ثقافة العمل وأثرها في الأداء.

ثقافة العمل هي مجموعة القيم والقناعات والمعايير والاتجاهات المشتركة السائدة في بيئة العمل، التي تؤثر في سلوك العاملين ونظرتهم إلى المسؤولية والإنجاز والانضباط والتعاون وجودة الأداء. وتشمل الالتزام بالأنظمة، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والمبادرة، والنزاهة المهنية، والحرص على جودة المنتج أو الخدمة.

وقد تكون ثقافة العمل إيجابية، فتشجع على الإتقان والانضباط والتعاون، أو سلبية، فتترسخ فيها ممارسات خاطئة يعتادها العاملون، لا لقناعتهم بصحتها، بل لأنهم وجدوا من سبقهم يمارسها، ولأن البيئة المحيطة لم تضع حدًّا لها. وينشأ عن ذلك تفاوت بين ما تنص عليه الأنظمة والتعليمات وما يجري فعليًّا في الميدان.

ومع استمرار هذه الممارسات، قد تتحول إلى أعراف غير مكتوبة تنتقل من جيل وظيفي إلى آخر، حتى يصبح الخطأ مألوفًا والتقصير مقبولًا والجدية مستغربة. وتزداد خطورتها حين تصبح نمطًا سائدًا يدفع الموظف الجديد إلى التكيف معها، خصوصًا في ظل غياب القدوة المهنية وضعف المساءلة.

وتوجد هذه الظاهرة بدرجات متفاوتة في مختلف المهن والقطاعات، دون أن يعني ذلك سوء المهنة أو تساوي العاملين فيها في الأداء؛ فالمشكلة تكمن في الثقافة السلبية التي تتسامح مع التقصير ولا تميز بعدالة بين المجتهد والمقصر.

ولا تقتصر آثار هذه الثقافة على ضعف أداء المقصر، بل تمتد إلى احباط الموظف المجتهد حين يرى أن إخلاصه لا يقابَل بتقدير مناسب، وأنه يتحمل أعباء إضافية بينما يُعذر المقصر أو يُتستر عليه. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع دافعيته وشعوره بعدم جدوى بذل المزيد من الجهد. وهكذا تتراجع روح المبادرة، وتُعاد إنتاج الممارسات السلبية؛ إذ يتأثر الموظف الجديد بما يشاهده في بيئة العمل بقدر تأثره باللوائح، وربما أكثر.

ولا يكفي لإصلاح هذه البيئة إصدار أنظمة جديدة؛ فقد تكون الأنظمة واضحة، بينما يكمن الخلل في ضعف تطبيقها أو في الثقافة السائدة. ويقتضي الإصلاح وضع معايير واضحة للأداء، وتطبيق الأنظمة بعدالة، ومساءلة المقصر، وتقدير المجتهد، ومعالجة الممارسات المعوقة للإنتاجية. وقد يستلزم الأمر اتخاذ إجراءات وظيفية بحق من تثبت عدم كفاءته أو عدم صلاحيته للاستمرار في مسؤولياته، وفق الأنظمة المعمول بها.

والغاية أن يصبح الالتزام هو القاعدة، وأن ينعكس التميز على التقييم والمكافأة والفرص المهنية، وألا يمر التقصير دون معالجة مناسبة؛ فالمسؤولية ليست شعارًا، بل التزام تترتب عليه حقوق وواجبات، وثواب ومساءلة.

ومن المهم التمييز بين المهنة ومن يمارسونها؛ فقد تكون المهنة عظيمة ونبيلة، ومع ذلك يقصر بعض المنتسبين إليها. فسوء الممارسة لا يعني فساد المهنة ذاتها، كما أن وجود نماذج متميزة لا يعني تساوي جميع العاملين في الكفاءة والإخلاص.

إن ثقافة العمل عامل مؤثر في تحويل الأنظمة من نصوص مكتوبة إلى ممارسات واقعية؛ فالثقافة التي تعزز الانضباط والإتقان والعدالة وتحمل المسؤولية تدعم تحقيق أهداف المؤسسة، بينما تحد الثقافة المتسامحة مع التقصير من فاعلية الأنظمة، مهما بلغت جودتها ووضوحها.

ومن هنا، فإن بناء ثقافة عمل سليمة لا يقل أهمية عن وضع الأنظمة؛ إذ يتوقف نجاحها على عدالة تطبيقها، والقدوة المهنية، والمعايير التي تحكم الأداء اليومي، وتقدير المجتهد ومعالجة القصور. وبذلك تتحول القيم المهنية إلى ممارسات فعلية تسهم في تحسين الأداء وتحقيق أهداف المؤسسة.

التعليقات

اترك تعليقًا