كُثَيِّرُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الخُزاعيُّ، المعروفُ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ، كان شاعرَ أهلِ الحجازِ في العصرِ الأمويِّ، لا يُقدِّمونَ عليهِ أحدًا، وكان بنو مروانَ يُعظِّمونهُ ويُكرِمونه. وكان مُفرِطَ القِصَرِ، دَميمًا، وفي نفسِه شَمَمٌ وتَرَفُّعٌ.
وقد حدث أنَّ كُثَيِّرًا كان يُنشدُ الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ قصيدةً له، وعنده الأخطلُ غِياثُ بنُ غَوْثٍ التَّغلِبيُّ، وكان نصرانيًّا — إذ كانت قبيلةُ تغلبَ نصرانيةً ثم أسلمتْ مع مرورِ الوقتِ -.
فقال الخليفةُ للأخطلِ: كيف ترى؟ فقد كان الخليفة يعلم الفارق بين أسلوب الشاعرين وبيئة شعرهما وأغراض الشعر عندهما فأراد أن يثري النقاش بسؤال الأخطل عن رأيه فيما سمع .
فقال الأخطلُ: حجازيٌّ مُجَوَّعٌ مَقْرورٌ، دَعْني أَضْغَمْهُ يا أميرَ المؤمنين — وكأنَّهُ احتقرَهُ لقِصَرِهِ ودمامتِهِ –(وأضغمه أي أعضه ويسمى الأسد ضيغما ) وأراد أن يفتعل موقفا يثير كثير عزة ، وربما دارت بينهما مساجلات كتلك التي كانت تدور بين الخطل وشعراء عصره مثل الفرزدق وربما لمس من سؤال الخليفة أنه يريد افتعال مثل هذا الموقف.
فقال كُثَيِّرٌ: من هذا يا أميرَ المؤمنين؟ (الأرجح أنه يعرفه ولكن أراد بالسؤال عنه التقليل من قدره فكأنه نكرة غير معروف لديه )
فقال له: هذا الأخطلُ.!
فقال له كُثَيِّرٌ: مَهْلًا، فهلا ضَغَمْتَ الذي يقول:
لا تطلبن خُؤولةً في تغلبٍ فالزنجُ أكرمُ منهمُ أخوالا.
والتغلبيُّ إذا تنحنحَ للقرى حكَّ استَهُ وتمثَّلَ الأمثالا.
فسكتَ الأخطلُ، فما أجابهُ بحرفٍ. والشِّعرُ من قصيدةٍ لجريرٍ يهجو فيها الأخطلَ.
يقول أبو العتاهية:
وَلَئِن ندمت على سكوتك مرة. فلقد ندمت على الكلام مرارا.
عندما يُنهي البعض مراحل التعليم الرسمي والدراسة المنهجية، يبدأ في بناء معرفته عبر اختيارات ذاتية يُشكلها ميوله وتتحكم فيها توجهاته. فيقرأ الكتب التي تستهويه، ويطّلع على الصحف والمجلات التي تناسبه، ويتابع البرامج والمقاطع التي تجذبه، ويزور المواقع التي تتماشى مع اهتماماته. كما يشارك في المنتديات والمؤتمرات التي تروق له، ويختار أصدقاءه وجلساءه ممن ينسجم معهم، متجنبًا ما لا يناسب ميوله، بل قد ينفر منه أحيانًا.
هذا السلوك طبيعي في الإنسان، وقد استغلت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، هذه الطبيعة الفطرية فتبرز لكل شخص المحتوى الذي يلبي ميوله، ومن خلال تتبع ما يشاهده أو يتابعه أو يكتبه، تعمل هذه التقنيات على تسهيل وصوله الى المادة التي تُشبع رغباته وتتماشى مع توجهاته.
