مدونة

  • العيون تفشي الأسرار .

     العين ليست مجرد عضو بصري، بل هي لسان القلب ومرآة السريرة. وقد قيل في المثل: (العين ترجمان القلب)، أي أن ما يضمره الإنسان في داخله تنطق به نظراته دون أن يشعر. ومن الأمثال أيضًا: (رُبّ عينٍ أنمّ من لسان)، أي أن العين قد تفضح أو تُظهر المشاعر والأحوال أكثر مما يستطيع اللسان التعبير عنه أو وصفه بالكلمات ، سواء أكان حبًا أم بغضًا، صدقًا أم نفاقًا.

    وقد عبّر الشعراء عن هذه الفراسة البصرية بأبيات خالدة، منها قول أحدهم: (والعينُ تعلمُ من عينِ محدثِها. إن كان من حزبِها أو من أعاديها)، وقول آخر: (تُخبرك العينان ما الصدرُ كاتمُ. ولا جنّ بالبغضاء والنظرُ الشزرُ).

    فالنظرة الهادئة المتأملة المُسْتغرِقة دليل الود والوفاء، والنظرة الحادة الثاقبة تكشف البغض والحقد والكره، وتفضح ما في القلب من عداء، حتى لو تزيّن صاحبها بالكلام المعسول.

    وفي لحظة الخوف، لا تخفى النظرة المرتبكة، كما وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهي صورة دقيقة لحالة الرعب التي تُفضَح من خلال حركة العين، فتكشف عن الجبن والخوف والاضطراب.

    وصاحب الفراسة يستطيع إدراك نظرة السخرية والاستخفاف، ونظرة التململ ونفاد الصبر، ونظرة التحمل والمكر والخديعة، وغير ذلك مما يحاول المتحدث أو المستمع إخفاءه، وتكشفه نظرات العين وحركاتها.

    قال ابن حزم: (العين باب النفس الشارع، وهي المُنقبة عن سرائرها، والمُعبرة لضمائرها، والمُعربة عن بواطنها)، وقد وافقه ابن القيم بقوله: (إن العين باب القلب، وهي المعبرة عن ضمائره والكاشفة لأسراره، وهي أبلغ في ذلك من اللسان، لأن دلالتها بغير اختيار صاحبها)، فالنظر لا يُزوّر، ولا يُصاغ، بل يخرج عفويًا، صادقًا، كاشفًا لما في الداخل، وفاضحًا للضمائر، صاحب الفراسة الحاذق يستطيع أن يدرك هذا كله.

    ونستطيع أن نقول إن العين أداة كشف، ولسان حال، ومن تأملها بعين البصيرة، عرف الصادق من الكاذب، والوفيّ من المتلون، دون حاجة إلى سؤال أو جواب أو تحري أو استجواب.

  •  الخسوف والكسوف.

    الشمس والقمر آيتان من آيات الله في نظام كوني محكم يسير وفق قوانين دقيقة لا تتخلف، ويتجلى الخسوف والكسوف كظاهرتين فلكيتين تشهدان على عظمة الخالق سبحانه، قال تعالى: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)، أي يجريان بحساب دقيق لا يختل ولا يتقدم ولا يتأخر.

     فالخسوف القمري يحدث حين تقع الأرض بين الشمس والقمر، فيحجب ظلها ضوء القمر في مرحلة البدر، والكسوف الشمسي يحدث حين يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب ضوءها عن جزء من الأرض في مرحلة المحاق.

    وكلاهما لا يقع إلا عندما تصطف الأجرام الثلاثة في محاذاة هندسية بديعة، لا يدركها إلا من تأمل في خلق السماوات والأرض، وليست هذه الظواهر طارئة أو عشوائية، بل جزء من نظام فلكي متقن، يتكرر وفق دورات زمنية محسوبة (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) صدق الله العظيم ،مما يدل على أن الكون ليس عبثًا، بل خاضع لإرادة الله وتقديره.

