الكاتب: أحمد مصلح الثمالي .

  • دارة عصبية في الدماغ ..

    تُعد الاستجابة الشرطية إحدى أقدم النظريات في علم النفس، وقد وضع أسسها الطبيب الروسي إيفان بافلوف عام 1903، كما جاءت الإشارة إليها لدى الفيلسوف أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وتقوم هذه النظرية على أن الكائن الحي يتعلم الربط بين مثير ونتيجة، مما يجعل السلوك لاحقًا استجابة تلقائية لهذا الارتباط.

    وفي خطوة علمية حديثة لفهم آليات الدافعية البشرية على المستوى العصبي، كشف فريق بحثي من جامعة كيوتو اليابانية عن دارة عصبية جديدة قد تفسر سبب صعوبة البدء في المهام أو إنجازها لدى الكثيرين – ما يُعرف عادةً بالكسل أو التراخي – حتى مع وجود رغبة حقيقية في القيام بها. ونُشرت نتائج هذا البحث في مجلة (Current Biology)، وهي مجلة علمية محكمة وتُعد من أبرز المنصات العالمية لنشر الاكتشافات العلمية الرائدة.

    يركز الاكتشاف على دارة عصبية تربط بين منطقتين رئيسيتين في الدماغ تلعبان دورًا أساسيًا في تقييم المكافآت – وهي أي نتيجة إيجابية متوقعة مثل الشعور بالإنجاز أو الفائدة الملموسة – والمخاطر والمثبطات – أي النتائج السلبية المحتملة مثل الفشل أو بذل جهد كبير دون ضمان نجاح -. ويقوم الدماغ بموازنة هذين الجانبين باستمرار قبل اتخاذ قرار أو البدء في مهمة.

     وأظهرت الدراسة أن هذه الدارة تعمل كآلية كبح (فرملة) داخل الدماغ. فمع زيادة نشاطها، يصبح الفرد أقل قدرة على بدء المهام تباطؤ أو تردد وكسل، حتى لو كانت المكافأة المتوقعة كبيرة. وعلى النقيض، يؤدي انخفاض نشاطها إلى ارتفاع الدافعية، وربما إلى اندفاع أو تهور في اتخاذ القرارات. وقد أثبت الباحثون ذلك من خلال تجارب علمية مخبرية دقيقة.

    ويمثل هذا الاكتشاف خطوة هامة نحو فهم أعمق لاضطرابات الدافعية، مثل التردد المزمن، التسويف، وبعض أعراض الاكتئاب أو الفصام أو مرض باركنسون. كما يفتح أبوابًا لتطوير علاجات مستقبلية تستهدف هذه الدارة، مثل التحفيز العميق للدماغ أو الأدوية، لتحسين القدرة على اتخاذ القرارات والبدء في المهام والإنجاز.

    ولا يقدم هذا البحث تفسيرًا بيولوجيًا فحسب، بل يسلط الضوء أيضًا على تفاعل الدماغ مع الضغوط اليومية، وكيف يمكن لآليات عصبية دقيقة أن تحدد ما إذا كنا سنبدأ المهمة الآن أو نؤجلها أو نشطبها نهائيًا من أجندتنا. قال تعالى (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) صدق الله العظيم.

  • الصحة في الغذاء .

    تمّ في الولايات المتحدة الإعلان عن تحديث للسياسة الغذائية الفيدرالية، وهي مجموعة القوانين واللوائح والبرامج التي تضعها الحكومة المركزية (الفيدرالية) لتوجيه إنتاج الأغذية، وسلامتها، وتوزيعها، واستخداماتها، وحماية المستهلك، وتتضمن جوانب مثل الإرشادات الغذائية، ودعم المزارعين، وبرامج المساعدات الغذائية، والتنظيم الصحي، وتشمل وكالات عديدة مثل وزارتي الزراعة والصحة، وإدارة الغذاء والدواء (FDA).

    وفي خطوة تُعدّ من أبرز عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ السياسة الغذائية الفيدرالية، أصدرت الإرشادات الغذائية للأمريكيين   (Dietary Guidelines for Americans 2025–2030)، ووضعت البروتينات عالية الجودة والدهون الصحية ومنتجات الألبان كاملة الدسم في صدارة الهرم الغذائي الجديد، وهو تحول واضح عن التوصيات السابقة التي كانت تمنح الحبوب والكربوهيدرات مساحة أكبر بكثير.

