
يُعدّ الوصل والفصل من أدقّ فنون البلاغة، لأنهما يتحكّمان في انتقال المعنى بين الجمل، فيقرّبان المقصود أو يبعدانه، وينشئان في ذهن السامع صورة واضحة أو ملتبسة.
والمقصود بالوصل عطف الجمل بعضها على بعض، وبالفصل ترك ذلك العطف. غير أن للوصل استعمالات مخصوصة، من أرقّها ما يسمّيه البلاغيون (وصل دفع الإيهام)، وهو أن يُوصل بين جملتين بحرف الواو لئلا يتوهّم السامع معنى غير مراد.
ومن أظهر أمثلته ما رُوي أن رجلًا مرّ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ومعه ثوب، فقال له الصديق: أتبيع الثوب؟ فقال الرجل: لا عافاك الله. ففهم أبو بكر أن العبارة توهم الدعاء عليه، لأن (لا عافاك الله) جملة واحدة معناها نفي العافية عنه. فقال له: لقد علمتم لو كنتم تعلمون. قل: لا، وعافاك الله. فتصبح لا جوابًا للسؤال، وعافاك الله دعاءً مستقلاً، والواو بينهما تمنع التباس المعنى وتعيد للكلام أدبه.
وهذه الواو ليست حرفًا عابراً، بل أداة إنقاذ للمعنى من سوء الفهم، لأنها تمنع التصاق النفي بالدعاء، وتُظهر قصد المتكلم على وجهه الصحيح. ولهذا استحسنها الأدباء وعدّوها من أجمل الواوات، لأنها جمعت بين سلامة المعنى وحسن اللفظ، وأثبتت أن حرفًا صغيراً قد يقلب معنى الكلام من دعاء بالسوء إلى دعاء بالخير.
ويُحكى عن الصاحب بن عباد أنه سمع مثل هذا فقال: (هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ على خدود الملاح)، يريد أنها زادت الكلام جمالًا كما تزيد خصل الشعر المتدلية خدود الملاح حسناً، وأنها جاءت في موضعها فأكملت المعنى وزيّنت اللفظ.
وهكذا يتبيّن أن الوصل في مثل هذه المواضع ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة بيانية تحفظ المعنى من الانحراف، وتُظهر قصد المتكلم، وتُنبئ عن فصاحته،وسمو أدبه ، وتمنح الكلام رونقًا لا يتحقق بدونه. وسلامتكم.
أضف تعليق