    وقد بيّن النبي ﷺ أن هذه الظواهر لا ترتبط بموت أحد أو حياته، بل هي من آيات الله، فقال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا». وقال ﷺ(إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ منها شيئًا فَصَلُّوا، وادْعُوا اللَّهَ حتَّى يَكْشِفَهَا).

    إنها لحظات تذكير تدعونا إلى اللجوء الى الله بالدعاء والصلاة والصدقة والشكر له على فضله ونعمه، والتأمل والتفكير في حسن تدبيره وتسييره لهذه الأفلاك فلو اختل هذا النظام العظيم، لاختلت الحياة، ولكن الله برحمته خلق الليل سكنا لنا والنهار لمعاشنا وهيأ خلقنا ليتناغم مع دورة هذه الأفلاك.

     وجعل الشمس والقمر آيتين من آياته، تسيران في فلك لا يحيد، قال تعالى:( لَا الشمس يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، فحين يخبو ضوء القمر أو تُحجب الشمس، نتذكر نعمة تتابع الليل والنهار والشمس والقمر والضوء والنور وتنظيم ساعات السكن والمعاش، ونتأمل في قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ). وقوله سبحانه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ونستيقظ من غفلة اعتياد الحياة الدنيا، وانتظام سيرها، وان ذلك ليس بدائم لأنه سيأتي يوم تتوقف فيه هذه الأفلاك (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ).  

    وفي الصلاة اتباعٌ لسنة النبي ﷺ فالشَّمس والقمر آيَتانِ مِن آياتِ اللهِ العَظيمةِ، وجَرَيانُهما وتَعاقُبُهما يدُل على إحْكامِ صَنعةِ الخالق جلَّ وعلا، فاذا وقع مِنهما الخسوف والكسوف، فإن هذا يَستَدعِي الخوفَ من انطِماسِهما ووُقوعِ القِيامةِ، وهذا لا بُدّ معَه مِنَ الرجوع إلى الله واللُّجوء إليه بالصَّلاة والدُّعاء.

  • الخنفساء المدفعية (Bombardier beetle)

    الخنفساء المدفعية (Bombardier beetle)

    منح الله سبحانه وتعالى هذه الخنفساء نظامًا دفاعيًا فريدًا يتمثل في قدرتها على إنتاج وإطلاق سائل كيميائي ساخن وسام من مؤخرة بطنها عند تعرضها للخطر. تمتلك هذه الحشرة غددًا متخصصة تُنتج مادتين كيميائيتين، هما الهيدروكينون وبيروكسيد الهيدروجين، تُخزَّنان في خزانات منفصلة داخل جسمها.

    عند شعورها بالتهديد، تُفرغ هاتين المادتين في غرفة تفاعل صغيرة داخل بطنها، حيث تتفاعلان بمساعدة إنزيمات محفزة. ينتج عن هذا التفاعل انفجار حراري تصل درجة حرارته إلى ما يقارب (100) درجة مئوية، ويُطلق السائل الناتج على شكل رذاذ متقطع بنبضات سريعة، قد تصل إلى عدة رشقات في الثانية الواحدة، حسب شدة التهديد. تستطيع الخنفساء تكرار هذه العملية عدة مرات بفضل قدرتها على إعادة تعبئة الخزانات بالمواد الكيميائية.

    يُعد هذا النظام الدفاعي من أعقد الأنظمة الكيميائية في عالم الحشرات، ويشبه في مبدأه التفاعلات المحكمة في محركات الاحتراق الداخلي أو أنظمة دفع الصواريخ الصغيرة. وقد ألهم هذا التصميم تطبيقات مبتكرة في مجالات الهندسة الحيوية والتقنيات الدفاعية. (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) صدق الله العظيم.

  • دعوة للتأمل.

    قال تعالى :(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ)

    في الآيتين توضيح للعلاقة الوثيقة بين الانحراف العقدي والسلوك الاجتماعي، وتُحذير من العواقب الوخيمة التي تترتب على الإعراض عن منهج الله القويم. ولا تكتفي بوصف التًولي عن الدين كفعل سيئ يُنْبِئُ عن انحراف عن العقيدة السليمة ، بل تُبين كيف أن هذا التًولي يفتح الباب للفساد في الأرض، ويمتد أثره إلى تفكك الروابط الأسرية، التي هي أساس البناء الاجتماعي.