    ويعكس هذا التغيير إعادة ترتيب للأولويات الغذائية، يقوم على تعزيز دور البروتينات (بما فيها المصادر الحيوانية) والدهون المفيدة من مصادر كاملة (مثل اللحوم، الأسماك، البيض، الألبان كاملة الدسم، المكسرات، الزيتون، والأفوكادو) مقابل تقليص الاعتماد على الحبوب المكررة والأطعمة فائقة المعالجة والسكريات المضافة، مع الدعوة الصريحة إلى “تناول الطعام الحقيقي” (eat real food) وتجنب المنتجات المعالجة بشدة.

     وفي سياق متقاطع، كشفت دراسة صينية حديثة، عن نتائج لافتة تشير إلى أن الأشخاص الذين يتبعون نظاماً نباتياً صارماً (خاصة في سن 80 عاماً فما فوق) لديهم احتمالية أقل للوصول إلى سن المئة مقارنة بمن يتناولون نظاماً غذائياً متوازناً يشمل اللحوم (omnivores)، وخصوصاً لدى كبار السن منخفضي الوزن. كما أكدت الدراسة أن تناول الخضروات يومياً يظل ركناً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه في أي نظام غذائي يدعم طول العمر.

    وبذلك تتقاطع الإرشادات الأمريكية الجديدة مع ما توصلت إليه الدراسة الصينية: فكلاهما يشير إلى أهمية الاعتماد المتوازن على البروتينات الحيوانية إلى جانب المصادر النباتية، من الخضروات والفواكه، والحد من الإفراط في الحبوب المكررة أو الأنظمة النباتية الصرفة.

    فهل تكون العودة إلى عاداتنا الغذائية التقليدية في الاعتماد على اللحوم والدهون والبروتينات الحيوانية والفواكه والخضار الطازجة خياراً أكثر ملاءمة للصحة، ولا سيما لصحة كبار السن؟

  • النوم صحة …

    نقرأ ونسمع أبياتًا شعرية وأمثالاً وحكماً تذم النوم، وتستحث همم الشباب على العمل وترك الاسترخاء والراحة، وهذا في الجملة أمر حسن؛ فمن لم تكن له همة وإرادة وعزم على مواصلة العمل في فترة شبابه وقوته، قد يفوته قطار التحصيل والكسب.

    غير أن هذا الخطاب في معظمه موجه إلى الفتيان والشباب، أما أنتم يا معشر الشيوخ الأفاضل، فليس مطلوبًا منكم السهر، ولا يُستحسن لكم لا في عمل ولا في سمر، بل المطلوب منكم ـ لصحتكم وسلامة أبدانكم ـ هو العناية بالنوم، ومراعاة ما يحفظ عافيتكم وقوة إدراككم، وصون تفكيركم من آفات النسيان وتآكل الذاكرة وأعراض الكِبَر.

    تواجه الصين أعدادًا هائلة من المتقدمين في العمر، وقد وضعت برامج خاصة لرعايتهم والحد من التبعات الصحية والاقتصادية المترتبة على تدهور أوضاعهم الصحية، ولديها توجهات جيدة في هذا المجال.

     وقد خلصت دراسة علمية أجرتها باحثون صينيون ونشرتها مجلة آفاق في التغذية (Frontiers in Nutrition) إلى أن مرحلة ما بعد سن التقاعد تحتاج إلى مراقبة دقيقة، ليس فقط من حيث الصحة الجسدية، بل كذلك من حيث القدرات الإدراكية التي قد تتأثر بعوامل بسيطة يغفل عنها كثيرون، مثل جودة النوم.

