
(ينبغي أن يُعلم أن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة التصديق بما أخبر الله به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، من جميع الأمور المتعلقة بالآخرة والحساب والجنة والنار، وفيما يتعلق بالموت والقبر وعذابه ونعيمه، وسائر أمور الغيب مما جاء في القرآن الكريم أو صحت به السنة المطهرة. فعلينا الإيمان والتسليم والتصديق بذلك؛ لأننا نعلم أن ربنا هو الصادق فيما يقوله سبحانه وفيما يخبر به جل وعلا، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، وقوله سبحانه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}. ونعلم أن رسول الله ﷺ أصدق الناس، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحَى، فما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة وجب التصديق به، وإن لم نعرف حقيقته. فالواجب علينا أن نصدق بما جاء به من أمر الآخرة، وأمر الجنة والنار، ومن نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وكون العبد في القبر يُعَذَّب أو يُنْعَم، وتَرْد إليه روحه؛ كل هذا حق جاءت به النصوص، فعلى العبد أن يسلم بذلك، ويصدق بكل ما علمه من القرآن، أو صحت به السنة، أو أجمع عليه علماء الإسلام. ثم إذا منَّ الله على المؤمن والمؤمنة بمعرفة الحكمة في ذلك والأسرار، فهذا خير إلى خير، ونور على نور، وعلم إلى علم، فليحمد الله وليشكره على ما أعطاه من العلم والبصيرة في ذلك، التي منَّ الله عليه بها حتى زاد علمه، وزادت طمأنينته.) هذه المقدمة مقتطفة من إجابة للإمام ابن باز رحمه الله عن سؤال حول الحياة في القبر.
نعم نحن نؤمن بوجود حياة بعد الموت وأن الميت يعي ما حوله ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ، إنَّه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا.) ولكن غالبية اللادينية لا يؤمنون بحياة البرزخ ولا بالبعث والنشور، وقد لفت نظري ما قرأته عن نظرية حديثة طرحت في الغرب، وبين مجتمعات تتفشَّى فيها العلمانية والإلحاد واللادينية. وإن كانت النظرية فلسفية الطَّرْح، إلا أنها تعطي تفسيرًا –ولو جزئيًا– لما نؤمن به بشأن الحياة بعد الموت. فقد طرحت الأستاذة ماريا ستروم وهي عالمة فيزيائية نرويجية تعمل أستاذة في علم المواد وتكنولوجيا النانو بجامعة أوبسالا في السويد، نظرية حول ما الذي يحدث بعد الموت؟ ترى فيها أن الوعي ليس مجرد نتاج الدماغ البشري، بل هو كيان أساسي موجود في الكون ذاته، يشبه حقلًا كونيًا يسبق المادة والطاقة.
في هذا التصور، يصبح الوعي الفردي موجة عابرة على سطح محيط لا ينتهي، تظهر وتختفي، لكن المحيط الذي يشكِّلها يبقى دائمًا. وعندما يموت الإنسان، لا يختفي وعيه، بل يعود ببساطة إلى هذا الحقل الكوني، وكأن الموت ليس نهاية، بل عودة إلى الأصل.
وتُفَسر هذه النظرية ظواهر مثل التَّخَاطُر –الذي يُفهَم عادةً كتواصل مباشر بين عقلين دون وسائط حسِّيَّة– ويمكن الآن تفسيره على أنه تفاعل بين عقلين يستمدَّان وجودهما من نفس الحقل الكوني، فيلتقِط أحدهما ما يطرحه الآخر كما لو كانَا يسبحان في بحر واحد. ومثل تجارب الاقتراب من الموت، حيث يصف الناس الذين مروا بهذه التجربة خروجهم من أجسادهم، أو عبورَهم أنفاقًا مظلمة نحو ضوء ساطع، أو لقاءَهم كيانات غامضة؛ وهو ما يمكن إرجاعُه –حسب النظرية– إلى آلية عصبية مشتركة قد ترتبط بهذا الحقل العميق للوعي.
الأبحاث العلمية بدأت بالفعل تقترب من هذه الفكرة. فبعض العلماء يعتقدون أن الدماغ ينتج مادَّة (DMT) طبيعيًا، وربَّما يفرزها عند لحظة الموت، مما يفسِّر الرؤى الغريبة التي ترافق هذه التَّجَارِب. كما أن دراسات في علم الأعصاب أظهرت أن جماعات من المتَّأَمِّلِين قد يظهر لديهم تَزَامُن في نشاط الدماغ، وكأنَّهم يتشاركون حالة عقلية واحدة، وهو ما يمكن أن يُفهَم كتواصل عبر الحقل الكوني للوعي. وهناك أيضًا نظريات فيزيائية حول الوعي الكمِّيّ، التي ترى أن الوعي مرتبط بالبنية الكمِّيَّة للدماغ، وهو اتِّجَاه يتَقَاطَع مع هذه النظرية.
ما يجعل هذه النظرية مثيرةً أنَّها لا تكتفي بالطَّرْح الفلسفيّ، بل تقدِّم إمكانيَّة اختبار علميّ. فإذا كان الوعي بالفعل جزءًا من حقل كونيّ، فإن فحوصات الدماغ لأشخاص في حالات تَأَمُّل عميق أو انسجام عاطفيّ قد تكشف عن تَزَامُن غير تَقْلِيدِيّ في نشاطِهِم العَصَبِيّ، وهو ما سيكون دليلًا عَمَلِيًّا على وجود هذا الحقل. وهنا يصبح التَّخَاطُر أو الرُّؤَى في تجارب الاقتراب من الموت ليس مجرَّد خوارق، بل انْعِكَاسًا لتواصل العقول عبر محيط الوعي الكونيّ.
الجديد أنَّ العلم الحديث بدأ يقترب من هذه الرُّؤَى، محاولًا أن يمنحَها إطَارًا تجريبيا. وإذا صَحَّتْ هذه الفرضيَّة، فإنَّها ستُعِيد صيَاغَة فَهْم الوعي والموت وما بعده، وفق ما نؤمن به من وجود وعي وحياة بعد الموت. فهذا خير إلى خير، ونور على نور، وعلم إلى علم، والله أعلم.