    و تُبرز أن صلة الرحم ليست مجرد فضيلة اجتماعية، بل هي مقياس للإيمان، وأن قطعها علامة على الانحراف وسبباً للعنة الإلهية. فالمعرضون عن الحق لا يكتفون بالابتعاد عن النهج القويم، بل يُفسدون، ويهدمون ما بناه الدين من تماسك وتراحم.

    ثم تأتي العقوبة اللعن، والصمم، والعمى، فهم لا يسمعون ولا يبصرون ما ينفعهم أو يضرهم ويفقدون البصيرة والقدرة على تمييز الحق من الباطل والصحيح من الخطأ.

    وفي الآيتين كشف عن أثر العقيدة في السلوك، ودعوة المؤمنين إلى مراجعة النفس وهل في سلوكها ما يدل على فساد أو قطيعة؟ إنها دعوة للتأمل. والله أعلم،

     
    
  • التقوى: خلقٌ دائم ومنهج حياة.

    التقوى خُلقٌ راسخ ومنهجٌ سلوكيٌّ يلازم المؤمن في أقواله وأفعاله، ويهديه في مسالك الحياة. وهي شعورٌ دائمٌ بمراقبة الله سبحانه وتعالى، وتعظيم أوامره وامتثالها، وتعظيم نواهيه واجتنابها، والحرص على رضاه، والالتزام بالحق والعدل والصدق حتى في أدقّ المواقف وأصعبها.

    وتتجلى حقيقة التقوى حين تتحرك الرغبات والميول، وتتباين الآراء، وتختلف النوايا، وتتشابه الصور، وتتشعب الطرق ، في غمار أعمال الحياة، فنجد من يحيد عن الصواب، ويُميله الهوى عن العدل والصدق، واتباع الحق (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) وفي المقابل نجد الملتزمين بالتقوى العارفين بأنها منهج النجاة، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).

    وليست التقوى في ترك الحرام فقط، بل في اجتناب المشتبهات خشية الوقوع في المحرمات، قال ﷺ:(إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه…) وقال ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، قال ابن رجب رحمه الله:(وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى.)

    فعندما يكون القلب السليم ميزانًا، والعقل الواعي الحكيم حكمًا، والبصيرة الثاقبة رادعًا، تأتي النتيجة عملًا منضبطًا موزونًا بميزان التقوى، فالتقوى ليست خُلقًا عابرًا، ولا سجيةً متكلَّفة، بل هي حالة قلبية دائمة تزن الأفعال بميزان رضا الخالق لا بميزان الهوى، فتجد صاحبها يعفو لا عن ضعف، بل لأن العفو أقرب للتقوى، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ويعدل ويصدق حتى مع من يكره، امتثالًا لقوله تعالى(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وهو يرى في التقوى بابًا لتفريج الكرب ، وجلب الرزق ،وتيسير الأمور، ثابت الثقة بالله، حَسَنُ الظن بربه، كما قال سبحانه: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) وقوله:(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).

    والتقوى هي الزاد الحقيقي في رحلة الحياة، كما قال الله تعالى:(فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وقد لخّص الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله هذا المعنى في خطبته الأخيرة حين قال:(إن لكل سفرٍ زادًا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم.)

    فمن أراد الزاد للدار الآخرة، ونيل القبول، والتيسير، والرفعة، والرزق في الدنيا، فليجعل التقوى نصب عينيه في كل عمل، وليجعل الوَرَع ملازمًا لحياته، وليحاسب نفسه بمعيار التقوى، وليجعل هدفه الدرجات العُلاَ.

    وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ.

    وَتَقْوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وَعِندَ اللهِ لِلْأَتْقَى مَزِيدُ.

  • بين كُثَيِّرُ عزة والأخطل التغلبي .

    كُثَيِّرُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الخُزاعيُّ، المعروفُ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ، كان شاعرَ أهلِ الحجازِ في العصرِ الأمويِّ، لا يُقدِّمونَ عليهِ أحدًا، وكان بنو مروانَ يُعظِّمونهُ ويُكرِمونه. وكان مُفرِطَ القِصَرِ، دَميمًا، وفي نفسِه شَمَمٌ وتَرَفُّعٌ.

    وقد حدث أنَّ كُثَيِّرًا كان يُنشدُ الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ قصيدةً له، وعنده الأخطلُ غِياثُ بنُ غَوْثٍ التَّغلِبيُّ، وكان نصرانيًّا — إذ كانت قبيلةُ تغلبَ نصرانيةً ثم أسلمتْ مع مرورِ الوقتِ -.

    فقال الخليفةُ للأخطلِ: كيف ترى؟ فقد كان الخليفة يعلم الفارق بين أسلوب الشاعرين وبيئة شعرهما وأغراض الشعر عندهما فأراد أن يثري النقاش بسؤال الأخطل عن رأيه فيما سمع .

    فقال الأخطلُ: حجازيٌّ مُجَوَّعٌ مَقْرورٌ، دَعْني أَضْغَمْهُ يا أميرَ المؤمنين — وكأنَّهُ احتقرَهُ لقِصَرِهِ ودمامتِهِ –(وأضغمه أي أعضه ويسمى الأسد ضيغما ) وأراد أن يفتعل موقفا يثير كثير عزة ، وربما دارت بينهما مساجلات كتلك التي كانت تدور بين الخطل وشعراء عصره مثل الفرزدق وربما لمس من سؤال الخليفة أنه يريد افتعال مثل هذا الموقف.

    فقال كُثَيِّرٌ: من هذا يا أميرَ المؤمنين؟ (الأرجح أنه يعرفه ولكن أراد بالسؤال عنه التقليل من قدره فكأنه نكرة غير معروف لديه )

    فقال له: هذا الأخطلُ.!

    فقال له كُثَيِّرٌ: مَهْلًا، فهلا ضَغَمْتَ الذي يقول:

    لا تطلبن خُؤولةً في تغلبٍ فالزنجُ أكرمُ منهمُ أخوالا.

    والتغلبيُّ إذا تنحنحَ للقرى حكَّ استَهُ وتمثَّلَ الأمثالا.

    فسكتَ الأخطلُ، فما أجابهُ بحرفٍ. والشِّعرُ من قصيدةٍ لجريرٍ يهجو فيها الأخطلَ.

    يقول أبو العتاهية:

    وَلَئِن ندمت على سكوتك مرة. فلقد ندمت على الكلام مرارا.

    إن السكوت سلامة ولربما. زرع الكلام عداوة وضرارا.

  • العزلة المعرفية .

    عندما يُنهي البعض مراحل التعليم الرسمي والدراسة المنهجية، يبدأ في بناء معرفته عبر اختيارات ذاتية يُشكلها ميوله وتتحكم فيها توجهاته. فيقرأ الكتب التي تستهويه، ويطّلع على الصحف والمجلات التي تناسبه، ويتابع البرامج والمقاطع التي تجذبه، ويزور المواقع التي تتماشى مع اهتماماته. كما يشارك في المنتديات والمؤتمرات التي تروق له، ويختار أصدقاءه وجلساءه ممن ينسجم معهم، متجنبًا ما لا يناسب ميوله، بل قد ينفر منه أحيانًا.


    هذا السلوك طبيعي في الإنسان، وقد استغلت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، هذه الطبيعة الفطرية فتبرز لكل شخص المحتوى الذي يلبي ميوله، ومن خلال تتبع ما يشاهده أو يتابعه أو يكتبه، تعمل هذه التقنيات على تسهيل وصوله الى المادة التي تُشبع رغباته وتتماشى مع توجهاته.


