الكاتب: أحمد مصلح الثمالي .

  • تنويع المطالعات.

    عندما يُنهي البعض مراحل التعليم الرسمي والدراسة المنهجية، يبدأ في بناء معرفته عبر اختيارات ذاتية يُشكلها ميوله وتتحكم فيها توجهاته. فيقرأ الكتب التي تستهويه، ويطّلع على الصحف والمجلات التي تناسبه، ويتابع البرامج والمقاطع التي تجذبه، ويزور المواقع التي تتماشى مع اهتماماته. كما يشارك في المنتديات والمؤتمرات التي تروق له، ويختار أصدقاءه وجلساءه ممن ينسجم معهم، متجنبًا ما لا يناسب ميوله، بل قد ينفر منه أحيانًا.
    هذا السلوك طبيعي في الإنسان، وقد استغلت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، هذه الطبيعة الفطرية فتبرز لكل شخص المحتوى الذي يلبي ميوله، ومن خلال تتبع ما يشاهده أو يتابعه أو يكتبه، تعمل هذه التقنيات على تسهيل وصوله الى المادة التي تُشبع رغباته وتتماشى مع توجهاته.
    والميل الفردي المحدود، والثقافة الموجّهة يحصران الفرد داخل دوائر معرفية مختارة، شبيهة بأغلفة دودة القز الحريرية التي تحتمي بها. فتصبح مصادره المعرفية مغلقة، ومحفزات التفكير محدودة، تقيّد العقل وتحصر الثقافة.
    والحكيم لا يحصر نفسه في دوائر معرفية ضيقة، بل يُوسّع آفاق تفكيره، وينهل من جميع الأوعية المعرفية لتطوير رؤيته الفكرية يستفيد من الإيجابيات ويتفادى السلبيات، مدركًا أن مصادر المعرفة واسعة وتحمل ما يعينه في حياته، ويمنحه حلولًا لتحقيق طموحاته وأهدافه.
    إن القراءة في مختلف التخصصات، والاطلاع المفتوح على شتى جوانب المعرفة، وخوض التجارب الإيجابية في مجالات الحياة، إلى جانب مجالسة طبقات المجتمع المتنوعة من مختلف الأعمار، والحوار معهم وسماع آرائهم، والسفر والاحتكاك بأطياف البشر، كلها عناصر تُوسّع المدارك، فهي تُنمي المعارف وتُحسّن جودة القرارات في شتى مناحي الحياة.

  • كيف ننظر للتقاعد.

      أرى أن مفهوم التقاعد يُستخدم بشكلٍ خاطئ في كثير من السياقات. فعبارات مثل “أُحيل إلى التقاعد” أو “متقاعد” تُعطي انطباعًا بالانفصال التام عن كل نشاط، وهذا ليس دقيقًا. الأصح أن يُقال: “تقاعد من الخدمة العامة” أو “من وظيفة معينة”، فالتقاعد هو انفصال عن نشاط محدد، لا عن الحياة بأكملها.

    وعند الحديث عن التقاعد، فإن فلسفتي الشخصية تقوم على الانتقال المدروس من نشاط إلى آخر، لا على الانكفاء والانقطاع الكلي والخمول والدعة. ولا يعني ذلك أن الإنسان يدخل في عمل لا يحسنه أو لا يتناسب مع عمره، ولكن أيضًا لا يعني أن يمتنع كليًا عن ممارسة أي نشاط.

    يجب أن يخطط الموظف للتقاعد قبل سنوات من تركه لوظيفته، ويعدّل خطته وفقًا لتطور العمر والظروف. وعليه ان يروض نفسه على ما ينتظره بعد ترك الوظيفة، فيتوقف تدريجيًا عن الاعتماد على الخدمات والمزايا والبدلات التي تمنحها له الوظيفة حتى لا يتفاجأ بانقطاعها عنه بعد التقاعد باعتبارها مزايا لمن هم على رأس العمل فقط. 

    كما عليه أن يضع خطة لتأهيل نفسه للابتعاد بعد ترك العمل عن الروتين اليومي المرتبط بالوظيفة، وتجنبت ما يُثير ذكرياتها، إلى أن يتأقلم تمامًا مع أي نشاط جديد يختاره، وعليه وضع جدول يملأ وقته في أعمال لا تحمله ضغوطًا نفسية وتناسب وضعه الصحي.

      ومن المهم الحفاظ على النشاط الذهني والجسدي، والحرص على تغذية معرفته من خلال القراءة والمطالعة وحضور النقاشات العلمية المفيدة في مختلف المجالات. وممارسة الرياضة البدنية المناسبة بشكل يومي والحرص على ذلك.

