الكثرة ليست معياراً لسلامة التوجه.

لا يصح اتخاذ الغالبية معياراً للحكم على صحة الرأي، أو صدق الموقف، أو سلامة التوجه؛ فالكثرة العددية لا تستلزم بالضرورة رجاحة الرأي، أو سعة الوعي، أو حسن الاختيار. فالحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، والصواب لا يُقاس بمدى الانتشار، كما أن قيمة الرأي لا تُستمد من شيوعه بين الناس أو ندرته فيهم.

فالعدد ليس ميزاناً للحقيقة، والغالبية ليست برهاناً على صواب التوجه؛ ولذلك لا يمكن الجزم بصحة توجه ما لمجرد حصوله على تأييد الأغلبية، كما لا يصح الحكم على توجه آخر بالسوء أو الخطأ لمجرد أنه لم يحظَ بتأييدها.

وهذه النظرة نجد لها شواهد في ثقافتنا الإسلامية ونصوصها الدينية، كما نجد لها أصداءً في آراء عدد من الفلاسفة والمفكرين من حضارات أخرى. فأفلاطون، مثلاً، انتقد إخضاع الحكم السياسي لإرادة العامة دون اعتبار كافٍ للمعرفة والحكمة والخبرة، محذراً من أن يؤدي ذلك إلى سوء التدبير وتقديم غير المؤهلين على أهل المعرفة.

وفي مثل هذه الأحوال نكون أمام ترجيح للإرادات والرغبات والتوجهات، لا أمام إثبات للحقيقة أو تعيين للأصوب والأجدر والأكثر ملاءمة. فإذا اتجهت إرادة الأكثرية ورغباتها إلى سلوك طريق معين، وكانت لها الغلبة العددية، فقد تضطر الأقلية إلى الانصياع لقرارها بحكم تلك الغلبة، لا لأن ذلك الطريق هو بالضرورة الأصح أو الأفضل، بل لأن إرادة الأكثرية هي المقدمة في مقام الحسم. وقديماً قال الشاعر العربي:

وما أنا إلا من غزية إن غوتْ.

غويتُ وإن ترشد غزيةُ أرشدِ.

ومن المعلوم أن الجماعات -العامة والدهماء-قد تتأثر أحياناً بالمنافع العاجلة والدوافع القريبة، وقد يغلب على بعض أفرادها قصر النظر أو استحكام الأهواء، فيؤثرون المألوف والشائع والمعتاد دون تمحيص كافٍ أو إدراك دقيق لحقائق الأمور.

ويرى جون ستيوارت مل (John Stuart Mill)، الفيلسوف والاقتصادي البريطاني، أن الأغلبية ليست بالضرورة على حق، ويحذر من استبدادها بالرأي، إذ قد لا يقتصر تأثيرها على التشريع والقرارات العامة، بل قد يمتد إلى قمع التنوع الفكري والفردية من خلال ضغط الرأي العام، بما يحد من حرية التفكير ويعرقل التقدم.

كما يرى عدد من المفكرين الغربيين المعاصرين أن شيوع الرأي وكثرة المؤيدين له لا يجعلان منه رأيا صحيحاً بالضرورة؛ فقد يكون انتشار بعض الآراء نتيجة الانقياد للجماعة والخوف من مخالفتها، لا نتيجة الاقتناع بصحتها.

فالمفكر والاقتصادي السياسي التركي الأمريكي تيمور كوران يوضح أن بعض الناس قد يخفون قناعاتهم الحقيقية ويظهرون تأييدهم للرأي السائد خشية العزلة أو الرفض الاجتماعي، فتبدو الجماعة متفقة، بينما لا يعكس هذا الاتفاق بالضرورة حقيقة مواقف أفرادها.

ويحذّر أستاذ القانون والمفكر السياسي الأمريكي كاس سانستين من آثار الامتثال الاجتماعي واستقطاب الجماعة، موضحاً أن مسايرة الأفراد للرأي السائد، واجتماع المتشابهين في التفكير، قد يدفعان الجماعة أحياناً إلى مزيد من التطرف والابتعاد عن الرأي المتوازن، خصوصاً حين تُهمّش الآراء المخالفة ويُغفل التنوع الفكري.

وتؤيد دراسات علم النفس الاجتماعي هذه المعاني؛ إذ أظهرت تجارب سولومون آش أن بعض الأفراد قد يسايرون رأي الأغلبية حتى عندما يتعارض مع ما يدركونه من حقيقة واضحة. كما كشفت دراسات الجهل التعددي أن الإجماع الظاهر قد لا يعكس بالضرورة القناعات الحقيقية لأفراد الجماعة. وتبين مراجعات علمية أن قيمة رأي الأكثرية تتوقف على كفاءة أصحابها واستقلال أحكامهم، لا على كثرتهم فحسب.

ومن مجموع هذه الآراء والشواهد يتضح أن الانقياد لتفضيلات الأغلبية والاستجابة لدوافعها لا يؤديان بالضرورة إلى مواقف محمودة العواقب أو نافعة على المدى البعيد؛ بل قد تترتب على مسايرة رغبات الجماعة دون تمحيص أضرار ونتائج غير محمودة.

قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ صدق الله العظيم.

التعليقات

اترك تعليقًا