مدونة

  • ثقافة العمل وأثرها في الأداء.

    ثقافة العمل هي مجموعة القيم والقناعات والمعايير والاتجاهات المشتركة السائدة في بيئة العمل، التي تؤثر في سلوك العاملين ونظرتهم إلى المسؤولية والإنجاز والانضباط والتعاون وجودة الأداء. وتشمل الالتزام بالأنظمة، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والمبادرة، والنزاهة المهنية، والحرص على جودة المنتج أو الخدمة.

    وقد تكون ثقافة العمل إيجابية، فتشجع على الإتقان والانضباط والتعاون، أو سلبية، فتترسخ فيها ممارسات خاطئة يعتادها العاملون، لا لقناعتهم بصحتها، بل لأنهم وجدوا من سبقهم يمارسها، ولأن البيئة المحيطة لم تضع حدًّا لها. وينشأ عن ذلك تفاوت بين ما تنص عليه الأنظمة والتعليمات وما يجري فعليًّا في الميدان.

    ومع استمرار هذه الممارسات، قد تتحول إلى أعراف غير مكتوبة تنتقل من جيل وظيفي إلى آخر، حتى يصبح الخطأ مألوفًا والتقصير مقبولًا والجدية مستغربة. وتزداد خطورتها حين تصبح نمطًا سائدًا يدفع الموظف الجديد إلى التكيف معها، خصوصًا في ظل غياب القدوة المهنية وضعف المساءلة.

    وتوجد هذه الظاهرة بدرجات متفاوتة في مختلف المهن والقطاعات، دون أن يعني ذلك سوء المهنة أو تساوي العاملين فيها في الأداء؛ فالمشكلة تكمن في الثقافة السلبية التي تتسامح مع التقصير ولا تميز بعدالة بين المجتهد والمقصر.

    ولا تقتصر آثار هذه الثقافة على ضعف أداء المقصر، بل تمتد إلى احباط الموظف المجتهد حين يرى أن إخلاصه لا يقابَل بتقدير مناسب، وأنه يتحمل أعباء إضافية بينما يُعذر المقصر أو يُتستر عليه. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع دافعيته وشعوره بعدم جدوى بذل المزيد من الجهد. وهكذا تتراجع روح المبادرة، وتُعاد إنتاج الممارسات السلبية؛ إذ يتأثر الموظف الجديد بما يشاهده في بيئة العمل بقدر تأثره باللوائح، وربما أكثر.

    ولا يكفي لإصلاح هذه البيئة إصدار أنظمة جديدة؛ فقد تكون الأنظمة واضحة، بينما يكمن الخلل في ضعف تطبيقها أو في الثقافة السائدة. ويقتضي الإصلاح وضع معايير واضحة للأداء، وتطبيق الأنظمة بعدالة، ومساءلة المقصر، وتقدير المجتهد، ومعالجة الممارسات المعوقة للإنتاجية. وقد يستلزم الأمر اتخاذ إجراءات وظيفية بحق من تثبت عدم كفاءته أو عدم صلاحيته للاستمرار في مسؤولياته، وفق الأنظمة المعمول بها.

    والغاية أن يصبح الالتزام هو القاعدة، وأن ينعكس التميز على التقييم والمكافأة والفرص المهنية، وألا يمر التقصير دون معالجة مناسبة؛ فالمسؤولية ليست شعارًا، بل التزام تترتب عليه حقوق وواجبات، وثواب ومساءلة.

    ومن المهم التمييز بين المهنة ومن يمارسونها؛ فقد تكون المهنة عظيمة ونبيلة، ومع ذلك يقصر بعض المنتسبين إليها. فسوء الممارسة لا يعني فساد المهنة ذاتها، كما أن وجود نماذج متميزة لا يعني تساوي جميع العاملين في الكفاءة والإخلاص.

    إن ثقافة العمل عامل مؤثر في تحويل الأنظمة من نصوص مكتوبة إلى ممارسات واقعية؛ فالثقافة التي تعزز الانضباط والإتقان والعدالة وتحمل المسؤولية تدعم تحقيق أهداف المؤسسة، بينما تحد الثقافة المتسامحة مع التقصير من فاعلية الأنظمة، مهما بلغت جودتها ووضوحها.

    ومن هنا، فإن بناء ثقافة عمل سليمة لا يقل أهمية عن وضع الأنظمة؛ إذ يتوقف نجاحها على عدالة تطبيقها، والقدوة المهنية، والمعايير التي تحكم الأداء اليومي، وتقدير المجتهد ومعالجة القصور. وبذلك تتحول القيم المهنية إلى ممارسات فعلية تسهم في تحسين الأداء وتحقيق أهداف المؤسسة.

  • ثقافتنا الى أين ؟

    قبل خمسين عاما تقريبا، حين بدأ التلفزيون يفرض حضوره على المجال العام، وظهر مفكرون غربيون يحذّرون من انتقال المجتمعات من ثقافة تقوم على القراءة والتحليل، وتنشأ في أروقة الجامعات ومراكز البحث، إلى ثقافة تعتمد على الصورة السريعة والانفعال.

