
كان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي كلَّ موقفٍ قدرَه، ويضع لكلِّ مقامٍ ما يناسبه، فإذا كان الأمر يتطلب الحزمَ كان حزمُه واضحًا لا يعرف التردد، وإن كان الموقفُ موقفَ نقاشٍ ورأيٍ أعطاه حقَّه من النقاش.
يروي السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه كان في المسجد، فَحَصَبَه رجلٌ، فالتفت فإذا عمرُ يأمره أن يأتيَه برجلين رفعا أصواتَهما. فلما وقفا بين يديه وسألهما: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: (لو كنتما من أهل البلد لأوجعتُكما، ترفعان أصواتَكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم).
كان ذلك مقامً حزم، فكان عمرُ فيه كما عرفه الناس: حازما، مع أن في خطابه لهما عدل وحلم، فقد قدر كونهما من غير أهل المدينة وأن ذلك يشفع لهما ، فهما لم يعرفا أن رفع الصوت فيه اخلال بحرمة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم كان له موقفٌ آخر لا يشبه الأول، وكان مسألةَ نقاش ورأي نلمس فيها لطف عمر، فقد سأل رضي الله عنه: رجلا من أهل الطائف (أيهما خير: الحَبَلة أم النخلة؟)
وكان أهلُ الطائف أهلَ عنبٍ وكرومٍ وزبيبٍ، يعرفونها كما يعرف أهلُ المدينة النخلة، فقال الطائفي: (إن الحبلةَ أتزبَّبُها وأتربِّبُها، وأُصلح بها بِرْمَتي، وأنام في ظلِّها). كلامُ رجلٍ جرَّب الشجرةَ وعرف منافعَها وتحدث بما يعلم.
فقال عمر: (لو حضرك رجلٌ من أهل يثرب لردَّ هذا عليك). كأنه أراد أن يسمع رأيَ أهل المدينة في النخلة. فدخل عبد الرحمن بن مِحصن الأنصاري فأخبره بخبر الطائفي، فقال:
(ليس كما قال؛ إني إن آكل الزبيبَ أضرس، وإن أدَعْه أغرث، ليس كالصَّقْر في رؤوس الرّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المَحْل؛ تحفةُ الكبير، وصمتةُ الصغير، وزادُ المسافر، وينضج فلا يُعْنِي طابخًا، ويُحترش به الضبُّ من الصَّلْعاء، وخِرْسةُ مريم بنت عمران).
كان كلامُه يمثل رأي أهل المدينة، فهم يعرفون النخلةَ كما يعرف أهلُ الطائف العنب، يعددون فوائدها ويذكرون ما لها من محاسن. فلما سمع عمر القولين قال: (ما أراك يا أخا الطائف إلا قد غُلِبْتَ).
لم يكن عمر رضي الله عنه يتعامل مع الأمور على نسق واحد، ولا ينظر إليها من زاوية محددة، بل كان يجمع في إدارته بين الحزم الذي عُرف به في حماية حدود الله وحقوق العباد، واللطف في الحوار والنقاش وشؤون المعاش، والرأفة بالضعفاء، والتأني في مواطن الاجتهاد ومعالجة النوازل، والمشاورة في ذلك كله.
وهذه السمات الثلاث مترابطة لا تنفك؛ فالحزم بلا تأني يفضي إلى التسرع، واللين بلا حزم يؤدي إلى الضعف، والتأني بلا حزم ينقلب تردداً. وسيرته العطرة في كتب التاريخ والتراجم حافلة بمثل هذه المواقف المتوازنة.
أضف تعليق