الاستغناء:

ينعكس الفقر على حياة الإنسان قيداً يكبّل روحه وطموحه، فالعوز يحوّل حياة المرء إلى معركة لتأمين البقاء، ويستنزف طاقته الذهنية والبدنية. وعلى النقيض من ذلك، يمثل الغنى والكفاية المادية مظلة من الأمان تحمي كبرياء الإنسان، فالمال قوة تمنح صاحبها ثقة في نفسه، وشجاعة وثباتاً في تصرفاته. وهذه الثقة والثبات يصنعان هيبة المرء، ويكسبانه تقديراً اجتماعياً يترجم إلى مكانة مرموقة وصوت مسموع. فالكفاية المالية تحوّل الإنسان من مجرد باحث عمّا يؤمّن له البقاء إلى صانع للحدث ومؤثر في الحياة.

غير أن هذا الشعور بالقوة والتمكين يُنسي بعض الناس حجمهم الحقيقي، ويعميهم عن تصور الحالة النقيضة للغنى وما يرافقها من مساوئ، ويخلق في نفوسهم تطاولاً يتجاوز حدود ما لهم وما عليهم، فيتصور أحدهم أنه أعلى لأنه أغنى، وأنه الأفضل لأن المال طوع يديه وتحت تصرفه.

ثم تتشكل لديه قناعات لا أساس لها بأنه إنما جمع هذه الأموال، وكسب تلك الثروات، ووصل إلى الغنى بفضل ذكائه ومعرفته ودهائه وجهوده وحنكته، وأنه يستحق ذلك وأكثر.

تُظهر دراسات في علم النفس الاجتماعي أن ارتفاع شعور الفرد بالغنى أو القوة يوسّع نطاق المصلحة الذاتية  عنده ويضعف الانضباط الأخلاقي، فيميل الإنسان إلى تجاوز القواعد حين يشعر بالامتياز أو التفوق.

وتبيّن أبحاث علم الأعصاب أن استحضار الإحساس بالسيطرة يرتبط بانخفاض نشاط الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف، ولا سيما نظام الخلايا المرآتية. ومع هذا الانخفاض يتراجع حضور الآخرين في القرار، وتخفّ حساسية الدماغ لهم. ليس ذلك قسوة متعمدة، بل تغيّر بيولوجي تلقائي يشكّل البذرة الأولى لنشوء شعور الاستعلاء عند ارتفاع الإحساس بالقوة، ومنه الإحساس بالغنى.

 فالإنسان الذي كان يصغي للناس ويتواضع، يتوقف عن الإصغاء حين يصل إلى مبتغاه، لا لأنه تغيّر أخلاقيا بالضرورة، بل لأن الدماغ يعيد ترتيب أولوياته.

وتتشكل عقلية الاستحقاق عنده عندما يشعر بأنه قادر، فيرى نجاحه ذاتيا، فيقلّ اعتماده على الآخرين، ومن ثم يقلّ اهتمامه بهم. ومع شعوره بالاستقلال المطلق يتحول الاستغناء إلى استعلاء.

هذه التحولات النفسية والعصبية لا تقول إن كل غني طاغ، ولا إن كل فقير رحيم، لكنها تشير إلى أن الاستغناء حالة خطرة تتولد في الدماغ وتترجم في السلوك، وإذا تُركت بلا تقويم ولا ترويض فإنها تدفع الإنسان تلقائياً إلى توسيع مساحة الذات وتقليص مساحة الآخرين. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾. صدق الله العظيم.

والإسلامُ  يربّي الإنسانَ على رؤية الغنى بوصفه فضلا من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فيكسر وَهْم الاستحقاق الذي يصوّر للمرء أن ما بين يديه ثمرة ذكائه وحيلته.

ويفعّل الرقابة الداخلية في النفس، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىٰ﴾، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾؛ فينشأ شعور دائم بالمحاسبة يحدّ من اندفاع القوة، فتعمل هذه الرقابة كوابح أخلاقية تمنع تضخم الذات عند الشعور بالاستغناء.

ويمتدح الله تعالى الإيثار ويثني على المُؤْثِرين، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، و الإيثاريُوسّع مساحة التعاطف في القلب والدماغ، ويجعل حضور الآخرين أثقل في القرار. ومع هذا الاتساع في مساحة الآخر، يعيد الإيمان الإنسان إلى حجمه الحقيقي، فيمنع تضخيم الذات المصطنع والمذموم.

التعليقات

أضف تعليق