     كانوا يرون أن التلفزيون لا يغيّر طريقة عرض المعلومة فحسب، بل يغيّر طبيعة التفكير نفسه، وأنه يحوّل الحياة إلى تسلية، والتعليم إلى ترفيه، والخطاب العام إلى سلسلة من المشاهد المتتابعة التي تُستهلك دون أن تُناقش،و نشروا كتبا بهذا الصدد.

    ومع أن تلك التحذيرات بدت في وقتها جريئة، فإنها كانت تتحدث عن وسائط محدودة، ذات اتجاه واحد، تخضع لرقابة مؤسسات إعلامية ومحررين ومراجعين.

    اليوم، لم يعد الأمر انتقالا من الكتاب إلى التلفزيون، ومن قاعات المحاضرات إلى الاستوديو، بل انتقالا إلى فضاء مفتوح لا يشبه أي وسيلة عرفها البشر من قبل. فقد تغيّر شكل المعلومة، وأعيد تشكيل بيئتها بالكامل. فالمحتوى لم يعد يُنتج في غرف الأخبار أو في المؤسسات الأكاديمية، بل يُصنع في غرف النوم وعلى الهواتف المحمولة، ويصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق دون أن يمر بأي عملية تحقق أو مراجعة.

    ومع هذا التحول، لم يعد الشكل أهم من المضمون فحسب، بل أصبح الشكل هو المضمون، وأصبحت السرعة معيارا للقيمة، والانتشار معيارا للحقيقة، بصرف النظر عمّن أتى بالمعلومة ومن أين أتت.

    وساد منطق اقتصادي تحكم في المعلومة، لا علاقة له بالمعرفة أو التثقيف، فالأولوية للمحتوى الأكثر قدرة على الإثارة، لأن الاثارة تولّد الانفعال والانفعال يولّد تفاعلا والتفاعل يولّد بقاءً أطول على المنصات، والبقاء يولّد نقودا وكسبا.

    وهكذا أصبحت الروايات المرسلة، والمواقف المصطنعة، والمشاهد المزيفة، والأحاديث الكاذبة وقودا يوميا للخطاب العام. وأصبح العَيِيّ خطيبا، والفاشل طبيبا، والجاهل خبيرا، والسفيه محللا، والمعتوه مفسرا، بلا ملل ولا رادع ولا خجل، وتراجع المضمون المحكَّم لصالح مادة هزيلة تقدم في مقاطع قصيرة وعناوين مثيرة.

    ومع الوقت، تشكّلت فقاعات معرفية تعيش داخلها فئات تتلقى محتوى مصمما خصيصا لميولها، ومعزولة عن الحقائق المشتركة التي كانت تشكّل أساس النقاش العام.

    هذا الانفتاح غير المنضبط للمنابر جعل المعلومة عرضة للتشويه، وأضعف قدرة طالب المعرفة الحقة على التمييز بين الحقيقة والتضليل وبين السليم و السقيم. ومع غياب وسيط معرفي يضمن الحد الأدنى من الجودة، أصبح المؤثر وصانع المحتوى والخوارزمية هم من يحددون ما يُناقش وما يُهمل، وما يُصدَّق وما يُكذَّب.

    وفي هذا السياق، لم يعد الجمهور يتخلى عن عمق الخطاب طوعا، بل أصبح غير قادر على الوصول إليه أصلا، لأن البيئة التي تسمح بوجود خطاب عميق لم تعد قائمة.

    طالب المعرفة اليوم أصبح يتلقى معلومات متدفقة من مصادر لا تخضع لأي معيار، ويواجه محتوى سريعا ومجزأً يصعب ربطه بسياق معرفي متماسك. ومع ضعف مهارات التحقق، أصبح من السهل أن تختلط المعلومة الصحيحة بالخطأ، وأن تتراجع القدرة على التفكير النقدي لصالح الاستهلاك السريع للمحتوى. وهكذا لم تعد المدرسة والجامعة المصدر الأساسي للمعرفة، بل أصبحتا جزءا صغيرا من بيئة معرفية واسعة لا يمكن السيطرة عليها.

    نحن أمام ثقافة ليست لها مركزية، ولا مرجعية، ولا وسيط معرفي يحمي جودة المعلومة. ثقافة تتشكل فيها الحقيقة وفق ما تقرره الخوارزميات، ويتحدد فيها النقاش العام وفق ما يثير الانتباه لا وفق ما يستحق التفكير.

     إن غياب المسؤولية وضعف المحاسبة حوّلا الساحة إلى فوضى معرفية تهدد قدرة المجتمعات على بناء فهم مشترك سليم. إن ما نواجه اليوم ليس مجرد تطور في وسائل الإعلام أو مصدر المعلومة، بل تحولا في بنية المعرفة نفسها.

    وإذا لم تُبنَ منظومة جديدة توازن بين الانفتاح والمسؤولية، فإن المعلومة ستظل عرضة للتشويه، وسيظل التثقيف عاجزا أمام بيئة معرفية لا تعترف بالعمق ولا تمنح التفكير النقدي الوقت الذي يحتاجه ليعمل.

  • من علم حشرة الجدجد هذا ؟.

