
نسمع كثيرًا من يقول: “فلان ليس فيه مروءة”، أو “ما عنده مروءة” فنفهم المعنى إجمالًا، لكن قلَّ من يتأمل في كنه هذا الخُلُق الجليل. وقد خطر لي أن أتتبع معاني المروءة، فوجدتُ أن القوم قد أفاضوا فيها، وألّفوا كتبًا في المروءة وخوارمها، وفصّلوا القول بما لا يسعه مختصر. فآثرت أن أوجز ما وقفت عليه في أسطر، لعلها تفتح باب التأمل لمن أراد التوسع.
المروءة هي المعيار الحقيقي للرجولة، والميزان الذي توزن به النفوس النفيسة. فهي مقدّمة على غيرها من الصفات المحمودة في معايير المدح والثناء، لأنها خلق مركّب يجمع بين الدين، والحياء، والكرم، والوفاء، وحسن المعاشرة. وقد تناولها السلف والعلماء بتعريفات دقيقة، وأمثلة عملية، وأقوال خالدة.
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ سُئل سفيان بن عيينة: هل وجدت المروءة في القرآن؟ فقال: نعم، في هذه الآية. فمن المروءة عنده العفو، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين.
وكان النبي محمد ﷺ مثالًا للمروءة في قوله وفعله، كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه: “خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفّ قط”.
وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: “المروءة احتمال الجريرة، وإصلاح أمر العشيرة”. وقال الأحنف بن قيس: “المروءة التقى والاحتمال”، أي أنها تظهر في الصبر على الأذى، وفي تقوى الله. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “من مروءة الرجل نقاء ثوبه، وصيانة عرضه، وحسن خلقه”، فربط بين المظهر والجوهر، وجعل المروءة سلوكًا ظاهرًا وباطنًا وقد يُفسر قوله نقاء الثوب بأنه كناية عن الترفع عما يُدنًسُ سمعته من الأقوال والأفعال .
وقال الإمام الشافعي: “للمروءة أركان أربعة: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك”، فهو يرى أنها ليست خلقًا مفردًا، بل منظومة أخلاقية متكاملة. وقال الإمام أحمد بن حنبل: “المروءة ألا يعمل في السر ما يستحيي منه في العلانية”، وهو تعريف يربط المروءة بالحياء والصدق الداخلي، ويجعلها خلقًا ذاتيًا لا مجرد مظهر اجتماعي. وسُئل عبد الملك بن مروان: ما المروءة؟ فقال: “موالاة الأكفاء، ومداراة الأعداء”.
وفي القرن الثالث الهجري، كتب ابن المرزبان كتابًا بعنوان “المروءة”، ومما جاء فيه: “المروءة أن تستعمل ما يجملك ويزينك، وتترك ما يدنسك ويشينك”، وهو تعريف شامل يجعل المروءة ميزانًا للجمال الأخلاقي والاجتماعي. وسُئل بعض العرب: ما المروءة فيكم؟ فقال: “طعام مأكول، ونائل مبذول، وبِشر مقبول”.
فالمروءة إذًا ليست مجرد خلق اجتماعي، بل هي عنوان الإيمان، ودليل الرجولة، وميزان الكرامة. وهي خلق يتجلى في القول، والفعل، والنية، والمظهر، والسلوك. وقد حرص السلف على غرسها في النفوس، واعتبروها من أعظم ما يُمدح به الإنسان.
قال الشاعر:
وإذا جلستَ وكان مثلُك قائمًا فمن المروءة أن تقومَ وإن أبى.
وإذا اتكأتَ وكان مثلُك جالسًا فمن المروءة أن تُزيلَ المتّكا.
وإذا ركبتَ وكان مثلُك ماشيًا فمن المروءة أن تمشي كما مشى.
فالمروءة، في جوهرها، هي أن ترى نفسك مسؤولًا عن كرامتك وكرامة غيرك، وأن تكون طيب النفس، سليم الطبع، حسن العشرة، نقي السريرة، ظاهرًا وباطنًا.