والميل الفردي المحدود، والثقافة الموجّهة يحصران الفرد داخل دوائر معرفية مختارة، شبيهة بأغلفة دودة القز الحريرية التي تحتمي بها. فتصبح مصادره المعرفية مغلقة، ومحفزات التفكير محدودة، تقيّد العقل وتحصر الثقافة. والحكيم لا يحصر نفسه في دوائر معرفية ضيقة، بل يُوسّع آفاق تفكيره، وينهل من جميع الأوعية المعرفية لتطوير رؤيته الفكرية يستفيد من الإيجابيات ويتفادى السلبيات، مدركًا أن مصادر المعرفة واسعة وتحمل ما يعينه في حياته، ويمنحه حلولًا لتحقيق طموحاته وأهدافه.
إن القراءة في مختلف التخصصات، والاطلاع المفتوح على شتى جوانب المعرفة، وخوض التجارب الإيجابية في مجالات الحياة، إلى جانب مجالسة طبقات المجتمع المتنوعة من مختلف الأعمار، والحوار معهم وسماع آرائهم، والسفر والاحتكاك بأطياف البشر، كلها عناصر تُوسّع المدارك، فهي تُنمي المعارف وتُحسّن جودة القرارات في شتى مناحي الحياة.
اذا تأملنا الأشياء حولنا نجد أنها تمر في دورات، بعضها دورته قصيرة والبعض دورته طويلة، وكلها مرتبة على أساس منطقي هو: بداية، صعود وتوسع، وكمال ونضج، ثم نقص وانحدار ، حتى الوصول الى القاع و (مَـا طَـارَ طَـيْـرٌ وَارْتَفَعْ إِلَّا كَـــمَــا طَــارَ وَقَــعْ) . ومثال ذلك في علم الاقتصاد يوجد الدورة الاقتصادية، وتُعرف باسم دورة الأعمال، وهي حركة دائرية للاقتصاد أثناء انتقاله من النمو إلى التوسع ثم الذروة والكمال ثم الانكماش والهبوط الى القاع والعودة مرة أخرى. هذه نظرية معروفة ومألوفة يعرفها خبراء الاقتصاد ويسير على منهاجها رجال المال والأعمال . وهناك أمثلة كثيرة لدورات الحياة في كل منحى من مناحيها، تبلغ فيها الأشياء ذروتها ثم تنزل الى القاع مرة أخرى، ففي الأحياء دورات يمر بها كل كائن حي بما فيها الانسان يقول تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وحضارات الأمم، والامبراطوريات، تمر بدورات نشأة وصعود وسطوع ثم تواكل ، ودعة وضعف ،ونزول ، وانحطاط ،واضمحلال ، وأفول. اقرؤوا ذلك عند ابن خلدون ان شئتم. ولو تأملتم ما حولكم فسوف تلاحظون هذه الدورات… بقي أن نقول ان يجب على المرء العاقل التفكير جيداً في مناحي حياته وما حوله ويميز من هذه الدورات ما يعنيه، ويُخمٍن حَجمها، وعُمرها، وموقعه منها، وكيف يجني منافعها، ويتجنب تبعاتها.
هناك العديد من الصور على الانترنت على شكل قصاصات وملصقات اجتهد واضعوها في تجميلها فبعضها مؤطرة ومزخرفة، ينقلون فيها حِكماً ومَواعِظ وأقوالاً مأثورة وأشعاراً جميلة، وينسبونها الى كَاتب أو كِتاب، ويتناقلها الناس حباً في المعرفة. ويلاحظ أن بعض صانِعي ومنتجي تلك القصاصات، ينقلون نقلاً غير دقيق ويجْتَزئون الأقوال ويجتهدون أحياناً بالحذف والتبديل لبعض الكلمات اجتهاداً منهم في تبسيط المَنْقول للناس. ومن الواجب على من ينقل تلك القصاصات أو يروي محتواها أن يتثبت من صحة ما جاء فيها ويتتبع مصادرها ويدقق في صحة النقل، وتلكم هي الأمانة العلمية التي توجب نسبة كل قول لقائله، وكما جاء عنده لا عند مُجتهدٍ بَتَرَه من سياقه، أو بدل بعض كلماته، أو اجتهد في صيغة عباراته، دون تنويه أو اشارة. فاذا عَتَم علينا فهمه أو التبس معناه عتبنا على من ُنسب اليه القول وهو منه براء. وقد جاء في مقدمة كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي قوله: (ثم اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سويّ، فقطع أطرافه فتركه أشلّ اليدين، أبتر الرجلين، أعمى العينين، أصلم الأذنين، أو كمن سلب امرأة حليّها فتركها عاطلا، أو كالذي سلب الكميّ سلاحه فتركه أعزل راجلا) والعاقل لا يقدم على هذا الفعل المشين ولا يكون لفاعله معين.