    وأظهرت نتائج الدراسة، التي شملت قرابة 9000 شخص فوق سن الخامسة والستين، أن جودة النوم تلعب دورًا حاسمًا في حماية الدماغ من التدهور المعرفي إذ تبين أن قلة ساعات النوم ترتبط بزيادة خطر الضعف المعرفي بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف تقريبًا، بينما يساعد النوم الكافي ـ سبع إلى ثماني ساعات من النوم الجيد ليلًا ـ على خفض التوتر وضبط ضغط الدم، وهو ما ينعكس إيجابًا على صحة الدماغ ويحافظ على كفاءة الوظائف العقلية والإدراكية. شملت الدراسة أهمية تناول أغذية تعزز فيتامينات معينة مثل (ب 6 وب 12) لصحة مستدامة .

  • الشمس… فيضٌ من الطاقة لا يصل منه إلى الأرض إلا اليسير. 

    خلق الله الشمس وأودع فيها طاقة هائلة. ومن فيضها العظيم يصل إلى الأرض جزء ضئيل، جعله الخالق منظمًا لإيقاع الحياة اليومية وحافظًا للتوازن الحيوي. وبدونها لا تستقر حرارة الأرض، ولا تتحرك الرياح، ولا تستمر دورة المياه، ولا تتوافر شروط الحياة. إنها محرّك أساسي لكل المخلوقات: الإنسان والنبات والحيوان وسائر الكائنات.

    ورغم إن الشمس تنتج طاقة هائلة، فان الأرض لا تستقبل الا أقل من واحد من ملياري جزء من تلك الطاقة، وبعد عبور هذا الجزء الغلافَ الجوي، ينعكس نحو 30% منه ويُمتص جزء في الجو، ويصل إلى السطح نحو 48% فقط من الإشعاع الساقط. ومع ذلك، يظل هذا الجزء اليسير كمًّا هائلًا بمقياس حاجاتنا نحن البشر على الأرض.

    تستهلك البشرية اليوم من كل مصادر الطاقة وبجميع أنواعها نحو (20 تيراواط) فقط، أي أقل من (0.021%) من كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى السطح، أما الإمكانات النظرية القابلة للاستغلال على اليابسة فتصل إلى نحو (30,000 تيراواط)، وهي كمية تفوق احتياجاتنا الحالية بأكثر من (1,500) مرة، وتحويل هذا الإمكان إلى واقع يتطلب تقنيات متقدمة، ألواحًا شمسية، ومحطات حرارية، وخلايا متعددة الطبقات، ونوافذ مولدة للطاقة، وحتى محطات فضائية. وفي عام 2024م تجاوزت السعة المركبة عالميًا (2.2 تيراواط)، مع توقعات بتجاوز (3 تيراواط) بنهاية 2026م، وإضافات سنوية متوقعة تقارب (600 جيجاواط). إن الوصول إلى استغلال جزء يسير من هذا الفيض من الطاقة الشمسية سيكون إنجازًا حضاريًا عظيمًا. فما نستخدمه اليوم بداية متواضعة أمام بحر واسع من الإمكانات. ومع تقدم التكنولوجيا، يمكن للبشرية أن تضاعف استغلالها مرات عديدة، وتقترب من مستقبل يعتمد على مصدر طاقة ثابت ووفير. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ صدق الله العظيم.

  • الملقحات الطبيعية :


    مسألة يظنها البعض صغيرة، لكنها في حقيقتها كبيرة. هناك من يعتقد أن عددًا محدودًا من الأشجار تحتاج إلى التلقيح، والحقيقة أن الخالق سبحانه وتعالى خلق من كل صنف من النبات وغيره زوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ )ولا إنتاج بدون تلقيح. وجهود التلقيح التي يقوم بها المزارعون هي لعدد محدود من النباتات، أما المجهود الكبير فقد هيأ له الخالق منظومة من الملقحات الطبيعية، مكونة من كائنات حية، وعوامل طبيعية، تعمل في صمت، وتقوم بمهمة دقيقة هي نقل اللقاح من أعضاء التذكير إلى أعضاء التأنيث في النباتات، وهذه العملية التي تبدو سهلة هي في حقيقتها العمود الفقري لإنتاج الغذاء في العالم.
    والكائنات الحية المنخرطة في عمليات التلقيح الطبيعي، هي مخلوقات سخّرها الله للقيام بعمليات التلقيح بطرق وأساليب تتناسب مع كل نوع من النباتات. وتشمل أكثر من 20 ألف نوع من النحل، إضافة إلى أعداد كبيرة من أصناف الفراشات والحشرات، والطيور، والخفافيش، وحتى بعض أنواع الذباب والخنافس. ورغم صغر حجم أغلب هذه المخلوقات، فإنها تقوم بمهمة عظيمة، في نقل حبوب اللقاح – بعضها صغيرة لا تكاد ترى بالعين المجردة – وذلك من زهرة إلى أخرى، وهذه العملية تسمح للنباتات بأن تُثمر وتتكاثر وتستمر في دورة الحياة.
    ولا يقتصر التلقيح على الكائنات الحية، بل تشارك الرياح في هذه المهمة، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، ففي كثير من المحاصيل كالقمح والشعير والذرة، تنقل الرياح حبوب اللقاح من الأزهار المذكرة إلى المؤنثة.

    وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) وتقييم المنصة الحكومية الدولية للتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES)، إلى أن نحو 75% من أنواع المحاصيل الغذائية العالمية تعتمد بدرجات متفاوتة على التلقيح الطبيعي، أما القيمة الاقتصادية السنوية لهذه الخدمة البيئية المجانية فتقدر بما يتراوح بين 235 و577 مليار دولار أمريكي، وهذا يعني أن الإنتاج الزراعي العالمي مهدد بالخطر إذا استمرت هذه الملقحات في التراجع.
    وتحذر أبحاث علمية جامعية وتقارير دولية من أن تراجع الملقحات الطبيعية – نتيجة تصرفات البشر مثل فقدان الموائل، واستخدام المبيدات الحشرية، والتغير المناخي – يهدد الأمن الغذائي العالمي، ويؤثر في جودة المحاصيل، ويعرض سلاسل الإمداد الزراعي لمخاطر كبيرة. كما تشير تقارير صادرة عن جهات تابعة للأمم المتحدة إلى أن نسبة كبيرة من أنواع الملقحات الطبيعية مثل النحل والفراشات مهددة بالانقراض، وأن فقدان الملقحات سيؤدي إلى انخفاض واضح في إنتاج الفواكه والخضروات والمحاصيل.
    الملقحات الطبيعية ليست مجرد تفاصيل صغيرة لا نعيرها الاهتمام، فهي جنود خفية تساهم في استمرار التنوع والتكامل على الأرض، بما يضمن الحفاظ على التوازن الذي أودعه فيها الخالق. ولهذا يذكّرنا القرآن الكريم بحقيقة أن الزراعة ليست مجرد جهد بشري، بل هي تدبير إلهي محكم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. صدق الله العظيم.

  • التًآخي .

    الإخاءُ له أصلٌ شرعيٌّ ثابت، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقال النبي ﷺ: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ). وعلى هذا الهدي مضى الصحابة، فكانوا أعرف الناس بقدر الأخوّة؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعُدَّة في البلاء). فالأخ الصادق قوةٌ تُستمدّ، وذخرٌ يُلجأ إليه عند الشدائد.

    أخاكَ أخاكَ إنَّ من لا أخًا لهُ * كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ. 

    وإن ابنَ عمِّ المرءِ فاعلمْ جناحُهُ * وهل ينهضُ البازي بغير جناحِ.

    فالإخاء بابٌ من أبواب الفلاح، وعنوانُ النجاح، وما المرءُ إلا بإخوانه؛ فهو قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بهم. والوفاء في الصداقة ميزانُ المروءة، تُعرف به معادن الرجال. والألفةُ والمحبّةُ والإخاءُ ثمرةُ حسن الخلق، والتفرّقُ ثمرةُ سوء الخلق؛ فحسنُ الخلق يجلب التآلفَ والتوافق، وسوءُ الخلق يورث التباغضَ والتحاسدَ والتدابر.

    وما المرءُ إلا بإخوانِهِ * كما تقبضُ الكفُّ بالمعصمِ. 

    ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً * ولا خيرَ في الساعدِ الأجذمِ.

    فإذا صفا الودّ، وخلصت النية، وتواطأت القلوب على النصرة، نشأ من الإخاء تعاونٌ يقوّي العزم، ومحبةٌ تُرى في المواقف، ويقوم بها المرء مقامًا لا يقومه وحده؛ فجهدُ الإنسان لا يكتمل إلا بظهيرٍ يشدّ عضده، ويقوّي جانبه، كما يشدّ البنيان بعضه بعضًا، وهل تقوى اليدُ إلا بمعصمها، وينهض الطائرُ إلا بجناحين.

