
إنَّ عظمةَ اللسانِ العربيِّ وعمقَ بيانِه لا يتجليان في مجردِ إدراكِ القواعدِ وحفظِ الألفاظ، بل في تلك السليقةِ الفطريةِ والملكةِ الراسخةِ التي اختصَّ بها العربُ الأقحاح، أولئك الذين توارثوا أسرارَ البيانِ جيلاً بعد جيلٍ في بيئةٍ صافية، فكانت العربيةُ الفصحى لغةَ حياتِهم اليومية، لم تُلوَّثْ منطقَها لهجةٌ شاذة، ولم تكسِرْ استقامةَ لسانِها عباراتٌ مستوردة أو عُجمةٌ وافدة، ولم تُزاحِمْها لغةٌ محميةٌ أو لهجةٌ محظية.
وقلَّ أن يبلغَ متعلمُ العربيةِ مهما حذقَ مرتبةَ مَن جُبِل عليها طبعاً ونطق بها فطرةً؛ فالأول يدرسها قواعدَ وألفاظاً، بينما يعيشها الآخر فهماً وفكراً. إن العربيةَ لسانُ معايشةٍ وبيئةٍ تمنح صاحبَها القدرةَ على التقاطِ أسرارِ الكلامِ العربيِّ وفهمِ معانيه، قبل أن تكون مجردَ أداةٍ للتواصل والنطق.
ولأجل هذا التلازمِ الوثيقِ بين فصاحةِ اللسان وسلامةِ الأفهام، نجد أنَّ تفسيرَ القرآنِ الكريمِ والتأليفَ في معانيه، واستنباطَ أحكامِ السنةِ النبوية، وشريعةَ الإسلامِ عموماً، لا يستقيم بحالٍ لمن لم تكن لغتُه وفهمُه عربياً أصيلاً؛ إذ إن غيابَ هذه الأصالةِ اللغويةِ هو المزلقُ الأولُ الذي تسرَّبت منه بدعُ المتكلمين، وأوهامُ المؤوِّلين الذين حملوا النصوصَ الشرعيةَ على محاملَ أعجمية لم تألفْها سليقةُ العرب ومقاصدُهم في الخطاب.
ولعلَّ خيرَ شاهدٍ على وعيِ علماءِ الصدرِ الأولِ بخطورةِ العجمةِ واللحنِ في نقلِ الشريعةِ وتفسيرِها، ومثالاً يُحتذى في الأمانةِ والورعِ والالتزامِ التامِّ بحدودِ النصِّ عند غيابِ السليقةِ الكاملة، ما كان من حالِ إمامِ المدينةِ وعالمِها الحافظِ نافعٍ المدنيِّ (مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، تـ 117هـ). فقد كان نافعٌ على جلالةِ قدرِه وإمامتِه في الحديث يُعرف بأن في لسانِه لُكنةً وعُجمة يُقاربها اللحنُ أحياناً بسبب أصلِه غيرِ العربي، ولأجل ذلك كان لا يُفسِّرُ القرآنَ الكريمَ تورُّعاً وخشيةً أن يحملَه على غيرِ وجهِه.
وقد أحاط مروياتِه للسُنَّةِ بسياجٍ من الضبطِ المحكم، فكان يُحدِّث من كتابٍ وصحيفةٍ له ثبتت فيها أحاديثُ ابنِ عمر، فكان تلامذتُه يقرؤون الصحيفةَ عليه وهو يُقرُّهم، لا يخرج عما في دفترِه ولا يتجاوزُه أبداً، حتى قال تلميذُه عبيدُ الله بن عمر: «كان نافعٌ لا يفسِّر». وجاء في مأثورِ سيرتِه أنهم كانوا يردُّونه عن اللحنِ فيأبى أن يتكلم بغيرِ ما سَمِع وحَفِظ في كتابِه.
إنَّ هذه الواقعةَ التاريخيةَ تلخّص بدقةٍ معادلةَ العلمِ والبيانِ في الإسلام؛ فمَن كانت لديه عجمةٌ أو لُكنةٌ في اللسان وقف عند حدودِ النقلِ والتزامِ المكتوبِ دون أن يتجرأ على الاجتهادِ برأيِه في تفسيرِ كلامِ الله ورسولِه، أما مَن غابت عنه الأصالةُ اللغوية، وعَدِم الملكةَ العربية، ثم تجرَّأ مع ذلك على خوضِ غِمارِ الجدلِ والكلام، وتأويلِ وحيِ الله بمصطلحاتِ الفلسفةِ العجمية، فإنه قد فتح على نفسِه وعلى الأمةِ باباً من الخلافِ والافتراق.