سوء الظن وبناء الأحكام على مجرد الشكوك والأوهام من الآفات النفسية والأخلاقية التي تنخر في جسد العلاقات الإنسانية، وتفتك بروح التآلف والتلاحم بين الناس. إنه ذلك الشعور القاتم الذي يجعل الإنسان يفسر أفعال الآخرين على أسوأ وجه، ويُضمر في قلبه الريبة والشك تجاه كل تصرف أو موقف أو كلمة، حتى لو كانت بريئة. والشخص الذي يسيء الظن دائما يعيش في عزلة نفسية، يتوجس من كل من حوله، ويظن أنهم يتآمرون عليه، فيتحول إلى كائن انطوائي، دائم القلق، فاقد للراحة والسكينة. وظنه السيئ هذا لا يقتصر أثره عليه فحسب، بل يمتد ليهدم جسور الثقة، ويزرع العداوة، ويقوض أسس تماسك المجتمع.
وقد نهى الله تعالى عن هذا الخلق الذميم في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك لما فيه من ظلم للناس وافتراء عليهم دون بينة أو دليل.قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.
ومن أخطر أنواع سوء الظن أن يسيء الإنسان الظن بربه، فيظن أن الأقدار لا تحمل له إلا السوء، وأن دعاءه لا يُستجاب، وأن يظن أن الله لا يرحمه ولا يقبل منه ولا يعفو عنه. وقد ورد في الحديث القدسي: “أنا عند حسن ظن عبدي بي”. وفي الحديث أيضا «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».
و سوء الظن يدفع الإنسان الى تصرفات مكروهة ومذمومة، ويجعله يتجسس على الخلق ويتتبع عورات الناس، ويقع في الغيبة والنميمة، لما تلبسه من سوء الظن فتضعف ثقته بالآخرين فيكرهونه ويبتعدون عنه اتِّقَاءَ شَرهِ. قال الإمام الغزالي: (الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنساناً يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق).
قد يكون سوء الظن خلقًا ملازمًا لبعض الأشخاص، مسيطرًا على تفكيرهم معظم الوقت، وقد يكون طارئًا عند البعض لفترة محدودة بسبب ظروف تمر بهم أو مواقف تصادفهم. وقد يتلبس هذا الخلق الفرد دون أن يشعر به أو يعيه، مما يستوجب على الإنسان أن يكون واعيًا لسلوكه، مدققًا فيما يطرأ عليه من مواقف وتغيرات.
ولا يقتصر أثر سوء الظن على العلاقات العامة، بل يتغلغل إلى داخل الأسر والبيوت، فيفسد العلاقة بين الأقارب وبين الزوجين، ويشعل نار الخلافات، ويؤدي إلى الفرقة وقطيعة الرحم، وكل ذلك بسبب الحكم المتسرع المبني على ظنون لا أساس لها. ولهذادعا الإسلام إلى التبين والتثبت، وترجيح حسن الظن، والتمهل قبل إصدار الأحكام، لأن الإنسان لا يعلم ما في القلوب، ولا يملك مفاتيح النوايا. فحسن الظن يفتح أبواب المحبة، ويمنح النفس راحة وطمأنينة، ويجعل الإنسان متفائلًا مقبلًا على الحياة مرتاح البال محبوبا من الآخرين، بينما سوء الظن يحبس صاحبه في سجن من الشك والترقب والكراهية.
