد تتميز بألحانها الشجية حسب نوع العمل وكذلك تتميز بكلماتها المثيرة للحماس والبهجة والفرح والتسلية في بعض الاحيان.لقد افتقدنا نظام الفزعة بعد أن هاجر العديد من سكان القرى الى المدن وتركوا العمل في الزراعة .

  • مداراة الناس .

    Photo by Min An on Pexels.com

    نقرأ في سيرة الإمام ابن قدامة المقدسي أنه كان حسن الأخلاق لا يكاد يراه أحد إلا مبتسمًا، يحكي الحكايات ويمزح مع طلابه ويلاطفهم… وأنه كان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره…

    قلت هذه صفات يمنحها الله لبعض عباده ويمنعها عن بعض، ومن أعطاه الله القدرة على تحمل الآخرين والعفو عن زلاتهم والتغاضي عن هفواتهم، ومداراتهم، وكظم الغيظ إزاءَ اساءاتهم، ومراعاة مشاعرهم، وتصيد الفرص السانحة والأوقات المناسبة لملاطفة جلسائه وادخال السرور على أنفسهم والابتعاد عن شكوى تكدر صفاءهم، أو منافسة تجلب جفاءهم، فتلك نعمة من الله وفضل وحكمة موهوبة من الرب عز وجل (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) صدق الله العظيم.

    ولا تخلو الحياة من أناس يبادلونك الشَّمائل الحميدة والأخلاق المجيدة بمثلها، ويتقبلونها منك بطيب خاطر ويقابلونها بسلوك متحضر يضيف الى طاقتك طاقة ويضفي على سلوكك اشراقه. ولكن هناك فئة من الخلق مجبولة على الغِلظة والفَظاظة، تقابل الملاطفة بالمناكفة، والمجاملة بالوقاحة، تفسر العفو ضعفا، والتجاوز جبنا، وتلوي أعناق الكلام لتبلغ بذلك المرام.  

    ان كبح جماح الانفعالات الداخلية إزاء سلوك الفئات الاستفزازية، ومجاملتهم والصبر على نزقهم وجلافتهم وعنادهم وسوء فهمهم وعدم مراعاتهم لشعور الآخرين، يولد معاناة نفسية وإجهادا ذهنيا هو نتاج تطويع النفس واجبارها على تهدئة الأمور مع هذه الفئة غير المهذبة.   

         يقول ابن الوردي في لاميته: نَصَب الْمَنْصِب أَوَّهـى جَلَدَي * وَعَنَائـي مِن مُدَارَاة الْسَّفَل.

       ان من أشد ما يوهي جَلَد الحكيم و يذهب حِلم الحليم، مداراة السَّفلة من الخلق وما اكثرهم، وما أقبح سلوكم وفي الحديث عن النبي ﷺ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه “إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم”. ولله در الشاعر حيث يقول:

    ومن نَكَدِ الدُنيا على الحُرِّ أَن يَرَى *عَدُوّاً لهُ ما من صَداقتِهِ بُدُّ.

     ويقول الشاعر الشعبي:

     من كثر ما جربت واقبلت واقفيت * قولة هلا لمن لا يودك مهونة.

    نعم مداراه السافلين المزعجين الوخمين والثقلاء الجَافِين، وحتى الابتسامة الصفراء المصطنعة في وجوههم مجاملة لهم، والقاء التحية عليهم في أدنى صورها، تتطلب صبرا وتورث معاناة، ولهذا كان سلوك المهذبين محموداً مأجوراً،،،  

  • ستجد هنا.