عقب اتساعِ رقعةِ الفتوحاتِ الإسلاميةِ في القرنِ الأولِ الهجريِّ ودخولِ أممٍ شتى في دينِ الإسلام، انتبه كبارُ الفقهاءِ والتابعين في المدينةِ المنورةِ مبكراً إلى ظاهرةِ دخولِ أفكارٍ ومناهجَ غريبةٍ على السليقةِ الإسلاميةِ والعربيةِ الصافية.
وكان التابعيُّ الجليلُ عروةُ بن الزبير (تـ 94هـ) أولَ من أطلق هذا التحذيرَ مستدعياً التاريخَ الأمميَّ المشابه، فروي عنه أنه قال: (لم يزل أمرُ بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولَّدون أبناءُ سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا). لقد كان عروةُ يضع يدَه على إشكاليةٍ منهجيةٍ مبكرة، وهي اختلاطُ النسيجِ الاجتماعيِّ بدخولِ أممٍ لم تتربَّ على السليقةِ الأولى والنصوصِ الصافية، والاعتمادُ على الرأيِ المجردِ كبديلٍ عن الاتباعِ والالتزامِ اللغويِّ والشرعيِّ بحدودِ النص.
لم يكد يمضي قرنٌ واحدٌ حتى تحوَّل أثرُ عروةَ العامُّ إلى حقيقةٍ تطبيقيةٍ عاينها الأئمةُ في الحواضرِ الإسلامية، مع بروزِ طبقةِ المولَّدين التي اقترن ظهورُها بانتشارِ طرقِ الرأيِ والجدلِ في الأمصار. وقد قام إمامُ أهلِ مكةَ سفيانُ بن عُيينة (تـ 198هـ) بجمعِ خيوطِ الواقعِ وإسقاطِ الأثرِ عليه صراحةً، فقال في سياقِ حديثِه عن منشأِ الرأيِ في الأمصار: (فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي إنما هو من المولَّدين أبناءِ سبايا الأمم). وذكر ابنُ عُيينة بعد ذلك بعضَ من كان بالمدينةِ والبصرةِ والكوفةِ ممن ظهرت عندهم طرقُ الجدلِ والرأي.
وكان إمامُ أهلِ السنةِ سفيانُ الثوري (تـ 161هـ) يحمل تخوُّفاً عميقاً من خروجِ العلمِ إلى من لم يتشربوا هذه السليقة. فقد روى تلميذُه محمدُ بن يوسفَ الفِرْيابي:(كان سفيانُ الثوري إذا رأى هؤلاء النبطَ يكتبون العلم تغيَّر وجهُه، فقلت: يا أبا عبد الله أراك إذا رأيتَ هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك. قال: كان العلم في العرب وفي ساداتِ الناس، وإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء النبطِ والسفلة غُيِّر الدين).
ولم يكن هذا الموقفُ نابعاً من طعنٍ عرقيٍّ أو عنصريٍّ – فالإسلام يساوي بين المسلمين دون الالتفاتِ للأعراق – وإنما كان الأئمةُ كالثوري يخشون مع غيابِ أصالةِ اللسانِ والمنهجِ العربيِّ لدى النبطِ والأعاجمِ الذين لم يتشربوا لغةَ القرآن، أن تقودَهم اجتهاداتٌ قاصرةٌ تسبب التباساً في فهمِ مقاصدِ الدين وقلبَ مصطلحاتِ العلمِ نتيجةَ العجمةِ الفكريةِ واللغوية.
ومع اشتدادِ المحنةِ في القرنِ الثالثِ الهجري، اتخذ التحليلُ بُعداً لغوياً معرفياً جلياً، إذ واجه الإمامُ عبدُ العزيزِ الكناني (تـ 240هـ) خصمَه بشرَ المريسي (رأسَ المعتزلة) في مناظرتِه الشهيرة قائلاً: (وإنما دخل الجهلُ على بشرٍ ومن قال بقولِه لأنهم ليسوا من العرب، ولا علمَ لهم بلغةِ العرب ومعاني كلامِها، فتأوَّلوا القرآنَ على لغةِ العجم).
وقد عقد الإمامُ المبردُ (تـ 285هـ) في كتابِه الكامل مقارناتٍ بين الخطبِ العربيةِ الأصيلةِ وكلامِ أهلِ الجدل، ليُبيِّن أن خروجَ الكلامِ عن سننِ العربيةِ يورث ركاكةً في الأسلوب واضطراباً في الفهم، وأن العُجمةَ إذا خالطت البيانَ أفسدت معناه.
في القرنِ الثامنِ الهجري صهر شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية (تـ 728هـ) هذه الآثارَ التاريخيةَ والنقودَ اللغويةَ في نظريةٍ معرفيةٍ كاملةٍ داخل مشروعِه النقديِّ لعلمِ الكلامِ والفلسفةِ المترجمة. وأوضح أن البدعَ الكلاميةَ ونفيَ الصفاتِ نبتت وترعرعت في المدنِ والحواضرِ التي اختلط فيها اللسانُ العربيُّ بغيرِه بحسبِ البعدِ عن الدارِ النبوية.