بمناسبة نقاشنا حول أهمية اللطف في التعامل مع الناس، وما أشرنا إليه من أن اللين والحلم والتغاضي من شيم الكرام، وأن السماحة تجمع القلوب، بينما يَنفُر الناس من الغِلظة والفظاظة، وأناللطف يُسعِف في تحقيق الأهداف أكثر مما يُسعِف العنف؛ ومع ذلك، فإن لعلماء النفس رأيًا في الموضوع، حيث يرون أن الإنسان السوي يحب أن يقول “لا” أحيانًا. وهناك كتاب صدر بعنوان “داء إرضاء الآخرين” – The Disease to Please للدكتورة النفسية هارييت بي برايكر، وقد صدر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002م، وصُنف ضمن الكتب الأكثر مبيعًا في حينه.
والكتاب لا ينتقص من قيمة اللطف في التعامل على النحو الذي ذكرنا، بل يهدف إلى تقويم سلوك بعض الناس الذين بلغ بهم الحال إلى ما يُعرف بـ”متلازمة إرضاء الآخرين”، وهي حالة من المبالغة في اللطف وعدم الممانعة، ناتجة عن قصور سلوكي. وهذه الحالة ضارة ومؤذية للشخص، وذلك حين تتحول الرغبة في إرضاء الآخرين إلى نمط نفسي قهري، لا ينبع من كرم الشمائل دائمًا، بل من خوفٍ دفين من الرفض وتبعاته، أو شعورٍ بعدم الثقة بالنفس، أوعجزٍ عن قول ما يعتقد المرء صحته وصوابه.
ويرى الكتاب أن هذه الحالة نوع من الإدمان السلوكي الذي يُعطّل حياة صاحبها ويستهلك طاقته، لما يكابده من معاناة نفسية وحسية، وصعوبة في قول “لا”، إذ يتحمّل مسؤولية مراعاة مشاعر الآخرين، ويشعر بتأنيب الضمير إن لم يستجب لطلباتهم ويحقق رغباتهم، ويقيس قيمته الذاتية بمدى رضاهم عنه، حتى إنه “يعيش وكأن قيمته لا تُقاس إلا من خلال عيون الآخرين.” وهؤلاء “الأشخاص الذين همّهم إرضاء الجميع ليسوا مجرد لطفاء يُفرطون في المجاملة، بل هم أسرى حاجة قهرية لاكتساب قبول الآخرين.”
وتقع المشكلة حين يتحول الأمر من مجرد سلوك اجتماعي طبيعي إلى مرحلة إدمان، فيسعى إلى نيل الاستحسان أو القبول من الآخرين ولو على حساب حاجته وراحته، ولسان حاله يقول: “لا يجوز أن أُخيّب ظن أحد”، و”احتياجاتي أقل أهمية من احتياجات الآخرين”، ويتجنب الرفض مهما كان الثمن خشية النقد أو الاستنكار، مما يضخّم المشكلة ويحوّلها إلى مرض حقيقي، خاصة حين يُستغل من الآخرين الذين يدركون نقطة ضعفه.
ويشير الكتاب إلى أن هذا النمط من التفكير غالبًا ما يكون نتيجة لتربية مشروطة، حيث يتعلم الطفل أن الحب والقبول لا يُمنحان إلا بالطاعة والسلوك المثالي. ومع الوقت، تتحول هذه القناعة إلى عادة نفسية تدفعه إلى تهميش ذاته في سبيل إرضاء الآخرين، مما ينعكس على شخصيته بشعور دائم بالضغط والتوتر، وعلاقات غير متوازنة، ولومٍ للذات وتحسرٍ مستمر.
لذا، فإن هذا النمط السلوكي يجب أن يُقوَّم، وعلى صاحبه أن يتعلم أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، وأن من الواجب تعديل سلوكه، وأن يتعلّم متى يجب أن يقول “نعم”، ومتى يجب أن يقول “لا”. فاللطف لا يتعارض مع الحزم، ولا يستلزم أن تتفق دائمًا مع الغير، والحلم لا يعني التنازل عن الحقوق، والرحمة لا تبرّر الذوبان في الآخرين، وأن “من حقك أن تقول لا، وأن ترفض دون شعورٍ بالذنب، وأن تحمي وقتك وطاقتك من الاستنزاف”، وتحترم ذاتك وتتمسك برأيك.