    الجدجد، (GRYLLUS CAMPESTRIS) هذه الحشرة تحفر قرب سطح الأرض نفقاً تصممه على شكل بوق تغني فيه الذكور ليلاً لجذب الإناث، وهو ليس نفقاً عشوائياً، بل يتم تصميمه وفق معايير هندسية دقيقة في الشكل والأبعاد تجعل منه بوقاً مثالياً لتكبير وتضخيم الصوت.

    • فيضاعف الشكل الهندسي للنفق طاقة الموجات الصوتية نحو 251 مرة مقارنة بالصوت في الهواء الطلق.
    • يبدو الصوت للمستمع أعلى بنحو 5 إلى 6 مرات.
    • يتسع مدى الصوت حتى يبلغ 600 متر.
    • تصل شدة الصوت إلى 92 ديسيبل على بعد متر، وتتجاوز 115 ديسيبل عند فوهة النفق في بعض الأنواع.
      قال تعالى : ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ صدق الله العظيم.

  • لماذا الأخضر؟

    تُشير الدراسات السلوكية والعصبية إلى أن الألوان تعمل كمحفزات بصرية تُنشِّط المسارات العصبية المرتبطة بالمعالجة الحسية. وينعكس ذلك على بعض آليات التنظيم العصبي، وعلى وظائف مرتبطة بالانتباه والحالة الشعورية.

     ويتحدد مقدار هذا التأثير تبعاً لخصائص اللون، ولمدة التعرّض البصري، وللسياق الذي يظهر فيه اللون، كما يتفاوت بحسب حالة المتلقي، إذ تتفاعل الخبرة الإدراكية المكتسبة مع الاستجابات العصبية الأولية.

    وتُظهر أبحاث قياس معدل ضربات القلب وتقلّبيته أن الألوان الدافئة ذات الأطوال الموجية الأطول – وعلى رأسها الأحمر والبرتقالي – ترتبط في كثير من السياقات بارتفاع نسبي في مؤشرات الاستثارة والتيقّظ، بما قد يوافق ميل الجهاز العصبي الودّي إلى زيادة معدل ضربات القلب ودعم التأهب الحركي، وقد يولّد ذلك شعوراً بالحماسة وزيادة الطاقة والقدرة على التفاعل السريع.

     أما الألوان الباردة ذات الأطوال الموجية الأقصر – وعلى رأسها الأخضر والأزرق – فترتبط في دراسات أخرى بميل أكبر إلى الهدوء وانخفاض الإحساس بالتوتر. ولا تتوقف هذه الاستجابة عند الحدود البيولوجية الفطرية، بل تتداخل معها المحددات الثقافية والخلفيات البيئية والحضارية بوصفها عوامل إدراكية مكتسبة تشكّل التفسير النفسي والجسدي لكل لون، فتجعل التفاعل الإنساني مع المحيط البصري تجربة مركّبة تجمع بين الفطرة العضوية والتشكيل المجتمعي.

     واللون الأخضر وهو من ألوان منتصف الطيف المرئي، ويُصنَّف إدراكياً ضمن الألوان الباردة، يُنظر إليه بوصفه لون التوازن والانسجام. وقد ربطته دراسات نفسية وفسيولوجية بتخفيف الإحساس بالتوتر والإعانة على الاسترخاء لما يجتمع فيه من اعتدال بصري وارتباط ذهني، فهو أرفق بالعين من كثير من الألوان الحادة عالية التباين وإدراكه أيسر وأقل إجهاداً في الإضاءة النهارية، لذا فهو يُعين على الطمأنينة وقد يفتح باب التفكير الهادئ والتعافي النفسي.

     ولذلك تعتمد بيئات العمل الحديثة النباتات والجدران الخضراء ضمن ما يُسمّى التصميم المستلهَم من الطبيعة (التصميم البيوفيلي) – منهج في العمارة والتصميم الداخلي يقوم على دمج عناصر الطبيعة في المباني بهدف تحسين صحة الإنسان وراحته النفسية – طلباً لتخفيف التوتر ودعم التركيز وتحسين المزاج، وقد وثّقت مراجعات منهجية أثراً إيجابياً متفاوت القوة للنباتات والإطلالات الطبيعية في خفض مؤشرات الإجهاد الذاتي وبعض المؤشرات الفسيولوجية.

    ويُستخدم اللون الأخضر في بيئات الرعاية الصحية، في منسوجات الستائر والملابس وفي ألوان قاعات الانتظار، لما يوفره من راحة بصرية وقدرته على تهدئة المرضى والطاقم الطبي، كما شاع استعمال اللون الأخضر والأزرق المخضرّ في ملابس الجراحين منذ أوائل القرن العشرين بعد العدول عن اللون الأبيض اللامع، ثم اتسع استخدامهما لاحقا في بقية عناصر البيئة الطبية.

     وهذا البعد الجمالي والنفسي للون الأخضر يَبْرز في الآيات التي صوّرت نعيم أهل الجنة، إذ جُعِلَ اللون الأخضر ـ بما يحمل من دلالات السكينة والطمأنينة والجمال ـ لباساً لهم وزينةً لمتكئهم. قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وقال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ صدق الله العظيم.

