
يواجه المجتمع الإسلامي اليوم تحديا حقيقيا يتمثل في الحفاظ على صلة أفراده بدينهم وثقافتهم وسط انفتاح معلوماتي واسع وتدفق متواصل للأفكار والقيم وأنماط الحياة.
فلم يعد الأمر مقتصرا على الفهم والتبليغ، بل امتد إلى كيفية العرض بلغة يفهمها الجيل المعاصر، وبأسلوب يخاطب عقله وقلبه معا.
ولا يمكن مواجهة الواقع بالاكتفاء بالأساليب التي اعتدناها، مهما بلغ صدقها وأثرها، بل يستوجب تطوير طرائق التعريف بالإسلام، وتعزيز صلة الناس بتعاليمه وروحه، وتجديد وسائل الدعوة والإرشاد بما يخاطب العقول، ولا سيما عقول جيل يعيش في عالم مادي كثرت فيه المُشَتّتات وغلب عليه الجفاف الروحي.
لم تفقد الأساليب التقليدية قيمتها، لكنها لم تعد كافية وحدها، لأننا أمام جيل مُطّلع على كمّ هائل من الثقافات والمعلومات، وتتنازع وعْيه يومياً خطابات حديثة لا تكتفي بإبلاغه بالأفكار، بل تخاطب عقله ووجدانه معا، وتستثمر ما جُبل عليه الإنسان من حاجات ودوافع وميول، فتؤثر في نظرته إلى الأشياء، وتوجّه سلوكه، وتسهم في تشكيل قناعاته.
ولا تقدم هذه الخطابات أفكارها بالطرح المباشر، بل تستثمر خصائص التلقي الإنساني، وما تجذبه الصورة والإيقاع والتكرار، لتثبيت رسائلها وتوجيه السلوك.
ومن هنا، قد يبلغ الباطل بزخرفه ما لا يبلغه الحق إذا قُدِّم بأسلوب لا يناسب زمنه، وبخطاب لا يفهمه المخاطَب ولا يقنعه؛ فالإخلاص وحده لا يغني عن تحسين أساليب الأداء.
وليس المطلوب نبذ الوعظ والإرشاد، ولا الانتقاص من أثر الكلمة الصادقة والقدوة الحسنة، وإنما المطلوب أن نستشعر حجم التحدي، فنطوّر ما لدينا ونثريه.
ونحتاج إلى منهجيّات تخاطب هذا الجيل بلغته، وتستفيد مما يألفه ويقبل عليه، وتقدّم له المعاني بما يفهمه، من غير تفريط في الثوابت ولا تكلّف يفقد الخطاب وقاره.
وهذا العمل يحتاج إلى علم، وجهد، ووقت، وصبر. وكل تأخير فيه له ثمن، لأن الآخرين يعملون بجد، ويستثمرون سرعة النشر وسهولة الوصول، ويُحسنون استخدام الوسائل الحديثة في التأثير في الوجدان والعقول، والحق أولى أن يُعرض بوضوح وإحكام.
والإسلام نفسه لا يضيق بهذا التجديد، فقد دعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة، وأمر بالجدال بالتي هي أحسن، وجعل العقل أداة للفهم لا خصماً للإيمان. فتجديد الأسلوب وفاء للمنهج، لا خروج عليه.
ومن أجل تصميم أساليب ومناهج فاعلة، لا بد من تكامل الجهود بين علماء الدين وعلماء النفس والاجتماع والمفكرين، وكل من يحسن فهم السلوك الإنساني ووسائل التأثير، حتى يجتمع صدق المضمون مع فقه الواقع.
كما ينبغي أن تُطرح المشكلات والمعضلات والتوجهات المعاصرة بوضوح وصراحة ومصداقية، من غير تهويل يثير المخاوف ويزرع الشكوك، ولا تهوين يبعث على اطمئنان زائف، ويُبلِّد الإحساس بخطورة الواقع.
وينبغي كذلك أن تُناقش جذور المشكلات وأسبابها وآثارها مناقشة عقلية علمية هادئة، تُظهر فهماً للواقع وقدرة على علاجه، لا مجرد إنكاره. وأن يُبيَّن موقف الإسلام منها بدقة ووضوح، في عرض مترابط وموثّق، يربط الحكم بالحكمة، والنص بالمقصد، والعقيدة بأثرها في حياة الإنسان.
وبذلك ينتقل الخطاب من الوعظ العام إلى البيان المقنع الذي يبرز المشكلة ومنشأها، ويناقش آثارها، ويطرح علاج الإسلام لها.
وإذا عُرضت الفكرة على هذا النحو، فليُترك للمرء مجال التأمل والحكم، فالعقل إذا خوطب بالوضوح والمنطق كان أقدر على تمييز الصواب واتباعه، ومعرفة الخطأ واجتنابه.
والدعوة الراشدة لا تخشى السؤال، ولا تستغني عن الحجة، ولا تستبدل الزخرف بالبرهان. فالحق إذا أُحسن عرضه كان أرسخ في النفس وأبعد عن الإكراه والزينة الخادعة. أما إذا عُرض عرضا مجملا، أو لم تُبيَّن معانيه بوضوح، أو قُدِّم بلغة لا تناسب عصره، فقد يُردّ لا لضعف مضمونه، بل لقصور في تبليغه.
ومن ثم فإن التعريف بالإسلام، وحفظ صلة الناس بدينهم في هذا الزمان، لا يتحقق بتجاهل الواقع وعدم تقدير أهمية أدوات العصر، كما لا يتحقق بالذوبان في تياراته، وإنما بخطاب يبرز أصالة المضمون، ويجمع بين عمق الفكرة، وصدق الروح، وجمال العرض.
وهذا هو التجديد الذي نحتاج إليه بأن يبقى الأصل مصونا، وأن يتجدد الأسلوب بما يقرّب معانيه إلى العقول والقلوب، لتترسخ صلة الناس بهذا الدين، ويغدو هدْيَه حاضرا في وعيهم ومُوجّها لسلوكهم.
أضف تعليق