فالغاية ليست أن يُحبّنا الجميع، بل أن نحيا باتزان، ونحترم أنفسنا دون أن نسقط في هاوية الموافقة الدائمة. فأنت تستحق الاحترام حتى لو لم تُرضِ الجميع.
الحياة أجمل حين نعيشها وفق قناعاتنا، لا كما يريدها الآخرون. حين نسلك طريقنا بثقة وننأى عن تدخل المتطفلين، تتفجر الطاقات وتزدهر الأفكار، ويغدو تحقيق الأهداف أيسر.كم نهدر من وقت وجهد في إزاحة عوائق وضعها غير المعنيين بدعوى الخوف علينا والاهتمام بنا .
دعني أعيش كما أريد، دعني أعمل، دعني أُبدع… لا تصرّ على أن أقتفي خطاك، فأنا لست نسخة مكررة منك. يقول “سقراط”: “اعرف نفسك”، فالمعرفة تبدأ من الذات لا من تقليد الغير. التنوع في الفكر منهج حضاري، فلا ينبغي حصر الجميع في قالب واحد. قال “جون لوك”: “العقل ليس وعاء يجب ملؤه، بل نار يجب إشعالها”، وبهذا تُدرك أهمية تفتيح الآفاق وإثارة التساؤل.
الإبداع فطرة في كل إنسان، فإن نُميَّت بحرية، تطورت لصالح الجميع، وإن قُمعت، تلوثت بطفيليات التقليد. وقد أشار “إيمانويل كانت” إلى أن “التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي يتحمل مسؤوليتها بنفسه”. فلا تنمية بلا استقلال فكري واحترام للعقول وابداعها.
الأمم الحيّة تُجدد ذاتها وتغير من أوضاعها أما الأمم الجامدة فتشيخ باكرًا، وكما قال مالك بن نبي: “حين تكون الأمة مبدعة، تُصنع الحضارة من حولها تلقائيًا”. والإبداع ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لتقدّم المجتمعات.
الكرمُ صفة إنسانية راقية تعبر عن العطاء والسخاء دون انتظار مقابل، ولا يقتصر الكرم على بذل المال أو اطعام الطعام فقط، بل يشمل العطاء مهما كان بما فيه الوقت، والجهد، والمشاعر، والمساندة المعنوية. والكرم الحقيقي ينبع من القلب بلا تصنع أو رياء، حيث يمنح الإنسان بسخاء لأنه يؤمن بقيمة العطاء، وليس لأنه يبحث عن شكر أو امتنان. إنه القدرة على مشاركة الخير مع الآخرين، سواء طلبوا منه ذلك أم لا، ونشر الأثر الإيجابي دون التفكير في مردوده الشخصي. فتقديم النصيحة بإخلاص كرم، ومشاركة المعرفة كرم، والنصيحة الصادقة كرم، ونجدة الملهوف كرم، ونصرة المظلوم كرم، ومساعدة المحتاج كرم، وحتى مجرد الاستماع بانتباه لمن يحتاج إلى دعمك كرم.
ومع توالي الخير والنعمة التي انعم الله بها علينا، أصبحنا نتبادل الدعوات وننصب السرادقات ونقيم الموائد وربما قُدم الطعام مما لذ وطاب ولم ينل منه المدعو الا الشيء اليسير.
لقد اختزلنا في وقتنا الحاضر معنى الكرم ومضمونه فيما يقدمه الداعي من طعام، فبقدر ما تكون نوعيته جيدة وكميته كبيرة يوصف بالكرم، وتناسينا نوايا الداعي ودوافعه عندما يدعو الاخرين، وحاجة المدعو الى ما يقدم له من طعام او شراب، كما تناسينا الاسراف المنهي عنه، بل نسينا معنى الكرم الحقيقي.