  •  تحديث أساليب التعريف بالإسلام.

    يواجه المجتمع الإسلامي اليوم تحديا حقيقيا يتمثل في الحفاظ على صلة أفراده بدينهم وثقافتهم وسط انفتاح معلوماتي واسع وتدفق متواصل للأفكار والقيم وأنماط الحياة.

    فلم يعد الأمر مقتصرا على الفهم والتبليغ، بل امتد إلى كيفية العرض بلغة يفهمها الجيل المعاصر، وبأسلوب يخاطب عقله وقلبه معا.

    ولا يمكن مواجهة الواقع بالاكتفاء بالأساليب التي اعتدناها، مهما بلغ صدقها وأثرها، بل يستوجب تطوير طرائق التعريف بالإسلام، وتعزيز صلة الناس بتعاليمه وروحه، وتجديد وسائل الدعوة والإرشاد بما يخاطب العقول، ولا سيما عقول جيل يعيش في عالم مادي كثرت فيه المُشَتّتات وغلب عليه الجفاف الروحي.

    لم تفقد الأساليب التقليدية قيمتها، لكنها لم تعد كافية وحدها، لأننا أمام جيل مُطّلع على كمّ هائل من الثقافات والمعلومات، وتتنازع وعْيه يومياً خطابات حديثة لا تكتفي بإبلاغه بالأفكار، بل تخاطب عقله ووجدانه معا، وتستثمر ما جُبل عليه الإنسان من حاجات ودوافع وميول، فتؤثر في نظرته إلى الأشياء، وتوجّه سلوكه، وتسهم في تشكيل قناعاته.

    ولا تقدم هذه الخطابات أفكارها بالطرح المباشر، بل تستثمر خصائص التلقي الإنساني، وما تجذبه الصورة والإيقاع والتكرار، لتثبيت رسائلها وتوجيه السلوك.

    ومن هنا، قد يبلغ الباطل بزخرفه ما لا يبلغه الحق إذا قُدِّم بأسلوب لا يناسب زمنه، وبخطاب لا يفهمه المخاطَب ولا يقنعه؛ فالإخلاص وحده لا يغني عن تحسين أساليب الأداء.

    وليس المطلوب نبذ الوعظ والإرشاد، ولا الانتقاص من أثر الكلمة الصادقة والقدوة الحسنة، وإنما المطلوب أن نستشعر حجم التحدي، فنطوّر ما لدينا ونثريه.

    ونحتاج إلى منهجيّات تخاطب هذا الجيل بلغته، وتستفيد مما يألفه ويقبل عليه، وتقدّم له المعاني بما يفهمه، من غير تفريط في الثوابت ولا تكلّف يفقد الخطاب وقاره.

    وهذا العمل يحتاج إلى علم، وجهد، ووقت، وصبر. وكل تأخير فيه له ثمن، لأن الآخرين يعملون بجد، ويستثمرون سرعة النشر وسهولة الوصول، ويُحسنون استخدام الوسائل الحديثة في التأثير في الوجدان والعقول، والحق أولى أن يُعرض بوضوح وإحكام.

    والإسلام نفسه لا يضيق بهذا التجديد، فقد دعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة، وأمر بالجدال بالتي هي أحسن، وجعل العقل أداة للفهم لا خصماً للإيمان. فتجديد الأسلوب وفاء للمنهج، لا خروج عليه.

    ومن أجل تصميم أساليب ومناهج فاعلة، لا بد من تكامل الجهود بين علماء الدين وعلماء النفس والاجتماع والمفكرين، وكل من يحسن فهم السلوك الإنساني ووسائل التأثير، حتى يجتمع صدق المضمون مع فقه الواقع.

    كما ينبغي أن تُطرح المشكلات والمعضلات والتوجهات المعاصرة بوضوح وصراحة ومصداقية، من غير تهويل يثير المخاوف ويزرع الشكوك، ولا تهوين يبعث على اطمئنان زائف، ويُبلِّد الإحساس بخطورة الواقع.

    وينبغي كذلك أن تُناقش جذور المشكلات وأسبابها وآثارها مناقشة عقلية علمية هادئة، تُظهر فهماً للواقع وقدرة على علاجه، لا مجرد إنكاره. وأن يُبيَّن موقف الإسلام منها بدقة ووضوح، في عرض مترابط وموثّق، يربط الحكم بالحكمة، والنص بالمقصد، والعقيدة بأثرها في حياة الإنسان.

    وبذلك ينتقل الخطاب من الوعظ العام إلى البيان المقنع الذي يبرز المشكلة ومنشأها، ويناقش آثارها، ويطرح علاج الإسلام لها.

    وإذا عُرضت الفكرة على هذا النحو، فليُترك للمرء مجال التأمل والحكم، فالعقل إذا خوطب بالوضوح والمنطق كان أقدر على تمييز الصواب واتباعه، ومعرفة الخطأ واجتنابه.