    وتطويع النفس لقبول حقيقة التقدم في السن، وما يرافقها من ضعف طبيعي في وظائف الجسد، فلا يحمّل نفسه ما لا تطيق بدنيًا، وينظّم نومه وطعامه من حيث الكمية والنوعية، بما يتناسب مع حالته الصحية.

    وختاماً يستنير بكلام الله تعالى في التوازن بين العمل للدنيا والآخرة: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ صدق الله العظيم.

  • القول الحسن :

    Photo by Toni Cuenca on Pexels.com

    {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}

    ومن القول الحسن افشاء السلام، وغير ذلك من طيب الكلام. والبشاشة والاحترام، والإنسان لا يسع الناس بماله ولكنه على الإحسان إلى كل مخلوق بطيب القول قادر. ومن جميل الآداب التي أدًب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد صبورا على هفوات الخلق متغافلا عن زلاتهم، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه. فالإنسان بهذا السلوك يسهم في بناء مجتمع متماسك يقوم على المحبة والاحترام، حيث يتعزز التفاهم بين الأفراد وتزدهر العلاقات الإنسانية. من الناس من يعتقد أن تبادل الكلمات الطيبة للمجاملة فقط ، ولا يعلم تأثير ذلك العميق الواسع. فهو يزرع البذور الإيجابية في نفوس الآخرين، ويفتح آفاق المحبة مما يُسهم في تقوية الروابط الاجتماعية. فقابلوا الاحسان بالإحسان والسيئ بالنسيان وكونوا من المتغافلين (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) صدق الله العظيم.

  • اقدع

    عندما تكون ضيفا ويقدم لك مضيفك التمر سوف تسمع كلمة شائعة في هذا الموقف وهي اقدع ..
    وفي المعجم اقْدَعْ من هذا الشراب أَي اقْطَع منه أَي اشْرَبْه قِطَعاً. قلت وفي التمر اقطع منه وكل وهذا هو القدع.
    قال الأَزهري: قَدَعَ الستين جازَها، …. يقال: قَدَعَها أَي أَمضاها كما يَقْدَعُ الرجلُ الشيء.
    قلت: القدع قطع مع انفصال المقدوع (المقطوع)، كما تحمل الكلمة معنى التتابع. وتقادَعَ القومُ بعضُهم في إثرِ بعضٍ: تساقطُوا. والتَّقادُعُ: التَّتابُعُ في الشيءِ.
    لذلك استخدمت كلمة (اقدع) عند تقديم التمر للضيف لأنها تحمل كل هذه المعاني ولا تغني عنها كلمة اقطع. وسلامتكم،،،

  • المدح

    Photo by Summer Stock on Pexels.com

    مهنة المدح مكروهة مذمومة وفي الحديث يقول رسول الله ﷺ، إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب. وأرى أن من أسباب مقت المديح وكرهه، ما ينتجه من غرور عند الممدوح قد يورثه الكبر والخيلاء، ولما فيه من خداع للعقل وغش للنفس بكاذِبِ الإطراءِ وزُورِ الثَّناءِ. ويتجوز في الثناء الصادق البعيد عن المبالغة والاطراء.
    هذا الجانب من الموضوع واضح لنا ولا يغيب عن فهم أغلبنا، ولكن هنالك جانب قد لا نفطن له أو نعطيه حقه من التأمل، ألا وهو استخدام بعض الشعراء ملكتهم الشعرية في التكسب بطريقة تأباها النفوس الشريفة، وترفضها العقول الحصيفة.
    وذلك عندما ينبري أحدهم يكيل المديح لمن لا يستحقه ويضفي عليه صفات الأجواد وهو قاعد عن كل مكرمة ويلبسه حلل الكرام وهو أبعد ما يكون عن فضائلها كل ذلك لأنه أعطاه ما طلبه ومنحه ما تمناه. وفي المقابل نجده يذم ويهجو كل من قصرت عنه أفضاله، أولا يرجو نواله، وما ذلك الا انتقامٌ لنفسه، واستعمال ملكته الشعرية في إيذاء من لا حق له عنده، وتلك خصال مذمومة ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. ولله در ذو الإصبع العدواني حيث يقول: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب *عني ولا أنت دياني فتخزوني. فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي * فإن ذلك مما ليس يشجيني.
    هؤلاء الذين يمدحون بالكذب لمجرد أنهم أعطوا، ويذمون بلا سبب سوى أنهم منعوا، فرغم تَزْوِيق كلامهم وتنميقه، يبقى المعنى عن السمو بعيدا، والغرض عاطلا وفاسدا، ولا يصح منا استحسان مثل هذا وترديده، أو الثناء على قائله وتمجيده.