    والتآخي قيمةٌ إنسانيةٌ مشتركة بين الثقافات والحضارات على اختلاف ألسنتها؛ فلا تكاد حضارةٌ تخلو من الحثّ على الاخاء وحسن الرفقة وصدق الصحبة. وهي تُجمع على أن الصديق الحقّ هو من يظهر في الشدة، ويبقى نقيًّا بعيدًا عن المصالح، ويشدّ أزر صاحبه، ويقرّب المسافات، ويشاركه الروح قبل الجسد. فالإخاء قوة، والصداقة ميزان مروءة، والمرء بإخوانه كثير؛ فالإنسانية في أصلها تدرك أن الإنسان اجتماعي بأصله لا يكتمل إلا بمن يُكمّله، ولا ينهض إلا بمن يُسنده.

    وقد عجبتُ وتعجبون من أناسٍ همُّهم قطعُ أواصر الإخاء، وتقويضُ أسباب التآخي، والسعيُ في هدم بنيانه؛ يزهدون في أسباب القوة والمنعة للفرد والأمة، ويُصِمُّون آذانهم عن قولِ كلِّ مخلصٍ ناصح، ويتبعون كلَّ ناعقٍ فاضح. يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: (أعجزُ الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجزُ منه من ضيَّع من ظفر به منهم). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  • الطبيعة العذراء.

    ابتعدتُ بضعة أيام عن الرياض وصخبها وزحامها، وقضيتُ تلك الأيام في جوف الصحراء، في قلب الصمان، بسابسا ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس. والخروج إلى البراري فرصة لالتقاط الأنفاس، والهروب من ثقل المدينة وآفاتها، إلى بساطة الأرض واتساع تخومها، وصفاء السماء وتلألؤ نجومها. واللجوء إلى الفلاة والبراري والقرى والأرياف يبعث في نفسي شعورًا دفينًا، ويثير فيها إلى الماضي حنينًا ؛ فأجد في السير على الرمال وصعود الجبال هدوءًا افتقدته، وتغمرني طمأنينة لا أكاد أجدها في المدن المزدحمة.
    وصدق من قال: إن النفس يفسدها الزحام؛ فالزحام يولّد الصخب والتلوث، ويعكّر المزاج، ويجلب الكآبة، ويورث التعب والملل. والهواء النقي وحده كفيل بإنعاش الصدر، وتخفيف توتر تراكم من زحام الأيام. وقد ثبت علميًا أن قضاء ساعات في الطبيعة العذراء يخفض ضغط الدم، ويحسن جودة النوم، ويرفع مستوى الفيتامينات التي ينعكس أثرها على المزاج والصحة العامة.
    أما المشي على الرمال، وبين الشعاب، وصعود الآكام والظراب، فيحرك عضلات لا تتحرك في خمول المدينة وكسلها، ويعيد للجسد مرونته الطبيعية. وأجمل ما في الرحلات البرية بساطتها وبعدها عن التكلف في كل تفاصيلها؛ فبعد يومين أو ثلاثة يشعر المرء كأن روحه غُسلت من التكلف والتزلف، واستعاد جسده نشاطه، وصفا ذهنه، وأصبح أكثر تركيزًا وترتيبًا.
    فسافروا وتنقلوا رحمكم الله، وابتعدوا عن سأم الإقامة، ومثافنة النسوان، وملاحاة الخدم والصبيان؛ فإن في ذلك تشويشًا على الأذهان، ومساسًا بصحة الأبدان.
    إِنِّي رَأَيْتُ وُقُوفَ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ * إِنْ سَاحَ طَابَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ.

  • السكينة واللطف والتسامح.

    هناك من يرى أن تعامل الفرد مع الناس باللطف والتسامح يجعل أعمال قلبه زاكية إيمانية، ويسمّي ذلك “نظرية ابن القيم في السكينة”. وقد تحدث ابن القيم رحمه الله بالتفصيل عن السكينة، وفصّل القول فيها وأقام الأدلة في كتابه مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، حيث عدّها منزلة رفيعة من منازل السالكين، وبيّن أنها من منازل المواهب لا من منازل المكاسب، أي أنها عطية من الله تعالى وليست مجرد ثمرة جهد بشري.