    والدعوة الراشدة لا تخشى السؤال، ولا تستغني عن الحجة، ولا تستبدل الزخرف بالبرهان. فالحق إذا أُحسن عرضه كان أرسخ في النفس وأبعد عن الإكراه والزينة الخادعة. أما إذا عُرض عرضا مجملا، أو لم تُبيَّن معانيه بوضوح، أو قُدِّم بلغة لا تناسب عصره، فقد يُردّ لا لضعف مضمونه، بل لقصور في تبليغه.

    ومن ثم فإن التعريف بالإسلام، وحفظ صلة الناس بدينهم في هذا الزمان، لا يتحقق بتجاهل الواقع وعدم تقدير أهمية أدوات العصر، كما لا يتحقق بالذوبان في تياراته، وإنما بخطاب يبرز أصالة المضمون، ويجمع بين عمق الفكرة، وصدق الروح، وجمال العرض.

     وهذا هو التجديد الذي نحتاج إليه بأن يبقى الأصل مصونا، وأن يتجدد الأسلوب بما يقرّب معانيه إلى العقول والقلوب، لتترسخ صلة الناس بهذا الدين، ويغدو هدْيَه حاضرا في وعيهم ومُوجّها لسلوكهم.

  • المتكأ والتكية .

    من الكلمات التي أُدخلت إلى العربية حديثاً كلمة تَكِيَّة. فنجد القواميس الحديثة تذكر أن التَّكِيَّة اسم نُزُل للمسافرين أو دار لإيواء الفقراء تُنفِق عليه منظمة دينية. كما تذكر أنه تعبير معاصر للدلالة على السّفه في إنفاق الأموال دون وجه حق. وهذا اللفظ مسموع في أحاديث الناس. ونفهم المعنى العام للكلمة على أنه توفيرالمأوى و الطعام بلا مقابل، ولمن لا يستحق.

    وكلمة تَكِيّة بالفارسية (تَکْیَه) (بفتح التاء وسكون الكاف، وتنتهي بهاء صامتة) وليست أصلية في الفارسية، بل وافدة من العربية، فهي عندهم لفظ عربيّ مأخوذ من مصدر (الاتكاء)، والهاء في آخرها زيدت بالفارسية لجعلها اسم مصدر ومعناها الاعتماد، أو الاستناد بالظهر على وسادة أو جدار. وقد انتقلت من الفارسية إلى التركية العثمانية بلفظ (تکیّہ) ثم عادت منها إلى العربية، وجُمعت على تَكَايَا.

    قال تعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة.

    وتحت كلمة (وكا) يقول ابن فارس، الواو والكاف والحرف المعتل: أُصَيلٌ يدلُّ على شَدِّ شيء وشِدَّة. منه الوِكَاء: الذي يُشَدُّ به. وفي لسان العرب: المُتَّكِئُ فِي العَرَبِيَّةِ كُلُّ مَن اسْتَوَى قاعِداً عَلَى وِطاءٍ مُتَمَكِّناً، والعامّةُ لَا تَعْرِفُ المُتَّكِئَ إِلَّا مَنْ مالَ فِي قُعُودِه مُعْتَمِداً عَلَى أَحَدِ شِقَّيْه؛ والتاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وأَصله مِنَ الوِكاءِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الكِيسُ وَغَيْرُهُ، كأَنه أَوْكَأَ مَقْعَدَتَه وشَدَّها بالقُعود عَلى الوِطاءِ الَّذِي تحْتَه.

    وقد أطلق العثمانيون كلمة تكية على دور المتصوفة التي تأوي الدراويش وعابري السبيل وتطعمهم من ريع أوقاف خيرية بلا مقابل، ثم اتسع معناها لاحقاً ليشمل الدور الوقفية التي تقدم الطعام المجاني لعموم المحتاجين.

    وكانت التكايا العثمانية منذ القرن السادس عشر مؤسسات وقفية منظمة، لها نظّار، وسجلات، وموظفون، وتعمل وفق نظام مالي ثابت يعتمد على ريع الأوقاف.

    وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة أقام محمد علي باشا التكيتين المصريتين على النظام العثماني في أوائل القرن التاسع عشر لتقديم وجبة يومية من حساء القمح والعدس للفقراء والمحتاجين على مدار العام.

    في منتصف القرن العشرين، ومع قيام مؤسسات الرعاية الاجتماعية الحديثة في العهد السعودي توقفت خدمة التكايا وحلت محلها الضمانات الاجتماعية والمبرات الخيرية، ثم أُزيلت مبانيها ضمن مشاريع توسعة الحرمين الشريفين بعد تواجد استمر لأكثر من قرن من الزمان.

    وهكذا رأينا كيف اغتربت كلمة (المُتَّكأ) العربية في معاجم الأمم، ثم آبت إلى ديارها بحُلّة جديدة مشحونة بدلالات إضافية. ولعلنا نلمس أن أريج معانيها الأصيلة، الضاربة في عمق الكرم والكرامة، قد خَبَت جذوته متأثرةً بطبائع تلك المجتمعات التي عاشت بينها رَدَحَاً من الدهر.

