
تُشير الدراسات السلوكية والعصبية إلى أن الألوان تعمل كمحفزات بصرية تُنشِّط المسارات العصبية المرتبطة بالمعالجة الحسية. وينعكس ذلك على بعض آليات التنظيم العصبي، وعلى وظائف مرتبطة بالانتباه والحالة الشعورية.
ويتحدد مقدار هذا التأثير تبعاً لخصائص اللون، ولمدة التعرّض البصري، وللسياق الذي يظهر فيه اللون، كما يتفاوت بحسب حالة المتلقي، إذ تتفاعل الخبرة الإدراكية المكتسبة مع الاستجابات العصبية الأولية.
وتُظهر أبحاث قياس معدل ضربات القلب وتقلّبيته أن الألوان الدافئة ذات الأطوال الموجية الأطول – وعلى رأسها الأحمر والبرتقالي – ترتبط في كثير من السياقات بارتفاع نسبي في مؤشرات الاستثارة والتيقّظ، بما قد يوافق ميل الجهاز العصبي الودّي إلى زيادة معدل ضربات القلب ودعم التأهب الحركي، وقد يولّد ذلك شعوراً بالحماسة وزيادة الطاقة والقدرة على التفاعل السريع.
أما الألوان الباردة ذات الأطوال الموجية الأقصر – وعلى رأسها الأخضر والأزرق – فترتبط في دراسات أخرى بميل أكبر إلى الهدوء وانخفاض الإحساس بالتوتر. ولا تتوقف هذه الاستجابة عند الحدود البيولوجية الفطرية، بل تتداخل معها المحددات الثقافية والخلفيات البيئية والحضارية بوصفها عوامل إدراكية مكتسبة تشكّل التفسير النفسي والجسدي لكل لون، فتجعل التفاعل الإنساني مع المحيط البصري تجربة مركّبة تجمع بين الفطرة العضوية والتشكيل المجتمعي.
واللون الأخضر وهو من ألوان منتصف الطيف المرئي، ويُصنَّف إدراكياً ضمن الألوان الباردة، يُنظر إليه بوصفه لون التوازن والانسجام. وقد ربطته دراسات نفسية وفسيولوجية بتخفيف الإحساس بالتوتر والإعانة على الاسترخاء لما يجتمع فيه من اعتدال بصري وارتباط ذهني، فهو أرفق بالعين من كثير من الألوان الحادة عالية التباين وإدراكه أيسر وأقل إجهاداً في الإضاءة النهارية، لذا فهو يُعين على الطمأنينة وقد يفتح باب التفكير الهادئ والتعافي النفسي.
ولذلك تعتمد بيئات العمل الحديثة النباتات والجدران الخضراء ضمن ما يُسمّى التصميم المستلهَم من الطبيعة (التصميم البيوفيلي) – منهج في العمارة والتصميم الداخلي يقوم على دمج عناصر الطبيعة في المباني بهدف تحسين صحة الإنسان وراحته النفسية – طلباً لتخفيف التوتر ودعم التركيز وتحسين المزاج، وقد وثّقت مراجعات منهجية أثراً إيجابياً متفاوت القوة للنباتات والإطلالات الطبيعية في خفض مؤشرات الإجهاد الذاتي وبعض المؤشرات الفسيولوجية.
ويُستخدم اللون الأخضر في بيئات الرعاية الصحية، في منسوجات الستائر والملابس وفي ألوان قاعات الانتظار، لما يوفره من راحة بصرية وقدرته على تهدئة المرضى والطاقم الطبي، كما شاع استعمال اللون الأخضر والأزرق المخضرّ في ملابس الجراحين منذ أوائل القرن العشرين بعد العدول عن اللون الأبيض اللامع، ثم اتسع استخدامهما لاحقا في بقية عناصر البيئة الطبية.
وهذا البعد الجمالي والنفسي للون الأخضر يَبْرز في الآيات التي صوّرت نعيم أهل الجنة، إذ جُعِلَ اللون الأخضر ـ بما يحمل من دلالات السكينة والطمأنينة والجمال ـ لباساً لهم وزينةً لمتكئهم. قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ وقال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ صدق الله العظيم.
أضف تعليق