كان الناس قديما يفتحون بيوتهم للضيوف الذين ألجأهم الجوع والظمأ، يجدون الترحيب والقِرى ويأنسون ويأمنون وربما بقوا يومين أو ثلاثة وربما أكثر مكرمين معززين، وقد لا يعرف المُضِيف هؤلاء الضيوف الغرباء، وليس له عندهم حاجة ولا يرجو من وراء استقبالهم وضيافتهم نوالا، وقد كان الضيوف في امس الحاجة الى هذا الكرم من مأوى وطعام وشراب. وَباتَ أَبوهُم مِن بَشاشَتِهِ أَبا ً* لِضَيفِهِمُ وَالأُمُّ مِن بِشرِها أُمّا.
بادئ ذي بدء لقد سعدت كثيرا عندما علمت بصدور العدد -الأول من مجلة النخيل والتمور، والحق أن رئيس التحرير الأخ الدكتور / عبد الله بن محمد الحمدان سبق أن أسر إلى بنيته في. إخراج هذه الإصدار متوسما عندي النصح عندما علم باهتمامي. بأشجار النخيل والتمور من باب الهواية، وقد شجعته على ذلك فهو -المختص في هذا المجال، والمؤهل فيه، وهو ابن بجدتها، وعذقيها المرجب ترعرع بين حيشها، ورقى عيدانها، فمن غيره لها.
النخلة أيها الكرام شجرتنا أبناء الجزيرة العربية، فهي جزء من شعار دولتنا، وهي رمز عزتنا ومصدر ضيافتنا، وعنوان -كرمنا النخلة عاشت معنا ولنا، وعانت قسوة المناخ وتحملتها مثلنا. في عمرها المديد، كما تحملها أجدادنا وآباؤنا، وأسعفتهم بغذاء -طيب متكيف مع مناخهم وأكثر من الغذاء. فهي عمتنا (أكرموا عمتكم النخلة).
تداخلت النخلة مع تقاليد الآباء والأجداد وتراثهم في -أشعارهم وأمثالهم ومروياتهم حتى أصبحت جزءا منهم، فهي لابن الصحراء نعم المعين والمسعف على شظف العيش وقلته، وهي. اليوم كما كانت في الماضي باسقة نائفة بكل شموخ تؤتي أكلها ثمرا طيبا مباركا، لم تنقض العهد ولم تنكث المواثيق. فهل نحن أوفياء لوفائها؟ وهل قدرناها حق قدرها؟
من منا لا يتصبح كل يوم ببضع تمرات؟ ومن منا لا يفتخر بتقديم التمر أول ما يقدم لأضيافه.
لقد رأينا جهودا طيبة بذلتها وتبذلها جهات رسمية لتعزيز زراعة هذه الشجرة والإكثار منها، والمحافظة عليها. ولكن الأمر من وجهة نظري يتعدى الجهود التي تبذلها الجهات الرسمية فمن حق هذه الشجرة المباركة علينا، أن تحظى بعنايتنا واهتمامنا عناية واهتماماً خاصين على كل مستوى، وان نضع نصب أعيننا انه لا غنى لنا عنها على المدى القريب والبعيد. وهذه المجلة جهد. مشكور في هذا الاتجاه.
التمور يجب أن تكون سلعتنا الاستراتيجية، وتنمية النخيل لابد أن تبقى هدفا استراتيجيا لنا، إن السلع الاستراتيجية هي التي تستهدفها الأمم وتضعها موضع التركيز بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، من حماية ومحافظة وإكثار، ودعم لتكون الركيزة للتنمية والأمن الغذائي، والدعامة التي يُرْكن إليها بعد عون الله تعالى عند الحاجة وعند شح الموارد. وعندما تبخل الأمم بما تنتج مستبقيته قوتا لشعوبها.