  • الاستغناء:

    ينعكس الفقر على حياة الإنسان قيداً يكبّل روحه وطموحه، فالعوز يحوّل حياة المرء إلى معركة لتأمين البقاء، ويستنزف طاقته الذهنية والبدنية. وعلى النقيض من ذلك، يمثل الغنى والكفاية المادية مظلة من الأمان تحمي كبرياء الإنسان، فالمال قوة تمنح صاحبها ثقة في نفسه، وشجاعة وثباتاً في تصرفاته. وهذه الثقة والثبات يصنعان هيبة المرء، ويكسبانه تقديراً اجتماعياً يترجم إلى مكانة مرموقة وصوت مسموع. فالكفاية المالية تحوّل الإنسان من مجرد باحث عمّا يؤمّن له البقاء إلى صانع للحدث ومؤثر في الحياة.

    غير أن هذا الشعور بالقوة والتمكين يُنسي بعض الناس حجمهم الحقيقي، ويعميهم عن تصور الحالة النقيضة للغنى وما يرافقها من مساوئ، ويخلق في نفوسهم تطاولاً يتجاوز حدود ما لهم وما عليهم، فيتصور أحدهم أنه أعلى لأنه أغنى، وأنه الأفضل لأن المال طوع يديه وتحت تصرفه.

    ثم تتشكل لديه قناعات لا أساس لها بأنه إنما جمع هذه الأموال، وكسب تلك الثروات، ووصل إلى الغنى بفضل ذكائه ومعرفته ودهائه وجهوده وحنكته، وأنه يستحق ذلك وأكثر.

    تُظهر دراسات في علم النفس الاجتماعي أن ارتفاع شعور الفرد بالغنى أو القوة يوسّع نطاق المصلحة الذاتية  عنده ويضعف الانضباط الأخلاقي، فيميل الإنسان إلى تجاوز القواعد حين يشعر بالامتياز أو التفوق.

    وتبيّن أبحاث علم الأعصاب أن استحضار الإحساس بالسيطرة يرتبط بانخفاض نشاط الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف، ولا سيما نظام الخلايا المرآتية. ومع هذا الانخفاض يتراجع حضور الآخرين في القرار، وتخفّ حساسية الدماغ لهم. ليس ذلك قسوة متعمدة، بل تغيّر بيولوجي تلقائي يشكّل البذرة الأولى لنشوء شعور الاستعلاء عند ارتفاع الإحساس بالقوة، ومنه الإحساس بالغنى.

     فالإنسان الذي كان يصغي للناس ويتواضع، يتوقف عن الإصغاء حين يصل إلى مبتغاه، لا لأنه تغيّر أخلاقيا بالضرورة، بل لأن الدماغ يعيد ترتيب أولوياته.

    وتتشكل عقلية الاستحقاق عنده عندما يشعر بأنه قادر، فيرى نجاحه ذاتيا، فيقلّ اعتماده على الآخرين، ومن ثم يقلّ اهتمامه بهم. ومع شعوره بالاستقلال المطلق يتحول الاستغناء إلى استعلاء.

    هذه التحولات النفسية والعصبية لا تقول إن كل غني طاغ، ولا إن كل فقير رحيم، لكنها تشير إلى أن الاستغناء حالة خطرة تتولد في الدماغ وتترجم في السلوك، وإذا تُركت بلا تقويم ولا ترويض فإنها تدفع الإنسان تلقائياً إلى توسيع مساحة الذات وتقليص مساحة الآخرين. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾. صدق الله العظيم.

    والإسلامُ  يربّي الإنسانَ على رؤية الغنى بوصفه فضلا من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فيكسر وَهْم الاستحقاق الذي يصوّر للمرء أن ما بين يديه ثمرة ذكائه وحيلته.

    ويفعّل الرقابة الداخلية في النفس، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىٰ﴾، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾؛ فينشأ شعور دائم بالمحاسبة يحدّ من اندفاع القوة، فتعمل هذه الرقابة كوابح أخلاقية تمنع تضخم الذات عند الشعور بالاستغناء.

    ويمتدح الله تعالى الإيثار ويثني على المُؤْثِرين، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، و الإيثاريُوسّع مساحة التعاطف في القلب والدماغ، ويجعل حضور الآخرين أثقل في القرار. ومع هذا الاتساع في مساحة الآخر، يعيد الإيمان الإنسان إلى حجمه الحقيقي، فيمنع تضخيم الذات المصطنع والمذموم.

  • الانفاق الاندفاعي:

    يتأثر سلوك الإنسان في جوهره بدوافعه الفطرية واستجاباته النفسية والعصبية. فقد يتغير قراره في لحظة واحدة حين تنشط مشاعر المكافأة، أو تتحرك دوافع المنافسة، أو تظهر مواقف الخوف . فحين يتلقى الفرد ثناء متكررا أو مدحا علنيا، ينشط نظام المكافأة في الدماغ، ويزداد إفراز الدوبامين، – ناقل عصبي يرتبط بالتحفيز وتوقع المكافأة ويُسمّى هرمون السعادة – فيتولّد شعور قريب من نشوة المكافأة الفورية، وقد يُضعف هذا الشعور الضبط العقلي لقرار الإنفاق،

     وقد يندفع الإنسان إلى الصرف تحدوه الرغبة في استمرار الإحساس بالتقدير، وفي إثبات الذات، وفي نيل القبول الاجتماعي. وقد بيّنت دراسات في علم النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي أن الإنفاق يرتفع حين يشعر الفرد بأنه داخل منافسة مباشرة أو مقارنة اجتماعية ظاهرة، لأن صورته أمام الآخرين تصبح مرتبطة بما يُظهره من إنفاق.