    ويمكن أن نفهم ما ذهب اليه ابن القيم من زاوية معاكسة للنظرة أعلاه، فنقول: كلما كانت أعمال قلب الإنسان زاكية إيمانية، انعكس ذلك على سلوكه، فكانت شمائله اللطف والتسامح. ففي الحديث الشريف: «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» وقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».

    يقول ابن القيم في وصف أثر السكينة: “السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللغو والهجر وكل باطل” .

    تسامح النفس معنى من معاني المروءة، بل هو أسمى صورها. فالذي يبعد نفسه عن مماحكات الآخرين ومشاداتهم وجدلهم، تزكو أعمال قلبه لبعده عن كل ما يعكر صفاءها. ومن يجعل التسامح واللطف ديدنه في الحياة، فقد ابتعد عما يعكر صفاء أعماله القلبية. وهكذا يتبين أن صلاح وصفاء الأعمال القلبية هو السبب وليس النتيجة، فهو الأساس الذي ينتج سلوكاً لطيفاً ومتسامحاً. قال تعالى ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صدق الله العظيم.

    وعليه، فالسكينة، وهي هبة وعطاء من الخالق، تنعكس على المؤمن في سلوك طيب يملؤه التسامح والرضا والطمأنينة.، وليست هي المسكنة المرتبطة بالذل.، كما قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فالمسكنة عقوبة من الله لبني إسرائيل، أما السكينة فهي هبة ربانية تورث العزة في النفوس والطمأنينة في القلوب والتسامح في السلوك.

    والتسامح ليس ضعفاً ولا انكساراً ولا هزيمة، بل هو قوة وهيبة، وثبات على المبادئ. فالغاية ليست أن يُحبّنا الجميع، بل أن نحيا باتزان، ونحترم أنفسنا، ونعامل الناس بالحسنى واللطف، دون أن نسقط في هاوية الضعف والذلة، ظنا منا بأن ذلك من التسامح المطلوب لصفاء أعمال القلوب.   

  • الخبز المحضر من حبوب كاملة مفيد للجسم .

    كثيرون منّا يحبّون أكل الخبز، فقد تربّينا عليه منذ الطفولة، وكان رفيق أغلب وجباتنا اليومية، يُخبز طازجًا ويُقدَّم ساخنًا من أيدي أمهاتنا.غير أنّنا في السنوات الأخيرة نسمع نصائح متكررة تدعو إلى تركه تمامًا أو تقليله إلى حدٍّ كبير، فيخاف البعض ويحرمون أنفسهم من الخبز جملةً وتفصيلاً، ظنًّا أنّه عدوّ الصحة والرشاقة. 

    والحقيقة أنّ التحذير لا يشمل كل أنواع الخبز، بل نوعًا واحدًا بعينه؛ وهو الخبز الأبيض المصنوع من الدقيق المكرَّر، وهو دقيق أُزيلت منه القشرة والجنين ولم يبقَ سوى الجزء النشوي الأبيض. هذا الدقيق يُعرف بالدقيق الأبيض أو (الفينو)، ويُصنع منه الخبز الأبيض، وخبز التوست الأبيض، وخبز الصامولي، ومعظم أنواع الخبز الفرنسي (الباغيت التقليدي)، وخبز التميس، هذا النوع من الخبز يتحوّل في الجسم إلى سكر بسرعة كبيرة جدًّا لأن مؤشره الجلايسيمي يصل الى 75  (المؤشر الجلايسيمي (Glycemic Index) هو مقياس يُصنّف الأغذية بأرقام من 0 إلى 100 وفقًا لمدى تأثيرها على رفع مستويات السكر في الدم خلال ساعتين من تناولها). وعندما يرتفع سكر الدم فجأة ثم يهبط سريعًا، يشعر الإنسان بالجوع مجددًا رغم أنّه تناول الطعام للتو، ومع مرور الوقت يزداد احتمال الإصابة بالسمنة، ومقاومة الإنسولين، والسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب. 

