حسن الظن من صفات الأخيار.

سوء الظن وبناء الأحكام على مجرد الشكوك والأوهام من الآفات النفسية والأخلاقية التي تنخر في جسد العلاقات الإنسانية، وتفتك بروح التآلف والتلاحم بين الناس. إنه ذلك الشعور القاتم الذي يجعل الإنسان يفسر أفعال الآخرين على أسوأ وجه، ويُضمر في قلبه الريبة والشك تجاه كل تصرف أو موقف أو كلمة، حتى لو كانت بريئة. والشخص الذي يسيء الظن دائما يعيش في عزلة نفسية، يتوجس من كل من حوله، ويظن أنهم يتآمرون عليه، فيتحول إلى كائن انطوائي، دائم القلق، فاقد للراحة والسكينة. وظنه السيئ هذا لا يقتصر أثره عليه فحسب، بل يمتد ليهدم جسور الثقة، ويزرع العداوة، ويقوض أسس تماسك المجتمع.

وقد نهى الله تعالى عن هذا الخلق الذميم في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وذلك لما فيه من ظلم للناس وافتراء عليهم دون بينة أو دليل.  قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.

ومن أخطر أنواع سوء الظن أن يسيء الإنسان الظن بربه، فيظن أن الأقدار لا تحمل له إلا السوء، وأن دعاءه لا يُستجاب، وأن يظن أن الله لا يرحمه ولا يقبل منه ولا يعفو عنه. وقد ورد في الحديث القدسي: “أنا عند حسن ظن عبدي بي”. وفي الحديث أيضا «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».

و سوء الظن يدفع الإنسان الى تصرفات مكروهة ومذمومة، ويجعله يتجسس على الخلق ويتتبع عورات الناس، ويقع في الغيبة والنميمة، لما تلبسه من سوء الظن فتضعف ثقته بالآخرين فيكرهونه ويبتعدون عنه اتِّقَاءَ شَرهِ.  قال الإمام الغزالي: (الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنساناً يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق).

قد يكون سوء الظن خلقًا ملازمًا لبعض الأشخاص، مسيطرًا على تفكيرهم معظم الوقت، وقد يكون طارئًا عند البعض لفترة محدودة بسبب ظروف تمر بهم أو مواقف تصادفهم. وقد يتلبس هذا الخلق الفرد دون أن يشعر به أو يعيه، مما يستوجب على الإنسان أن يكون واعيًا لسلوكه، مدققًا فيما يطرأ عليه من مواقف وتغيرات.

ولا يقتصر أثر سوء الظن على العلاقات العامة، بل يتغلغل إلى داخل الأسر والبيوت، فيفسد العلاقة بين الأقارب وبين الزوجين، ويشعل نار الخلافات، ويؤدي إلى    الفرقة وقطيعة الرحم، وكل ذلك بسبب الحكم المتسرع المبني على ظنون لا أساس لها. ولهذا دعا الإسلام إلى التبين والتثبت، وترجيح حسن الظن، والتمهل قبل إصدار الأحكام، لأن الإنسان لا يعلم ما في القلوب، ولا يملك مفاتيح النوايا. فحسن الظن يفتح أبواب المحبة، ويمنح النفس راحة وطمأنينة، ويجعل الإنسان متفائلًا مقبلًا على الحياة مرتاح البال محبوبا من الآخرين، بينما سوء الظن يحبس صاحبه في سجن من الشك والترقب والكراهية.

التعليقات

أضف تعليق