وفي كتابَيه (الرد على المنطقيين) فكَّك ابنُ تيمية العلةَ المعرفيةَ لهذا الضلال؛ فأوضح أن واضعي الفلسفةِ والمنطقِ من اليونانِ والرومِ لم يكونوا أهلَ كتاب، فكانت لغتُهم ومصطلحاتُهم قاصرةً أصلاً عن إدراكِ الغيبيات، فلما عُرِّبت كتبُهم في العصرِ العباسي، تلقفها أناسٌ لم يتأسسوا على أصالةِ اللسانِ العربيِّ الشرعي، فخلطوا بين مرادِ الله في القرآن ومصطلحاتِ الفلاسفةِ اليونان.
فحمل المتكلمون نصوصَ الوحيِ المعجزةَ على مصطلحاتٍ محدثةٍ جهلاً بدقائقِ أساليبِ العربِ البلاغية، ولو أنهم فهموا القرآنَ بما يفهمه به الصحابةُ والعربُ الأقحاح لَسَلِموا.
بلغت هذه السلسلةُ التاريخيةُ والمعرفيةُ ذروتَها التنظيريةَ واللفظيةَ عند الإمامِ أبي إسحاقَ الشاطبي (تـ 790هـ)، والذي تتبع كلَّ ما تقدم وصاغ جملتَه الاستقرائيةَ البليغةَ في كتابِه (الاعتصام) حيث قال: (ولعلك إذا استقريتَ أهلَ البدعِ من المتكلمين، أو أكثرَهم، وجدتَهم من أبناءِ سبايا الأمم، ومن ليس له أصالةٌ في اللسانِ العربي، فعما قريبٍ يفهم كتابَ الله على غيرِ وجهِه، كما أن من لم يتفقه في مقاصدِ الشريعة فهمها على غيرِ وجهِها).
لقد حسم الشاطبي القضيةَ بوضوح، فالعلةُ الحقيقيةُ ليست عرقيةً أو طبقية، بل هي علةٌ أدواتيةٌ لغوية؛ إنها غيابُ الأصالةِ في اللسانِ العربي كأداةِ إدراكٍ وفهمٍ للنصوص، مما جعل هؤلاء المتكلمين يفهمون الوحيَ بمعزلٍ عن مقاصدِ الشريعة وسليقةِ لغتِها.
وفي الختام تتجلى من هذا السردِ التاريخي حقيقةُ أن الإسلامَ لم يذمَّ أحداً بسبب عرقِه أو نسبِه أو دمِه، فهناك كبارُ أئمةِ الإسلامِ الذين أسهموا في حراسةِ الملة، وخدموا الدين، وكانوا من غيرِ العرب، ولكنهم رُزقوا أصالةَ المنهجِ وفصاحةَ اللسان، وشاهدنا ذلك جلياً في إنتاجِهم، كإمامِ النحاةِ سيبويه الفارسي، وإمامِ المحدثين البخاريِّ (من أهلِ بخارى)، والإمامِ ابنِ قتيبةَ الدينوريِّ الفارسيِّ صاحبِ (تأويل مشكل القرآن).
فمن دخل في لسانِ العرب وعقلَ مناهجَهم في الخطاب وزالت عنه العجمةُ الفكرية، صار إماماً يُقتدى به ولو كان أعجميَّ النسب، ومن ابتغى فهمَ القرآنِ والسنةِ عبر قوالبِ الفلسفاتِ الوافدةِ والمناهجِ الفكريةِ المحدثة، والانغلاقِ المناطقي، ونأى عن مهبطِ الوحي وموئلِ الدين ومعقلِ العربيةِ الفصحى، فهو فقيرٌ في أصالةِ اللسانِ العربي، زلَّت قدمُه، وطاش سهمُه.
وهذه الظاهرةُ نراها تتكرر بحذافيرِها في واقعِنا المعاصرِ على أيدي بعضِ المعاصرين الذين يخوضون في تفسيرِ آياتِ القرآنِ وأحاديثِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، مع فقرِهم في فهمِ العربية وعجزِهم عن بلوغِ أصالةِ اللسانِ العربي.
فتراهم يجترئون على محكماتِ التنزيلِ وسنةِ سيدِ المرسلين بأدواتِهم القاصرة، وأفهامِهم السقيمة، وبلا أثارةٍ من علمٍ كتبوه أو منهجٍ صحيحٍ اتبعوه، متناسين أن الولوجَ إلى هذا الأمرِ ممتنعٌ على غيرِ متبحرٍ في لغةِ القرآنِ الكريم ولسانِ العربيةِ المبين.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ صدق الله العظيم.
أضف تعليق