وردت كلمة سبات في القرآن الكريم في موضعين: قوله تعالى (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا)، وقوله تعالى (وجعلنا نومكم سباتا). وعند التأمل في هذا اللفظ ندرك أنه يصف نوعا خاصا من النوم أنعم الله سبحانه وتعالى به على عباده، فهو ليس وصفا للنوم في عمومه، بل تعبير يرسم صورة لحالة مثالية منه، فالنوم نعمة ذكرها الله في قوله تعالى (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله)، وفي الآيتين السابقتين يذكر سبحانه نعمته بأن جعل هذا النوم سباتا.
ويرى أكثر المفسرين أن السبات هو الراحة من تعب العمل بالنهار، لأن النوم يقطع العمل النهاري فينقطع معه التعب وتتحقق الراحة. غير أن كلمة سبات تحمل معاني أوسع من مجرد الراحة المتحققة بعد الانقطاع عن العمل، فقد ورد في عدد من المعاجم أن كلمة سبات لا تعني الراحة، وأن الجذر اللغوي يدور حول معنى القطع والفصل، ومن معانيه أيضا التمدد، فيقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته، ويقال رجل مسبوت الخلق أي ممدود. والعرب تسمي سير الإبل اللين السهل سَبْتا، وتسمى النعال الناعمة اللينة سِبْتا. ومن مجموع هذه الدلالات يتبين أن كلمة سبات تجمع معاني القطع والتمدد والليونة والانبساط، وهي معان أوسع من مجرد الانقطاع والراحة.
وإذا نظرنا إلى الحقائق التي كشفها علم وظائف الأعضاء(الفيزيولوجيا)، وأكدها العلماء المختصون، نجد أن جسم الإنسان يدخل أثناء النوم سلسلة من العمليات الحيوية الدقيقة، منها عملية التنظيف (الغليمفاوي)، وهو نظام طبيعي للتخلص من الفضلات والسموم والبروتينات الضارة في الدماغ. وتحدث هذه العملية أثناء النوم العميق، حيث تتوسع الفراغات بين الخلايا العصبية ، وتتمدد بنسبة قد تصل إلى ستين بالمئة، مما يسمح بتدفق السائل النخاعي بقوة أكبر ليغسل الفضلات المتراكمة ومنتجات الأيض الضارة.
وفي أثناء النوم الليلي العميق ترتخي العضلات وتهدأ الأعصاب، ويعاد توازن النواقل العصبية التي اختلت أثناء اليقظة، وتصلح الخلايا التالفة، ويتجدد مخزون الطاقة على مستوى الأنسجة. كما يفرز الجسم في هذه المرحلة هرمونات ضرورية لتقوية الجهاز المناعي وترسيخ الذاكرة. وكل هذه الفوائد لا تتحقق بصورة كاملة إلا عندما يكون النوم عميقا حقيقيا (سبات) يسمح لأعضاء الجسم بأداء وظائفها على النحو الأمثل لتستمر دورة الحياة.
ولهذا كانت كلمة السبات هي الكلمة الوحيدة التي تستوعب كل ما يتأتى من النوم الجيد، فهي تشمل القطع الذي يفرضه الله على الإنسان قسرا عندما يغشاه النوم ليحميه من الإرهاق المستمر، وتشمل الاسترخاء والتمدد الذي يحدث في الأنسجة والفراغات بين الخلايا العصبية، وتشمل كذلك العمليات التي تسمح بالتجديد والصيانة لأجزاء حساسة من الجسم، بما فيها التنظيف العميق للدماغ واستعادة التوازن الكيميائي والطاقي. ولذلك فإن النوم (السبات) نعمة كبيرة أنعم الله بها علينا وامتن بأن وهبنا إياها. (وجعلنا نومكم سباتا) صدق الله العظيم.
أضف تعليق