    والميل الفردي المحدود، والثقافة الموجّهة يحصران الفرد داخل دوائر معرفية مختارة، شبيهة بأغلفة دودة القز الحريرية التي تحتمي بها. فتصبح مصادره المعرفية مغلقة، ومحفزات التفكير محدودة، تقيّد العقل وتحصر الثقافة.
    والحكيم لا يحصر نفسه في دوائر معرفية ضيقة، بل يُوسّع آفاق تفكيره، وينهل من جميع الأوعية المعرفية لتطوير رؤيته الفكرية يستفيد من الإيجابيات ويتفادى السلبيات، مدركًا أن مصادر المعرفة واسعة وتحمل ما يعينه في حياته، ويمنحه حلولًا لتحقيق طموحاته وأهدافه.


    إن القراءة في مختلف التخصصات، والاطلاع المفتوح على شتى جوانب المعرفة، وخوض التجارب الإيجابية في مجالات الحياة، إلى جانب مجالسة طبقات المجتمع المتنوعة من مختلف الأعمار، والحوار معهم وسماع آرائهم، والسفر والاحتكاك بأطياف البشر، كلها عناصر تُوسّع المدارك، فهي تُنمي المعارف وتُحسّن جودة القرارات في شتى مناحي الحياة.

  • ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع .

    اذا تأملنا الأشياء حولنا نجد أنها تمر في دورات، بعضها دورته قصيرة والبعض دورته طويلة، وكلها مرتبة على أساس منطقي هو: بداية، صعود وتوسع، وكمال ونضج، ثم نقص وانحدار ، حتى الوصول الى القاع و (مَـا طَـارَ طَـيْـرٌ وَارْتَفَعْ إِلَّا كَـــمَــا طَــارَ وَقَــعْ) .
    ومثال ذلك في علم الاقتصاد يوجد الدورة الاقتصادية، وتُعرف باسم دورة الأعمال، وهي حركة دائرية للاقتصاد أثناء انتقاله من النمو إلى التوسع ثم الذروة والكمال ثم الانكماش والهبوط الى القاع والعودة مرة أخرى. هذه نظرية معروفة ومألوفة يعرفها خبراء الاقتصاد ويسير على منهاجها رجال المال والأعمال .
    وهناك أمثلة كثيرة لدورات الحياة في كل منحى من مناحيها، تبلغ فيها الأشياء ذروتها ثم تنزل الى القاع مرة أخرى، ففي الأحياء دورات يمر بها كل كائن حي بما فيها الانسان يقول تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وحضارات الأمم، والامبراطوريات، تمر بدورات نشأة وصعود وسطوع ثم تواكل ، ودعة وضعف ،ونزول ، وانحطاط ،واضمحلال ، وأفول. اقرؤوا ذلك عند ابن خلدون ان شئتم. ولو تأملتم ما حولكم فسوف تلاحظون هذه الدورات…
    بقي أن نقول ان يجب على المرء العاقل التفكير جيداً في مناحي حياته وما حوله ويميز من هذه الدورات ما يعنيه، ويُخمٍن حَجمها، وعُمرها، وموقعه منها، وكيف يجني منافعها، ويتجنب تبعاتها.

  • قصاصات الإنترنت.


    هناك العديد من الصور على الانترنت على شكل قصاصات وملصقات اجتهد واضعوها في تجميلها فبعضها مؤطرة ومزخرفة، ينقلون فيها حِكماً ومَواعِظ وأقوالاً مأثورة وأشعاراً جميلة، وينسبونها الى كَاتب أو كِتاب، ويتناقلها الناس حباً في المعرفة.
    ويلاحظ أن بعض صانِعي ومنتجي تلك القصاصات، ينقلون نقلاً غير دقيق ويجْتَزئون الأقوال ويجتهدون أحياناً بالحذف والتبديل لبعض الكلمات اجتهاداً منهم في تبسيط المَنْقول للناس.
    ومن الواجب على من ينقل تلك القصاصات أو يروي محتواها أن يتثبت من صحة ما جاء فيها ويتتبع مصادرها ويدقق في صحة النقل، وتلكم هي الأمانة العلمية التي توجب نسبة كل قول لقائله، وكما جاء عنده لا عند مُجتهدٍ بَتَرَه من سياقه، أو بدل بعض كلماته، أو اجتهد في صيغة عباراته، دون تنويه أو اشارة. فاذا عَتَم علينا فهمه أو التبس معناه عتبنا على من ُنسب اليه القول وهو منه براء.
    وقد جاء في مقدمة كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي قوله: (ثم اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سويّ، فقطع أطرافه فتركه أشلّ اليدين، أبتر الرجلين، أعمى العينين، أصلم الأذنين، أو كمن سلب امرأة حليّها فتركها عاطلا، أو كالذي سلب الكميّ سلاحه فتركه أعزل راجلا) والعاقل لا يقدم على هذا الفعل المشين ولا يكون لفاعله معين.

