الانفاق الاندفاعي:

يتأثر سلوك الإنسان في جوهره بدوافعه الفطرية واستجاباته النفسية والعصبية. فقد يتغير قراره في لحظة واحدة حين تنشط مشاعر المكافأة، أو تتحرك دوافع المنافسة، أو تظهر مواقف الخوف . فحين يتلقى الفرد ثناء متكررا أو مدحا علنيا، ينشط نظام المكافأة في الدماغ، ويزداد إفراز الدوبامين، – ناقل عصبي يرتبط بالتحفيز وتوقع المكافأة ويُسمّى هرمون السعادة – فيتولّد شعور قريب من نشوة المكافأة الفورية، وقد يُضعف هذا الشعور الضبط العقلي لقرار الإنفاق،

 وقد يندفع الإنسان إلى الصرف تحدوه الرغبة في استمرار الإحساس بالتقدير، وفي إثبات الذات، وفي نيل القبول الاجتماعي. وقد بيّنت دراسات في علم النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي أن الإنفاق يرتفع حين يشعر الفرد بأنه داخل منافسة مباشرة أو مقارنة اجتماعية ظاهرة، لأن صورته أمام الآخرين تصبح مرتبطة بما يُظهره من إنفاق.

ويظهر هذا بوضوح أكبر لدى بعض الأفراد – وغالباً لدى الرجال في المواقف التنافسية ومواقف استعراض المكانة – فيتحوّل المال إلى أداة لإثبات الجدارة والمكانة، ويصبح الإنفاق أحيانا استعراضا علنيا غير عقلاني.

وأحيانًا يكون الخوف من الإحراج في موقف عام دافعًا إلى الإنفاق طلبا للقبول وتجنّبا للنظرة الدونية. فيكون الإنفاق عندئذ تحت ضغط اجتماعي ونفسي، لا نتيجة قرار مالي مدروس.

وتستثمر المنصات الرقمية هذه العوامل البيولوجية والنفسية، فتصمم واجهاتها وإشعاراتها وخوارزمياتها لاستثارة الاستجابة العصبية الميسِّرة للشراء السريع – الإعجاب العلني، ندرة المعروض، العدّ التنازلي، التوصيات الشخصية، والشارات والنياشين، والصور المصاحبة ،والشراء بنقرة واحدة -. فيتخذ الفرد قراره تحت تأثير محفّزات موجَّهة، لا في حالة رويّة كاملة. وهكذا ينشأ الإنفاق الاندفاعي من تضافر نشوة الثناء، والتحدي التنافسي، والعجلة ، والخوف من الإحراج.

 وتتكرر الصورة في المزادات، والتسويق التجاري، والإعلانات، والتجارة عبر البث المباشر، حيث تدفع المحفّزات المصطنعة الفرد إلى قرار إنفاق أسرع من حسابه العقلاني. وكثير من ذلك تهوّر لا ينسجم مع الاحتياجات الفعلية أو الإمكانات المادية الحقيقية.

وتُغذّي المنصات الرقمية اليوم آفاتا نفسية وسلوكية ممقوتة – كالرياء، والمباهاة، والمفاخرة، والسفه في الإنفاق – وبأدوات تقنية ذكية.

المنهج الاسلامي يقوم على ترسيخ الوسطية في الإنفاق، وإخلاص النية، واعتماد السرية وكتمان كثير من العطاء، والابتعاد عن التفاخر والتباهي، والمالُ مالُ الله، والشخص مؤتمن عليه ومسؤول عن كسبه وإنفاقه، وكل ذلك يستلزم من الفرد النظر فيما هو مقدم عليه، والتأني الذي يمنعه من الاندفاع، وهي ضوابط تضعف مصائد التحفيز العلني الموجَّه وتُبقي الإنسان أقرب إلى الوعي والتعقّل المالي.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. صدق الله العظيم.

التعليقات

أضف تعليق