إن التمور بفضل الله غذاء و (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر). وهي سلعة بل أفضل سلعة يمكن أن تنتخب لتكون قوام الأمن الغذائي لنا أبناء الجزيرة العربية وغيرها، فللنخلة مزايا نسبية عديدة تنافس أي شجرة أخرى. فهي واحدة من أقوى الأشجار المثمرة تحملاً لقسوة المناخ وتكيفا معه، وهي لا تتطلب سوى الحد الأدنى من الماء. وتستطيع الصمود في وجه الجفاف وتقلبات الطقس من برد قارس وحر جاف، وكذلك تستطيع الصمود والبقاء متكيفة مع ملوحة التربة مقاومة كل ذلك مددا طويلة لا يضارعها في هذا أي شجرة مثمرة على الإطلاق، ومع ذلك فهي تؤتي أكلها ثمرا سائغا شهيا يقاوم هو الآخر عوامل المناخ وظروف التخزين والنقل، حيث يبقى محتفظا بكامل عناصره الغذائية بأدنى وسائل الحفظ وأقلها تكلفة لمدد لا تصل إليها أي ثمرة أخرى.
ومع ذلك فالتمور من أغنى المحاصيل الزراعية بالعناصر الغذائية. إن كيلوجراما واحدا من التمور يحتوي على حوالي (۳۰۰۰) ثلاثة آلاف سعر حراري مقارنة بكيلوجرام واحد من الأرز لا يحتوي إلا على حوالي (۱۸۰۰) ألف وثمانمائة سعر حراري وكيلوجرام واحد من الموز لا يحتوي إلا على (۹۷۰) تسعمائة وسبعين سعراً حراريا.
وإذا كان برنامج الأمم المتحدة الخاص بالأمن الغذائي (SPFS) يرى أن الأمن الغذائي هو عندما يكون لجميع السكان في جميع الأوقات فرصة الحصول على الغذاء الكافي والسليم والمغذي، بما يفي باحتياجاتهم التغذوية وأفضلياتهم الغذائية للتمتع بحياة نشطة وصحية. فهل هنالك ما هو أفضل لسكان الجزيرة العربية وغيرهم من التمور. فهي الغذاء وأفضل غذاء يمكن أن تنتج منه أرضهم القدر الكافي والمغذي السليم المفضل لديهم.
لقد كان من بين توصيات الدورة الثامنة والعشرين للمؤتمر الإقليمي للشرق الأدنى الذي عقده المكتب الإقليمي للشرق الأدنى التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في صنعاء بالجمهورية العربية اليمنية في عام ٢٠٠٦م، أهمية أن تكون استراتيجيات التأهب للتخفيف من وطأة الجفاف متسقة مع الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة التصحر، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. ودراسة زيادة الاستثمار في البحوث الزراعية لتحسين كفاءة استخدام المياه والإنتاج المحصولي في ظل ظروف نقص المياه واستنباط أصناف مقاومة للجفاف والملوحة.
إن هذه التوصيات تعطي مؤشرات عامة لتنسيق أهداف تنموية في الزراعة وإنتاج الغذاء، ترتبط فيها استراتيجيات التحرك بما يخدم أهداف هذه التنمية، في توفير المياه والتخفيف من وطأة شحها، ومكافحة التصحر، وإنتاج الغذاء.
فإذا ما وفرنا من كميات المياه المتاحة، ورشدنا استهلاكها في الزراعة، وذلك بالتركيز على محاصيل لا تستهلك إلا كميات قليلة، وتقبل ملوحة المياه والتربة، وتتكيف مع الأجواء حارة وباردة، وتعطي إنتاجا معقولا نسبياً. فإننا بذلك نصيد عصفورين بحجر واحد، حيث نرفع وطأة التصحر والجفاف، ونكسب بالتشجير المثمر الإنتاج وتوفير المياه.
إن هذا ما أنشئ من أجله المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكاردا – (ICARDA) . ولكن ما يعنينا هنا هو أن نخيل التمور، هي من أكثر الأشجار ملائمة للقيام بهذا الدور، بل هي أفضلها على الإطلاق هنا في الجزيرة العربية، حيث شح المياه أكثر وضوحا من أي مكان آخر. وهو ما لم يغفل عنه (الايكاردا – ICARDA) حيث عقدت ندوات و لقاءات ومشاورات بشأن مناسبة تبني نخيل التمور، وتشجيع زراعتها لأنها المرشح الأكثر كفاءة للقيام بهذا الدور.