  • حسن الظن من صفات الأخيار.

    سوء الظن وبناء الأحكام على مجرد الشكوك والأوهام من الآفات النفسية والأخلاقية التي تنخر في جسد العلاقات الإنسانية، وتفتك بروح التآلف والتلاحم بين الناس. إنه ذلك الشعور القاتم الذي يجعل الإنسان يفسر أفعال الآخرين على أسوأ وجه، ويُضمر في قلبه الريبة والشك تجاه كل تصرف أو موقف أو كلمة، حتى لو كانت بريئة. والشخص الذي يسيء الظن دائما يعيش في عزلة نفسية، يتوجس من كل من حوله، ويظن أنهم يتآمرون عليه، فيتحول إلى كائن انطوائي، دائم القلق، فاقد للراحة والسكينة. وظنه السيئ هذا لا يقتصر أثره عليه فحسب، بل يمتد ليهدم جسور الثقة، ويزرع العداوة، ويقوض أسس تماسك المجتمع.

    وقد نهى الله تعالى عن هذا الخلق الذميم في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك لما فيه من ظلم للناس وافتراء عليهم دون بينة أو دليل.  قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.

    ومن أخطر أنواع سوء الظن أن يسيء الإنسان الظن بربه، فيظن أن الأقدار لا تحمل له إلا السوء، وأن دعاءه لا يُستجاب، وأن يظن أن الله لا يرحمه ولا يقبل منه ولا يعفو عنه. وقد ورد في الحديث القدسي: “أنا عند حسن ظن عبدي بي”. وفي الحديث أيضا «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».

    و سوء الظن يدفع الإنسان الى تصرفات مكروهة ومذمومة، ويجعله يتجسس على الخلق ويتتبع عورات الناس، ويقع في الغيبة والنميمة، لما تلبسه من سوء الظن فتضعف ثقته بالآخرين فيكرهونه ويبتعدون عنه اتِّقَاءَ شَرهِ.  قال الإمام الغزالي: (الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنساناً يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق).

    قد يكون سوء الظن خلقًا ملازمًا لبعض الأشخاص، مسيطرًا على تفكيرهم معظم الوقت، وقد يكون طارئًا عند البعض لفترة محدودة بسبب ظروف تمر بهم أو مواقف تصادفهم. وقد يتلبس هذا الخلق الفرد دون أن يشعر به أو يعيه، مما يستوجب على الإنسان أن يكون واعيًا لسلوكه، مدققًا فيما يطرأ عليه من مواقف وتغيرات.

    ولا يقتصر أثر سوء الظن على العلاقات العامة، بل يتغلغل إلى داخل الأسر والبيوت، فيفسد العلاقة بين الأقارب وبين الزوجين، ويشعل نار الخلافات، ويؤدي إلى    الفرقة وقطيعة الرحم، وكل ذلك بسبب الحكم المتسرع المبني على ظنون لا أساس لها. ولهذا دعا الإسلام إلى التبين والتثبت، وترجيح حسن الظن، والتمهل قبل إصدار الأحكام، لأن الإنسان لا يعلم ما في القلوب، ولا يملك مفاتيح النوايا. فحسن الظن يفتح أبواب المحبة، ويمنح النفس راحة وطمأنينة، ويجعل الإنسان متفائلًا مقبلًا على الحياة مرتاح البال محبوبا من الآخرين، بينما سوء الظن يحبس صاحبه في سجن من الشك والترقب والكراهية.