    أمّا الخبز الذي كان آباؤنا وأجدادنا يأكلونه يوميًّا ويعيشون بصحة و نشاط، فهو خبز الحبوب الكاملة. ويُصنع من دقيق يحتوي على الحبة كاملةً القشرة والجنين والسويداء. ويُعرف بخبز البر، أو الخبز البلدي الأسمر أو البني، ويشمل كل الخبز المحضَّر من الحنطة والبر الكامل بجميع أنواعه، أو من حبوب كاملة مفيدة مثل الشعير والدخن والذرة.  

      الخبز الصحي غني بالألياف، والفيتامينات مثل B وE، والمغنيسيوم، والحديد، والزنك، والسيلينيوم. ويُشعر بالشبع لفترة أطول، وينظّم مستويات السكر في الدم، ويحسّن الهضم، ويُسهم في خفض الكوليسترول الضار. وقد أثبتت دراسات كبرى طويلة الأمد أنّ تناول حصتين أو ثلاث حصص منه يوميًّا، يقلّل خطر الإصابة بالسكري بنسبة تتراوح بين 20 و30%، ويخفض خطر أمراض القلب بنسبة مماثلة، فهو غذاء ودواء. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تعبدون) صدق الله العظيم.

    لذلك، لا داعي لترك الخبز الذي نشأنا عليه ونشتاق إليه، ما لم يكن لدي الشخص مرض مشخص يجعله يمتنع عن أكله، ويكفي أن نختار النوع الصحيح خبزًا حقيقيًّا من الحبوب الكاملة، نتناوله باعتدال، فنستمتع بطعمه ونستفيد من قيمته الغذائية، ونحافظ على وزننا وصحتنا معًا. وأختم بنصيحة بالاستماع إلى حديث المرحوم الدكتور مصطفى محمود في الرابط المرفق حول هذا الموضوع، ففيه من الفائدة ما يُكمل الصورة ويُثري الفهم.  https://youtu.be/Thm3RyU7oJM?si=dMlfm4OQVxWSe6N-

  • ماذا بعد الموت ؟

     

    (ينبغي أن يُعلم أن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة التصديق بما أخبر الله به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، من جميع الأمور المتعلقة بالآخرة والحساب والجنة والنار، وفيما يتعلق بالموت والقبر وعذابه ونعيمه، وسائر أمور الغيب مما جاء في القرآن الكريم أو صحت به السنة المطهرة. فعلينا الإيمان والتسليم والتصديق بذلك؛ لأننا نعلم أن ربنا هو الصادق فيما يقوله سبحانه وفيما يخبر به جل وعلا، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، وقوله سبحانه: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}. ونعلم أن رسول الله ﷺ أصدق الناس، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحَى، فما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة وجب التصديق به، وإن لم نعرف حقيقته. فالواجب علينا أن نصدق بما جاء به من أمر الآخرة، وأمر الجنة والنار، ومن نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وكون العبد في القبر يُعَذَّب أو يُنْعَم، وتَرْد إليه روحه؛ كل هذا حق جاءت به النصوص، فعلى العبد أن يسلم بذلك، ويصدق بكل ما علمه من القرآن، أو صحت به السنة، أو أجمع عليه علماء الإسلام. ثم إذا منَّ الله على المؤمن والمؤمنة بمعرفة الحكمة في ذلك والأسرار، فهذا خير إلى خير، ونور على نور، وعلم إلى علم، فليحمد الله وليشكره على ما أعطاه من العلم والبصيرة في ذلك، التي منَّ الله عليه بها حتى زاد علمه، وزادت طمأنينته.) هذه المقدمة مقتطفة من إجابة للإمام ابن باز رحمه الله عن سؤال حول الحياة في القبر.