    ويظهر هذا بوضوح أكبر لدى بعض الأفراد – وغالباً لدى الرجال في المواقف التنافسية ومواقف استعراض المكانة – فيتحوّل المال إلى أداة لإثبات الجدارة والمكانة، ويصبح الإنفاق أحيانا استعراضا علنيا غير عقلاني.

    وأحيانًا يكون الخوف من الإحراج في موقف عام دافعًا إلى الإنفاق طلبا للقبول وتجنّبا للنظرة الدونية. فيكون الإنفاق عندئذ تحت ضغط اجتماعي ونفسي، لا نتيجة قرار مالي مدروس.

    وتستثمر المنصات الرقمية هذه العوامل البيولوجية والنفسية، فتصمم واجهاتها وإشعاراتها وخوارزمياتها لاستثارة الاستجابة العصبية الميسِّرة للشراء السريع – الإعجاب العلني، ندرة المعروض، العدّ التنازلي، التوصيات الشخصية، والشارات والنياشين، والصور المصاحبة ،والشراء بنقرة واحدة -. فيتخذ الفرد قراره تحت تأثير محفّزات موجَّهة، لا في حالة رويّة كاملة. وهكذا ينشأ الإنفاق الاندفاعي من تضافر نشوة الثناء، والتحدي التنافسي، والعجلة ، والخوف من الإحراج.

     وتتكرر الصورة في المزادات، والتسويق التجاري، والإعلانات، والتجارة عبر البث المباشر، حيث تدفع المحفّزات المصطنعة الفرد إلى قرار إنفاق أسرع من حسابه العقلاني. وكثير من ذلك تهوّر لا ينسجم مع الاحتياجات الفعلية أو الإمكانات المادية الحقيقية.

    وتُغذّي المنصات الرقمية اليوم آفاتا نفسية وسلوكية ممقوتة – كالرياء، والمباهاة، والمفاخرة، والسفه في الإنفاق – وبأدوات تقنية ذكية.

    المنهج الاسلامي يقوم على ترسيخ الوسطية في الإنفاق، وإخلاص النية، واعتماد السرية وكتمان كثير من العطاء، والابتعاد عن التفاخر والتباهي، والمالُ مالُ الله، والشخص مؤتمن عليه ومسؤول عن كسبه وإنفاقه، وكل ذلك يستلزم من الفرد النظر فيما هو مقدم عليه، والتأني الذي يمنعه من الاندفاع، وهي ضوابط تضعف مصائد التحفيز العلني الموجَّه وتُبقي الإنسان أقرب إلى الوعي والتعقّل المالي.

    قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. صدق الله العظيم.

  • ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾

    راقب باحثون سلوك أطفال في سنّ ما قبل المدرسة، ونشروا نتائج دراستهم في مجلة نموّ الطفل (CHILD DEVELOPMENT)، فتبيّن لهم أنّ هؤلاء الصغار، قبل أن تستقرّ عندهم عادات المجتمع، يميّزون بفطرة واضحة بين ما يملكونه وما يملكه غيرهم، ويطبّقون قواعد ثابتة لتحديد المالك الأوّل. واستُدلّ من هذه التصرّفات على أنّ الإحساس بالملكيّة جزء أصيل من تكوين الذات البشريّة، وليس مجرّد عرف اجتماعيّ يُكتسب مع مرور الزمن.

    وفي علم الأعصاب يبرز بعدٌ آخر لهذه الحقيقة. فقد عَرَضَتْ مراجعة علميّة نُشرت في مجلة الاتّجاهات في العلوم الإدراكيّة (TRENDS IN COGNITIVE SCIENCES) أدلّة على أنّ الدماغ يعامل الأدوات التي يسيطر عليها الإنسان كامتداد فعليّ لجسده، حيث يتّسع مخطّط الجسد العصبيّ ليشملها. كما أظهرت دراسات التصوير العصبيّ أنّ القشرة الجبهيّة الأماميّة الوسطى تُظهر انحيازا واضحا لكلّ ما يرتبط بالذات، بما في ذلك الممتلكات. وهذا ما يجعل الدفاع عن المقتنيات سلوكاً فطريّاً متّصلا بغريزة البقاء وبناء الذات.

    ومن التقاء سلوك التملّك المبكّر مع الانحياز العصبيّ لما يتّصل بالذات، يتّضح أنّ غريزة حب التملّك جزء لا ينفصل عن التكوين البيولوجيّ والنفسيّ للإنسان. فهو يميل بطبعه إلى تعظيم ما يملك، ويشتدّ خوفه من فقدانه.

