
قبل خمسين عاما تقريبا، حين بدأ التلفزيون يفرض حضوره على المجال العام، وظهر مفكرون غربيون يحذّرون من انتقال المجتمعات من ثقافة تقوم على القراءة والتحليل، وتنشأ في أروقة الجامعات ومراكز البحث، إلى ثقافة تعتمد على الصورة السريعة والانفعال.
كانوا يرون أن التلفزيون لا يغيّر طريقة عرض المعلومة فحسب، بل يغيّر طبيعة التفكير نفسه، وأنه يحوّل الحياة إلى تسلية، والتعليم إلى ترفيه، والخطاب العام إلى سلسلة من المشاهد المتتابعة التي تُستهلك دون أن تُناقش،و نشروا كتبا بهذا الصدد.
ومع أن تلك التحذيرات بدت في وقتها جريئة، فإنها كانت تتحدث عن وسائط محدودة، ذات اتجاه واحد، تخضع لرقابة مؤسسات إعلامية ومحررين ومراجعين.
اليوم، لم يعد الأمر انتقالا من الكتاب إلى التلفزيون، ومن قاعات المحاضرات إلى الاستوديو، بل انتقالا إلى فضاء مفتوح لا يشبه أي وسيلة عرفها البشر من قبل. فقد تغيّر شكل المعلومة، وأعيد تشكيل بيئتها بالكامل. فالمحتوى لم يعد يُنتج في غرف الأخبار أو في المؤسسات الأكاديمية، بل يُصنع في غرف النوم وعلى الهواتف المحمولة، ويصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق دون أن يمر بأي عملية تحقق أو مراجعة.
ومع هذا التحول، لم يعد الشكل أهم من المضمون فحسب، بل أصبح الشكل هو المضمون، وأصبحت السرعة معيارا للقيمة، والانتشار معيارا للحقيقة، بصرف النظر عمّن أتى بالمعلومة ومن أين أتت.
وساد منطق اقتصادي تحكم في المعلومة، لا علاقة له بالمعرفة أو التثقيف، فالأولوية للمحتوى الأكثر قدرة على الإثارة، لأن الاثارة تولّد الانفعال والانفعال يولّد تفاعلا والتفاعل يولّد بقاءً أطول على المنصات، والبقاء يولّد نقودا وكسبا.
وهكذا أصبحت الروايات المرسلة، والمواقف المصطنعة، والمشاهد المزيفة، والأحاديث الكاذبة وقودا يوميا للخطاب العام. وأصبح العَيِيّ خطيبا، والفاشل طبيبا، والجاهل خبيرا، والسفيه محللا، والمعتوه مفسرا، بلا ملل ولا رادع ولا خجل، وتراجع المضمون المحكَّم لصالح مادة هزيلة تقدم في مقاطع قصيرة وعناوين مثيرة.
ومع الوقت، تشكّلت فقاعات معرفية تعيش داخلها فئات تتلقى محتوى مصمما خصيصا لميولها، ومعزولة عن الحقائق المشتركة التي كانت تشكّل أساس النقاش العام.
هذا الانفتاح غير المنضبط للمنابر جعل المعلومة عرضة للتشويه، وأضعف قدرة طالب المعرفة الحقة على التمييز بين الحقيقة والتضليل وبين السليم و السقيم. ومع غياب وسيط معرفي يضمن الحد الأدنى من الجودة، أصبح المؤثر وصانع المحتوى والخوارزمية هم من يحددون ما يُناقش وما يُهمل، وما يُصدَّق وما يُكذَّب.
وفي هذا السياق، لم يعد الجمهور يتخلى عن عمق الخطاب طوعا، بل أصبح غير قادر على الوصول إليه أصلا، لأن البيئة التي تسمح بوجود خطاب عميق لم تعد قائمة.
طالب المعرفة اليوم أصبح يتلقى معلومات متدفقة من مصادر لا تخضع لأي معيار، ويواجه محتوى سريعا ومجزأً يصعب ربطه بسياق معرفي متماسك. ومع ضعف مهارات التحقق، أصبح من السهل أن تختلط المعلومة الصحيحة بالخطأ، وأن تتراجع القدرة على التفكير النقدي لصالح الاستهلاك السريع للمحتوى. وهكذا لم تعد المدرسة والجامعة المصدر الأساسي للمعرفة، بل أصبحتا جزءا صغيرا من بيئة معرفية واسعة لا يمكن السيطرة عليها.
نحن أمام ثقافة ليست لها مركزية، ولا مرجعية، ولا وسيط معرفي يحمي جودة المعلومة. ثقافة تتشكل فيها الحقيقة وفق ما تقرره الخوارزميات، ويتحدد فيها النقاش العام وفق ما يثير الانتباه لا وفق ما يستحق التفكير.
إن غياب المسؤولية وضعف المحاسبة حوّلا الساحة إلى فوضى معرفية تهدد قدرة المجتمعات على بناء فهم مشترك سليم. إن ما نواجه اليوم ليس مجرد تطور في وسائل الإعلام أو مصدر المعلومة، بل تحولا في بنية المعرفة نفسها.
وإذا لم تُبنَ منظومة جديدة توازن بين الانفتاح والمسؤولية، فإن المعلومة ستظل عرضة للتشويه، وسيظل التثقيف عاجزا أمام بيئة معرفية لا تعترف بالعمق ولا تمنح التفكير النقدي الوقت الذي يحتاجه ليعمل.
أضف تعليق