     نعم نحن نؤمن بوجود حياة بعد الموت وأن الميت يعي ما حوله ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ، إنَّه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا.) ولكن غالبية اللادينية لا يؤمنون بحياة البرزخ ولا بالبعث والنشور، وقد لفت نظري ما قرأته عن نظرية حديثة طرحت في الغرب، وبين مجتمعات تتفشَّى فيها العلمانية والإلحاد واللادينية. وإن كانت النظرية فلسفية الطَّرْح، إلا أنها تعطي تفسيرًا –ولو جزئيًا– لما نؤمن به بشأن الحياة بعد الموت. فقد طرحت الأستاذة ماريا ستروم وهي عالمة فيزيائية نرويجية تعمل أستاذة في علم المواد وتكنولوجيا النانو بجامعة أوبسالا في السويد، نظرية حول ما الذي يحدث بعد الموت؟ ترى فيها أن الوعي ليس مجرد نتاج الدماغ البشري، بل هو كيان أساسي موجود في الكون ذاته، يشبه حقلًا كونيًا يسبق المادة والطاقة.

     في هذا التصور، يصبح الوعي الفردي موجة عابرة على سطح محيط لا ينتهي، تظهر وتختفي، لكن المحيط الذي يشكِّلها يبقى دائمًا. وعندما يموت الإنسان، لا يختفي وعيه، بل يعود ببساطة إلى هذا الحقل الكوني، وكأن الموت ليس نهاية، بل عودة إلى الأصل.

    وتُفَسر هذه النظرية ظواهر مثل التَّخَاطُر –الذي يُفهَم عادةً كتواصل مباشر بين عقلين دون وسائط حسِّيَّة– ويمكن الآن تفسيره على أنه تفاعل بين عقلين يستمدَّان وجودهما من نفس الحقل الكوني، فيلتقِط أحدهما ما يطرحه الآخر كما لو كانَا يسبحان في بحر واحد. ومثل تجارب الاقتراب من الموت، حيث يصف الناس الذين مروا بهذه التجربة خروجهم من أجسادهم، أو عبورَهم أنفاقًا مظلمة نحو ضوء ساطع، أو لقاءَهم كيانات غامضة؛ وهو ما يمكن إرجاعُه –حسب النظرية– إلى آلية عصبية مشتركة قد ترتبط بهذا الحقل العميق للوعي.

    الأبحاث العلمية بدأت بالفعل تقترب من هذه الفكرة. فبعض العلماء يعتقدون أن الدماغ ينتج مادَّة (DMT) طبيعيًا، وربَّما يفرزها عند لحظة الموت، مما يفسِّر الرؤى الغريبة التي ترافق هذه التَّجَارِب. كما أن دراسات في علم الأعصاب أظهرت أن جماعات من المتَّأَمِّلِين قد يظهر لديهم تَزَامُن في نشاط الدماغ، وكأنَّهم يتشاركون حالة عقلية واحدة، وهو ما يمكن أن يُفهَم كتواصل عبر الحقل الكوني للوعي. وهناك أيضًا نظريات فيزيائية حول الوعي الكمِّيّ، التي ترى أن الوعي مرتبط بالبنية الكمِّيَّة للدماغ، وهو اتِّجَاه يتَقَاطَع مع هذه النظرية.

    ما يجعل هذه النظرية مثيرةً أنَّها لا تكتفي بالطَّرْح الفلسفيّ، بل تقدِّم إمكانيَّة اختبار علميّ. فإذا كان الوعي بالفعل جزءًا من حقل كونيّ، فإن فحوصات الدماغ لأشخاص في حالات تَأَمُّل عميق أو انسجام عاطفيّ قد تكشف عن تَزَامُن غير تَقْلِيدِيّ في نشاطِهِم العَصَبِيّ، وهو ما سيكون دليلًا عَمَلِيًّا على وجود هذا الحقل. وهنا يصبح التَّخَاطُر أو الرُّؤَى في تجارب الاقتراب من الموت ليس مجرَّد خوارق، بل انْعِكَاسًا لتواصل العقول عبر محيط الوعي الكونيّ.

     الجديد أنَّ العلم الحديث بدأ يقترب من هذه الرُّؤَى، محاولًا أن يمنحَها إطَارًا تجريبيا. وإذا صَحَّتْ هذه الفرضيَّة، فإنَّها ستُعِيد صيَاغَة فَهْم الوعي والموت وما بعده، وفق ما نؤمن به من وجود وعي وحياة بعد الموت. فهذا خير إلى خير، ونور على نور، وعلم إلى علم، والله أعلم.