    بعضاً من الأفكار والتأملات، والخواطر المختصرة ، لقد كتبت الكثير من هذه الشذرات ، هنا وهناك ، على مدى سنوات ،على صفة مشاركات وقتية ، ومناقشات لحظية ، ولم أعمل على حفظها أو تدوينها ، فهي لا تهتم بتخصص أو تخدم عمل ولا تتقيد بمجال محدد ،  بل صيد خاطر أسطره لمناسبة أو مشاركة وأتجاوزه في وقته ،الى أن لفت نظري مُحب بعد أن شاهد شيئا من هذا الشتات في قصاصات و مُسَوَّدات ورأى أنه  قد يكون في جمعه فائدة ، فقررت أن أضع هنا ما ستقع عليه يدي ويتَهَيَّأَ لي نقله  وهو غيضٌ من فيض ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، ولم التزم في ترتيب نشره هنا بزمن أو مناسبة ، كما اجتهدت في تكملة ما بدى لي ناقصا اما لسقط بعض اجزائه او فقدها كما صححت بعضا مما رأيت مناسبة تصحيحه وهو لا يتجاوز بعض الأخطاء اللغوية أو المعلومات البسيطة ، فان وجدت أيها القارئ العزيز ما يفيد فهذا هو القصد وان لم تجد ذلك فلعله يفيد الآخرين ويكفي كرم زيارتك لمدونتي وحسن ظنك بما فيها ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل ،،،

    أحمد بن مصلح الثمالي.

  • المدح.

    Photo by Summer Stock on Pexels.com

    مهنة المدح مكروهة مذمومة وفي الحديث يقول رسول الله ﷺ، إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب. وأرى أن من أسباب مقت المديح وكرهه، ما ينتجه من غرور عند الممدوح قد يورثه الكبر والخيلاء، ولما فيه من خداع للعقل وغش للنفس بكاذِبِ الإطراءِ وزُورِ الثَّناءِ. ويتجوز في الثناء الصادق البعيد عن المبالغة والاطراء.
    هذا الجانب من الموضوع واضح لنا ولا يغيب عن فهم أغلبنا، ولكن هنالك جانب قد لا نفطن له أو نعطيه حقه من التأمل، ألا وهو استخدام بعض الشعراء ملكتهم الشعرية في التكسب بطريقة تأباها النفوس الشريفة، وترفضها العقول الحصيفة.
    وذلك عندما ينبري أحدهم يكيل المديح لمن لا يستحقه ويضفي عليه صفات الأجواد وهو قاعد عن كل مكرمة ويلبسه حلل الكرام وهو أبعد ما يكون عن فضائلها كل ذلك لأنه أعطاه ما طلبه ومنحه ما تمناه. وفي المقابل نجده يذم ويهجو كل من قصرت عنه أفضاله، أولا يرجو نواله، وما ذلك الا انتقامٌ لنفسه، واستعمال ملكته الشعرية في إيذاء من لا حق له عنده، وتلك خصال مذمومة ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. ولله در ذو الإصبع العدواني حيث يقول: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب *عني ولا أنت دياني فتخزوني.

    فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي * فإن ذلك مما ليس يشجيني.
    هؤلاء الذين يمدحون بالكذب لمجرد أنهم أعطوا، ويذمون بلا سبب سوى أنهم منعوا، فرغم تَزْوِيق كلامهم وتنميقه، يبقى المعنى عن السمو قاعدا، والغرض عاطلا وفاسدا، ولا يصح منا استحسان مثل هذا وترديده، أو الثناء على قائله وتمجيده.

  • المزاح .

    المَزْحُ هو الدعابة، وهو نقيضُ الجِدِّ، هكذا تُعرفُه المعاجم، يضيف بعضها ان المزاح هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف دون أذية. المُزَّحُ من الرجال الخارجون من طَبْعِ الثُّقَلاء، المتميزون من طبع البُغَضاء، قاله الجوهري. والمزاح في كنهه الإيهام للشَّيء في الظَّاهر وهو على خلافه في الباطن من أجل الدعابة والملاطفة، من غير اغترارٍ للإيقاع في مكروه.

