
لابلاس عالم رياضيات وفلك عاش في عصر الثورة الفرنسية، وتوفي قبل نحو مئتي عام. لُقّب بـ(نيوتن فرنسا) لإسهاماته في الميكانيكا السماوية ونظرية الاحتمالات.
في مقدمة كتابه (مقالة فلسفية في الاحتمالات) طرح تجربة (فكرية تخيلية) تخيل فيها عقلًا فائق القدرة يدرك في لحظة واحدة جميع القوى في الكون، ومواضع كل الجسيمات وسرعاتها، ويمتلك ذلك العقل قدرةً تحليليةً لا متناهية. يختزل هذا العقل المتخيل حركة أكبر الأجرام وأصغر الذرات في معادلة واحدة، فيصبح كل شيء أمامه دون مفاجأة. أطلق العلماء لاحقًا على هذا الكيان المتصور اسم (شيطان لابلاس)، كما سمي (سوبرمان لابلاس).
اليوم، يبدو الذكاء الاصطناعي أقربَ محاولةٍ بشريةٍ لمحاكاة هذا العقل (اللابلاسي) المتخيل في الواقع، وإن اختلف عنه في الجوهر. فهو يستوعب كمّا هائلا من المعلومات ويعالج قدرا ضخما من البيانات، ويستعين بقدرات حوسبية متقدمة وسرعة فائقة؛ مما يمكنه من توليد نتائج مبهرة، وإنجاز أصعب المهمات، وحل أعقد مسائل الرياضيات. كما يستحضر ما تدرب عليه من بيانات ليضع حلولا لمعضلات مزمنة ويقدم توقعات مفيدة في جوانب عديدة، مثل أحوال الطقس، واتجاهات الأسواق، وانتشار الأوبئة والأمراض، وحتى أنماط السلوك البشري.
إنه يحول مساحة الجهل التي رآها لابلاس مصدرا للصدفة إلى مجال قابل للقياس والاستقراء الاحتمالي، وقد تبلغ توقعاته درجات عالية جدا من الدقة.
ويحمل هذا التطور مفارقة لافتة؛ فبينما يمتلك (شيطان لابلاس) فهما رياضيا شفافا للكون، يعمل الذكاء الاصطناعي غالبا كصندوق أسود يحقق دقة عالية دون أن يكشف المنطق الداخلي الذي استخدمه.
وهكذا، نقترب من حلم لابلاس في تقليص مساحة المجهول، بينما يظل هذا الشيطان الرقمي الجديد نفسه يثير تساؤلاتنا بغموضه، ويدفعنا للتفكير في حدود قدراته المستقبلية، وفي موقعنا نحن البشر من هذه المعادلة.
اترك تعليقًا