﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾

راقب باحثون سلوك أطفال في سنّ ما قبل المدرسة، ونشروا نتائج دراستهم في مجلة نموّ الطفل (CHILD DEVELOPMENT)، فتبيّن لهم أنّ هؤلاء الصغار، قبل أن تستقرّ عندهم عادات المجتمع، يميّزون بفطرة واضحة بين ما يملكونه وما يملكه غيرهم، ويطبّقون قواعد ثابتة لتحديد المالك الأوّل. واستُدلّ من هذه التصرّفات على أنّ الإحساس بالملكيّة جزء أصيل من تكوين الذات البشريّة، وليس مجرّد عرف اجتماعيّ يُكتسب مع مرور الزمن.

وفي علم الأعصاب يبرز بعدٌ آخر لهذه الحقيقة. فقد عَرَضَتْ مراجعة علميّة نُشرت في مجلة الاتّجاهات في العلوم الإدراكيّة (TRENDS IN COGNITIVE SCIENCES) أدلّة على أنّ الدماغ يعامل الأدوات التي يسيطر عليها الإنسان كامتداد فعليّ لجسده، حيث يتّسع مخطّط الجسد العصبيّ ليشملها. كما أظهرت دراسات التصوير العصبيّ أنّ القشرة الجبهيّة الأماميّة الوسطى تُظهر انحيازا واضحا لكلّ ما يرتبط بالذات، بما في ذلك الممتلكات. وهذا ما يجعل الدفاع عن المقتنيات سلوكاً فطريّاً متّصلا بغريزة البقاء وبناء الذات.

ومن التقاء سلوك التملّك المبكّر مع الانحياز العصبيّ لما يتّصل بالذات، يتّضح أنّ غريزة حب التملّك جزء لا ينفصل عن التكوين البيولوجيّ والنفسيّ للإنسان. فهو يميل بطبعه إلى تعظيم ما يملك، ويشتدّ خوفه من فقدانه.

وهذا الميل الفطريّ يفسّر شُحّ الإنسان وتشبّثه بما لديه، وضنّه به، وتردّده في التنازل عنه أو التفريط فيه، حتّى كأنّ خسارة ما يملكه انتقاص من ذاته أو اقتطاعاً من كيانه.

ونجد القرآن الكريم يعبر عن الشُّح بعبارة بليغة في قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. فالتعبير يدلّ على أنّ الشحّ حاضر في النفس حضورا ثابتا، ويتجلّى في شدّة الحرص على الحقوق والمكتسبات، ماديّة كانت أو معنويّة. وقد قال الإمام الزمخشريّ في تفسيره الكشّاف: (إنّ الشحّ جُعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفكّ عنه، يعني أنّها مطبوعة عليه… وقد أُضيف إلى النفس، لأنّه غريزة فيها). فالإنسان، بحكم خِلْقته وطبيعته النفسيّة والعصبيّة، ميّال بطبعه إلى الشحّ والتشبّث بما لديه.

ولمّا كان الشحّ نزعة فطريّة وآثاره على الفرد والمجتمع سلبيّة، فإنّ الحكمة تقتضي ألاّ يبقى الإنسان أسيرا لهذه الجِبِلَّة، وأنّ من واجبه أن ينهض بتهذيبها وتقويمها حتّى لا تطغى عليه وتتحوّل إلى بخل مذموم.

وهنا يأتي التوجيه الربّانيّ الذي يربط الفلاح بوقاية النفس من الشحّ، وبالقدرة على ضبط هذا الانحياز الفطريّ وترويض هذه الغريزة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. صدق الله العظيم.

التعليقات

أضف تعليق