    والْمُزاح، وَالدُّعَابَةُ، والفُكاهة، والطُرَف والمُلَح، كلام يراد به المباسطة والملاطفة، ولا يُفضي إلى أذى يلحق بالمخاطبين، من تحقير أو تشهير أو تصغير شأن أو تشويه سمعة، تصريحا أو تلميحاً، وليس من المزاح الهزل الماجن، والاستهزاء والسخرية.

    وللمزاح حدود شرعية لا يجوز تجاوزها، فالكذب والفاحش من القول وما فيه أذى للآخرين كل ذلك غير جائز شرعاً ولا مقبول طبعا، ًفي المزاح كما الحال في الجد، اللهم إنا نعوذ بك أن نقول زوراً أو نغشى فجوراً.

    و كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُمازِحُ أصحابَه، ويقول إنِّي لأمزَحُ ولا أقولُ إلَّا حقًّا. أتت عجوز اليه فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال: “يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز”. فولت تبكي. فقال: “أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارًا * عربًا أترابًا﴾.

    يروى أن رجلا سأل محمد بن سيرين (تابعي) عن شخص يعرفه، فقال ابن سيرين: توفى البارحة، أما شعرت؟ فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فضحك ابن سيرين وقال: (الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى).

     دخل الأحنف أحد سادات بني تميم على معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية ممازحا.

    ما الشيء الملَّفف في البجاد يا أحنف؟  

    وكان أحد الشعراء  قد نسب الى تميم الشره في الأكل وقال:

    إذا ما مات ميتٌ من تميمٍ … فسرّك أن يعيش فجيء بزاد.

    بخبزٍ أو بتمرٍ أو بسمنٍ … أو الشيء الملَّفف في البجاد.

    تراه يطوف في الآفاق حرصاً … ليأكل رأس لقمان بن عاد.

     فعلم الأحنف ما أراد معاوية بتعريضه، فقال: الشيء الملفف في البجاد هو السخينة يا أمير المؤمنين.

    وذلك أن قريشاً كانت تُعَير، من باب الفُكاهَةُ بأكل السخينة، وهي حساء من الدقيق.

  • ألآعيب الشيطان.

    من ألاعيب الشيطان بثُّ الفتن وإشعال الأحقاد بين البشر، وخصوصًا الأقارب والمتآخين، سعيًا لتحقيق الهدف الذي قطعه كبيرهم إبليس على نفسه حينما طرده الله ولعنه قال تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). وما يحدث من فرقة بين ذوي الأرحام، ومن أوجب الشرع صلتهم وحرم قطيعتهم، ما هو إلا من نزغ الشيطان، قال تعالى:(مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)،وقال رسول الله ﷺ:(إن الشيطان قد أَيِسَ أن يُعبدَه المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم).
    تسعى الشياطين بالنزغ لبثِّ الفرقة وتمزيق الألفة بين الناس، وهدفهم قطع ما أمر الله به أن يُوصَل، وإبعاد البشر عن طاعة مولاهم، كما قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)، و في الحديث: “لا يدخل الجنة قاطعُ رحم”. وقال رسول الله ﷺ: (تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا امْرَءًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا).
    ولشياطين الجن أعوانٌ وإخوانٌ من الإنس، يواصلون المسعى الشيطاني في الإيقاع بين الناس لأوهام يظنونها أو لإطفاء أحقاد يحملونها، قال تعالى:(شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
    والنزغ والوساوس الشيطانية تبلغ إحساس الضحية وتوصل الرسالة الخفية دون جلبة أو لفتٍ للأنظار، وكذلك دسائس البشر تعمل في الخفاء تحت غطاء النصائح المسمومة والنميمة المذمومة. والشياطين تستعمل وسائلها فتثير الفتنة والوقيعة بالنزغ والوساوس، بينما يُوقد أعوانهم من الإنس نارها بالدسائس، ويزيدونها اشتعالًا بالتحريش وتأجيج الصدور وإثارة النعرات.
    والذي يقع في حبائل الشياطين ويستسلم لوساوسهم هو الضحية، وتلكم هي الرزية، إذ وقع في الفخ، وفعل المحظور بخديعةٍ وتضليل، وهو عرضة للعقوبة لأن الآيات والأحاديث قد كشفت كل الأساليب وفضحت الألاعيب فليس له عذر،قال الله تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا).
    كما بيّنت العلاج الناجع وذلك بالإيمان بالله والتوكل عليه (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) والاستعاذة بالله منهم (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وعدم الانسياق وراء الوساوس والدسائس والابتعاد عنها وعن مصادرها (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ). صدق الله العظيم.