كما أن البرنامج الخاص بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة للأمن الغذائي (SPFS)، قد تبنى هو الآخر إدخال زراعة نخيل التمور في الساحل الإفريقي الغربي، في دول النيجر، ومالي، والسنغال، وبوركينافاسو، حيث يسود المناخ الجاف تلك المناطق، وباعتبار النخيل الأشجار الأكثر ملاءمة للقيام بهذا الدور.
إن لدينا في الجزيرة العربية أنواع وأصناف من النخيل تأقلمت مع تربتنا ومناخنا كما أن لدينا خبرات تراكمت على مَرٍ العصور والأزمان في زراعة هذه الشجرة واستصلاحها والتعامل معها، وهي خبرات مستوطنة لا يستهان بها، وقل أن تجد من ينافسنا فيها.
النخيل بدأت في أرض الجزيرة، وتوارثت زراعتها الأجيال لآلاف الأعوام، وما زالت باقية وماثلة أمامنا صباح مساء ما بقي النيران. امتدحها الله عز وجل في كتابه العزيز فقال: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً ميتاً كَذَلِكَ الخُرُوج). وأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمحافظة عليها، ففي الصحيحين: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فان استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها). فبقيت معنا ولنا، ثروة يجب علينا عدم التفريط فيها.
أورد أبو حاتم السجستاني (المتوفى عام ٢٥٠هـ) في كتابه النخل، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انه سأل رجلا من أهل الطائف: الحبلة خير أم النخلة؟ يعني شجرة الكرم فقال الطائفي الحبلة أتزببها وأتشننها، وأصلح بها برمتي يعني الخل، وأنام في ظلها، فقال له عمر رضي الله عنه: لو حضرك رجل من أهل يثرب لرد هذا عليك، قال: فدخل عبد الرحمن بن محصن الأنصاري فاخبره عمر خبر الطائفي فقال: ليس كما قال، إني إن أكل الزبيب أضرس وإن أدعه أغرث، ليس كالصقر (الصقر هو الدبس والمقصود هنا التمر الناضج) في رؤوس الرقل الراسخات في الوحل المطعمات في المحل، تحفة الكبير، وصمتة الصغير، وزاد المسافر، ونضيج فلا يعني طابخا، نحترش به الضباب بالصلعاء، وتخرسته مريم بنت عمران، فقال عمر رضي الله عنه: ما أراك يا أخا الطائف إلا قد غلبت.
نعم لقد غلب لأنه لا شجرة في الجزيرة العربية تنازع النخلة في المكانة، والسلام عليكم.
جاء نادي الهلال السعودي إلى بطولة كأس العالم للأندية 2025 وهو يحتل الوصافة في الدوري السعودي خلف نادي الاتحاد، الذي توّج ببطولتي الدوري وكأس الملك. لم يكن الهلال في أفضل حالاته الفنية؛ فقد دخل البطولة مثقلاً بغيابات مؤثرة في عدة مراكز، وسط تساؤلات حول قدرته على مجاراة الفرق العالمية.
ورغم كل ذلك، قدّم الهلال ملحمة رياضية نادرة، حيث أظهر روحًا قتالية عالية، ونجح في مقارعة نخبة الفرق المشاركة، ثم فجّر المفاجأة الكبرى عندما أطاح ببطل أوروبا مانشستر سيتي بنتيجة 4-3، في مباراة وصفتها الصحف البريطانية بـ”الضربة الكروية القاضية”.
لم يكن هذا الانتصار مجرّد فوز عابر؛ بل أشار بوضوح إلى أن الدوري السعودي بات قوة صاعدة عالميًا، تُخرج فرقًا قادرة على المنافسة في أصعب الظروف، أمام أعتى الخصوم. الهلال وإن لم يكن الفريق الأول محليًا هذا الموسم، أثبت أن الكرة السعودية تدخل مرحلة من التطور النوعي، وأنها تمضي بثقة نحو الريادة.
لقد أصبح الهلال نموذجًا للنهضة الرياضية في المملكة، والكرة السعودية باتت اليوم رمزًا للنمو السريع الذي شمل مختلف مناحي الحياة، من الرياضة إلى الاقتصاد إلى الثقافة.