المتكأ والتكية .

من الكلمات التي أُدخلت إلى العربية حديثاً كلمة تَكِيَّة. فنجد القواميس الحديثة تذكر أن التَّكِيَّة اسم نُزُل للمسافرين أو دار لإيواء الفقراء تُنفِق عليه منظمة دينية. كما تذكر أنه تعبير معاصر للدلالة على السّفه في إنفاق الأموال دون وجه حق. وهذا اللفظ مسموع في أحاديث الناس. ونفهم المعنى العام للكلمة على أنه توفيرالمأوى و الطعام بلا مقابل، ولمن لا يستحق.

وكلمة تَكِيّة بالفارسية (تَکْیَه) (بفتح التاء وسكون الكاف، وتنتهي بهاء صامتة) وليست أصلية في الفارسية، بل وافدة من العربية، فهي عندهم لفظ عربيّ مأخوذ من مصدر (الاتكاء)، والهاء في آخرها زيدت بالفارسية لجعلها اسم مصدر ومعناها الاعتماد، أو الاستناد بالظهر على وسادة أو جدار. وقد انتقلت من الفارسية إلى التركية العثمانية بلفظ (تکیّہ) ثم عادت منها إلى العربية، وجُمعت على تَكَايَا.

قال تعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة.

وتحت كلمة (وكا) يقول ابن فارس، الواو والكاف والحرف المعتل: أُصَيلٌ يدلُّ على شَدِّ شيء وشِدَّة. منه الوِكَاء: الذي يُشَدُّ به. وفي لسان العرب: المُتَّكِئُ فِي العَرَبِيَّةِ كُلُّ مَن اسْتَوَى قاعِداً عَلَى وِطاءٍ مُتَمَكِّناً، والعامّةُ لَا تَعْرِفُ المُتَّكِئَ إِلَّا مَنْ مالَ فِي قُعُودِه مُعْتَمِداً عَلَى أَحَدِ شِقَّيْه؛ والتاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وأَصله مِنَ الوِكاءِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الكِيسُ وَغَيْرُهُ، كأَنه أَوْكَأَ مَقْعَدَتَه وشَدَّها بالقُعود عَلى الوِطاءِ الَّذِي تحْتَه.

وقد أطلق العثمانيون كلمة تكية على دور المتصوفة التي تأوي الدراويش وعابري السبيل وتطعمهم من ريع أوقاف خيرية بلا مقابل، ثم اتسع معناها لاحقاً ليشمل الدور الوقفية التي تقدم الطعام المجاني لعموم المحتاجين.

وكانت التكايا العثمانية منذ القرن السادس عشر مؤسسات وقفية منظمة، لها نظّار، وسجلات، وموظفون، وتعمل وفق نظام مالي ثابت يعتمد على ريع الأوقاف.

وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة أقام محمد علي باشا التكيتين المصريتين على النظام العثماني في أوائل القرن التاسع عشر لتقديم وجبة يومية من حساء القمح والعدس للفقراء والمحتاجين على مدار العام.

في منتصف القرن العشرين، ومع قيام مؤسسات الرعاية الاجتماعية الحديثة في العهد السعودي توقفت خدمة التكايا وحلت محلها الضمانات الاجتماعية والمبرات الخيرية، ثم أُزيلت مبانيها ضمن مشاريع توسعة الحرمين الشريفين بعد تواجد استمر لأكثر من قرن من الزمان.

وهكذا رأينا كيف اغتربت كلمة (المُتَّكأ) العربية في معاجم الأمم، ثم آبت إلى ديارها بحُلّة جديدة مشحونة بدلالات إضافية. ولعلنا نلمس أن أريج معانيها الأصيلة، الضاربة في عمق الكرم والكرامة، قد خَبَت جذوته متأثرةً بطبائع تلك المجتمعات التي عاشت بينها رَدَحَاً من الدهر.

التعليقات

أضف تعليق