  • تنويع المطالعات.

    عندما يُنهي البعض مراحل التعليم الرسمي والدراسة المنهجية، يبدأ في بناء معرفته عبر اختيارات ذاتية يُشكلها ميوله وتتحكم فيها توجهاته. فيقرأ الكتب التي تستهويه، ويطّلع على الصحف والمجلات التي تناسبه، ويتابع البرامج والمقاطع التي تجذبه، ويزور المواقع التي تتماشى مع اهتماماته. كما يشارك في المنتديات والمؤتمرات التي تروق له، ويختار أصدقاءه وجلساءه ممن ينسجم معهم، متجنبًا ما لا يناسب ميوله، بل قد ينفر منه أحيانًا.
    هذا السلوك طبيعي في الإنسان، وقد استغلت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، هذه الطبيعة الفطرية فتبرز لكل شخص المحتوى الذي يلبي ميوله، ومن خلال تتبع ما يشاهده أو يتابعه أو يكتبه، تعمل هذه التقنيات على تسهيل وصوله الى المادة التي تُشبع رغباته وتتماشى مع توجهاته.
    والميل الفردي المحدود، والثقافة الموجّهة يحصران الفرد داخل دوائر معرفية مختارة، شبيهة بأغلفة دودة القز الحريرية التي تحتمي بها. فتصبح مصادره المعرفية مغلقة، ومحفزات التفكير محدودة، تقيّد العقل وتحصر الثقافة.
    والحكيم لا يحصر نفسه في دوائر معرفية ضيقة، بل يُوسّع آفاق تفكيره، وينهل من جميع الأوعية المعرفية لتطوير رؤيته الفكرية يستفيد من الإيجابيات ويتفادى السلبيات، مدركًا أن مصادر المعرفة واسعة وتحمل ما يعينه في حياته، ويمنحه حلولًا لتحقيق طموحاته وأهدافه.
    إن القراءة في مختلف التخصصات، والاطلاع المفتوح على شتى جوانب المعرفة، وخوض التجارب الإيجابية في مجالات الحياة، إلى جانب مجالسة طبقات المجتمع المتنوعة من مختلف الأعمار، والحوار معهم وسماع آرائهم، والسفر والاحتكاك بأطياف البشر، كلها عناصر تُوسّع المدارك، فهي تُنمي المعارف وتُحسّن جودة القرارات في شتى مناحي الحياة.

  • كيف ننظر للتقاعد.

      أرى أن مفهوم التقاعد يُستخدم بشكلٍ خاطئ في كثير من السياقات. فعبارات مثل “أُحيل إلى التقاعد” أو “متقاعد” تُعطي انطباعًا بالانفصال التام عن كل نشاط، وهذا ليس دقيقًا. الأصح أن يُقال: “تقاعد من الخدمة العامة” أو “من وظيفة معينة”، فالتقاعد هو انفصال عن نشاط محدد، لا عن الحياة بأكملها.

    وعند الحديث عن التقاعد، فإن فلسفتي الشخصية تقوم على الانتقال المدروس من نشاط إلى آخر، لا على الانكفاء والانقطاع الكلي والخمول والدعة. ولا يعني ذلك أن الإنسان يدخل في عمل لا يحسنه أو لا يتناسب مع عمره، ولكن أيضًا لا يعني أن يمتنع كليًا عن ممارسة أي نشاط.

