الحجاج ناقد حصيف .

انشدت ليلي الأخيلية الحجاج بن يوسف الثقفي ابياتا تمدحه فيها فلما قالت:
إذا نزل الحجاجُ أرضاً مريضةً * تتبّعَ أقصى دائها فشفاها.
شفاها من الداءِ العُضالِ الذي بها * غلامٌ إذا هزَّ القناةَ سقاها.
قال الحجاج: (يا خَيْلِيَّةُ، اجْعَلِينِي هُمَامًا، لَا تَجْعَلِينِي غُلَامًا). وفي رواية (لا تقولي غُلام، ولكن قولي هُمام).
لقد استوقفت الحجاجَ كلمةُ (غُلام) ورأى أنها لا تليق به، فهي قد تُشعر بالحداثة وصِغَر السن، وإن كانت العربية تطلقها أيضا على الشاب والرجل. ولكن هناك كلمة أقوى وقعاً وأرفع معنىً صِيغَت لمقام المدح، وتوحي بعِظَم الهمة والإقدام وهذا مكانها؛ فهي تقوم مقام كلمة (غلام) في الوزن، وبها يقوى معنى البيت وتبرز الصورة المختارة بلا لبس.
فكلمة (غلام) لا تنهض بحَمْل معنى من اتحدت فِعالُ همته وإقدامه، وقناته وحسامه؛ لذا رفضها رُغم ثنائه على فصاحة ليلى الأخيلية وبلاغتها، وشهادته لجليسه بتمكّن شاعريتها، فإذا كان مقامُ الإعجاب يستوجب التنويه، فإن ميزانَ النقد يقتضي التدقيق والتنبيه، خاصة وأن الشعر ممّا تتناقله الركبان، ويجري به كل لسان .
ومن هُنا، يجدر بالمبدعين الحذرُ من مغبَّة الاسترسال في اختيار الألفاظ ذات المعاني المشتركة، والحرص على انتقاء المفردات المناسبة للمواقف والمقامات، تلافياً لمثل هذه المآخذ النقديّة.

التعليقات

اترك تعليقًا