    وهذا الميل الفطريّ يفسّر شُحّ الإنسان وتشبّثه بما لديه، وضنّه به، وتردّده في التنازل عنه أو التفريط فيه، حتّى كأنّ خسارة ما يملكه انتقاص من ذاته أو اقتطاعاً من كيانه.

    ونجد القرآن الكريم يعبر عن الشُّح بعبارة بليغة في قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. فالتعبير يدلّ على أنّ الشحّ حاضر في النفس حضورا ثابتا، ويتجلّى في شدّة الحرص على الحقوق والمكتسبات، ماديّة كانت أو معنويّة. وقد قال الإمام الزمخشريّ في تفسيره الكشّاف: (إنّ الشحّ جُعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفكّ عنه، يعني أنّها مطبوعة عليه… وقد أُضيف إلى النفس، لأنّه غريزة فيها). فالإنسان، بحكم خِلْقته وطبيعته النفسيّة والعصبيّة، ميّال بطبعه إلى الشحّ والتشبّث بما لديه.

    ولمّا كان الشحّ نزعة فطريّة وآثاره على الفرد والمجتمع سلبيّة، فإنّ الحكمة تقتضي ألاّ يبقى الإنسان أسيرا لهذه الجِبِلَّة، وأنّ من واجبه أن ينهض بتهذيبها وتقويمها حتّى لا تطغى عليه وتتحوّل إلى بخل مذموم.

    وهنا يأتي التوجيه الربّانيّ الذي يربط الفلاح بوقاية النفس من الشحّ، وبالقدرة على ضبط هذا الانحياز الفطريّ وترويض هذه الغريزة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. صدق الله العظيم.

  • لكل مقام مقال:

    كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي كلَّ موقفٍ قدرَه، ويضع لكلِّ مقامٍ ما يناسبه، فإذا كان الأمر يتطلب الحزمَ كان حزمُه واضحًا لا يعرف التردد، وإن كان الموقفُ موقفَ نقاشٍ ورأيٍ أعطاه حقَّه من النقاش.

     يروي السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه كان في المسجد، فَحَصَبَه رجلٌ، فالتفت فإذا عمرُ يأمره أن يأتيَه برجلين رفعا أصواتَهما. فلما وقفا بين يديه وسألهما: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: (لو كنتما من أهل البلد لأوجعتُكما، ترفعان أصواتَكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    كان ذلك مقامً حزم، فكان عمرُ فيه كما عرفه الناس: حازما، مع أن في خطابه لهما عدل وحلم، فقد قدر كونهما من غير أهل المدينة وأن ذلك يشفع لهما ، فهما لم يعرفا أن رفع الصوت فيه اخلال بحرمة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ثم كان له موقفٌ آخر لا يشبه الأول، وكان مسألةَ نقاش ورأي نلمس فيها لطف عمر، فقد سأل رضي الله عنه: رجلا من أهل الطائف (أيهما خير: الحَبَلة أم النخلة؟)

    وكان أهلُ الطائف أهلَ عنبٍ وكرومٍ وزبيبٍ، يعرفونها كما يعرف أهلُ المدينة النخلة، فقال الطائفي: (إن الحبلةَ أتزبَّبُها وأتربِّبُها، وأُصلح بها بِرْمَتي، وأنام في ظلِّها). كلامُ رجلٍ جرَّب الشجرةَ وعرف منافعَها وتحدث بما يعلم.

     فقال عمر: (لو حضرك رجلٌ من أهل يثرب لردَّ هذا عليك). كأنه أراد أن يسمع رأيَ أهل المدينة في النخلة. فدخل عبد الرحمن بن مِحصن الأنصاري فأخبره بخبر الطائفي، فقال:

    (ليس كما قال؛ إني إن آكل الزبيبَ أضرس، وإن أدَعْه أغرث، ليس كالصَّقْر في رؤوس الرّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المَحْل؛ تحفةُ الكبير، وصمتةُ الصغير، وزادُ المسافر، وينضج فلا يُعْنِي طابخًا، ويُحترش به الضبُّ من الصَّلْعاء، وخِرْسةُ مريم بنت عمران).

     كان كلامُه يمثل رأي أهل المدينة، فهم يعرفون النخلةَ كما يعرف أهلُ الطائف العنب، يعددون فوائدها ويذكرون ما لها من محاسن. فلما سمع عمر القولين قال: (ما أراك يا أخا الطائف إلا قد غُلِبْتَ).

    لم يكن عمر رضي الله عنه يتعامل مع الأمور على نسق واحد، ولا ينظر إليها من زاوية محددة، بل كان يجمع في إدارته بين الحزم الذي عُرف به في حماية حدود الله وحقوق العباد، واللطف في الحوار والنقاش وشؤون المعاش، والرأفة بالضعفاء، والتأني في مواطن الاجتهاد ومعالجة النوازل، والمشاورة في ذلك كله.

    وهذه السمات الثلاث مترابطة لا تنفك؛ فالحزم بلا تأني يفضي إلى التسرع، واللين بلا حزم يؤدي إلى الضعف، والتأني بلا حزم ينقلب تردداً. وسيرته العطرة في كتب التاريخ والتراجم حافلة بمثل هذه المواقف المتوازنة.