    يجب أن يخطط الموظف للتقاعد قبل سنوات من تركه لوظيفته، ويعدّل خطته وفقًا لتطور العمر والظروف. وعليه ان يروض نفسه على ما ينتظره بعد ترك الوظيفة، فيتوقف تدريجيًا عن الاعتماد على الخدمات والمزايا والبدلات التي تمنحها له الوظيفة حتى لا يتفاجأ بانقطاعها عنه بعد التقاعد باعتبارها مزايا لمن هم على رأس العمل فقط. 

    كما عليه أن يضع خطة لتأهيل نفسه للابتعاد بعد ترك العمل عن الروتين اليومي المرتبط بالوظيفة، وتجنبت ما يُثير ذكرياتها، إلى أن يتأقلم تمامًا مع أي نشاط جديد يختاره، وعليه وضع جدول يملأ وقته في أعمال لا تحمله ضغوطًا نفسية وتناسب وضعه الصحي.

      ومن المهم الحفاظ على النشاط الذهني والجسدي، والحرص على تغذية معرفته من خلال القراءة والمطالعة وحضور النقاشات العلمية المفيدة في مختلف المجالات. وممارسة الرياضة البدنية المناسبة بشكل يومي والحرص على ذلك.

    وتطويع النفس لقبول حقيقة التقدم في السن، وما يرافقها من ضعف طبيعي في وظائف الجسد، فلا يحمّل نفسه ما لا تطيق بدنيًا، وينظّم نومه وطعامه من حيث الكمية والنوعية، بما يتناسب مع حالته الصحية.

    وختاماً يستنير بكلام الله تعالى في التوازن بين العمل للدنيا والآخرة: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ صدق الله العظيم.

  • القول الحسن :

    Photo by Toni Cuenca on Pexels.com

    {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

    ومن القول الحسن افشاء السلام، وغير ذلك من طيب الكلام. والبشاشة والاحترام، والإنسان لا يسع الناس بماله ولكنه على الإحسان إلى كل مخلوق بطيب القول قادر. ومن جميل الآداب التي أدًب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد صبورا على هفوات الخلق متغافلا عن زلاتهم، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه. فالإنسان بهذا السلوك يسهم في بناء مجتمع متماسك يقوم على المحبة والاحترام، حيث يتعزز التفاهم بين الأفراد وتزدهر العلاقات الإنسانية. من الناس من يعتقد أن تبادل الكلمات الطيبة للمجاملة فقط ، ولا يعلم تأثير ذلك العميق الواسع. فهو يزرع البذور الإيجابية في نفوس الآخرين، ويفتح آفاق المحبة مما يُسهم في تقوية الروابط الاجتماعية. فقابلوا الاحسان بالإحسان والسيئ بالنسيان وكونوا من المتغافلين (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) صدق الله العظيم.

  • اقدع

    عندما تكون ضيفا ويقدم لك مضيفك التمر سوف تسمع كلمة شائعة في هذا الموقف وهي اقدع ..
    وفي المعجم اقْدَعْ من هذا الشراب أَي اقْطَع منه أَي اشْرَبْه قِطَعاً. قلت وفي التمر اقطع منه وكل وهذا هو القدع.
    قال الأَزهري: قَدَعَ الستين جازَها، …. يقال: قَدَعَها أَي أَمضاها كما يَقْدَعُ الرجلُ الشيء.
    قلت: القدع قطع مع انفصال المقدوع (المقطوع)، كما تحمل الكلمة معنى التتابع. وتقادَعَ القومُ بعضُهم في إثرِ بعضٍ: تساقطُوا. والتَّقادُعُ: التَّتابُعُ في الشيءِ.
    لذلك استخدمت كلمة (اقدع) عند تقديم التمر للضيف لأنها تحمل كل هذه المعاني ولا تغني عنها كلمة اقطع. وسلامتكم،،،