
تُعد الاستجابة الشرطية إحدى أقدم النظريات في علم النفس، وقد وضع أسسها الطبيب الروسي إيفان بافلوف عام 1903، كما جاءت الإشارة إليها لدى الفيلسوف أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وتقوم هذه النظرية على أن الكائن الحي يتعلم الربط بين مثير ونتيجة، مما يجعل السلوك لاحقًا استجابة تلقائية لهذا الارتباط.
وفي خطوة علمية حديثة لفهم آليات الدافعية البشرية على المستوى العصبي، كشف فريق بحثي من جامعة كيوتو اليابانية عن دارة عصبية جديدة قد تفسر سبب صعوبة البدء في المهام أو إنجازها لدى الكثيرين – ما يُعرف عادةً بالكسل أو التراخي – حتى مع وجود رغبة حقيقية في القيام بها. ونُشرت نتائج هذا البحث في مجلة (Current Biology)، وهي مجلة علمية محكمة وتُعد من أبرز المنصات العالمية لنشر الاكتشافات العلمية الرائدة.
يركز الاكتشاف على دارة عصبية تربط بين منطقتين رئيسيتين في الدماغ تلعبان دورًا أساسيًا في تقييم المكافآت – وهي أي نتيجة إيجابية متوقعة مثل الشعور بالإنجاز أو الفائدة الملموسة – والمخاطر والمثبطات – أي النتائج السلبية المحتملة مثل الفشل أو بذل جهد كبير دون ضمان نجاح -. ويقوم الدماغ بموازنة هذين الجانبين باستمرار قبل اتخاذ قرار أو البدء في مهمة.
وأظهرت الدراسة أن هذه الدارة تعمل كآلية كبح (فرملة) داخل الدماغ. فمع زيادة نشاطها، يصبح الفرد أقل قدرة على بدء المهام تباطؤ أو تردد وكسل، حتى لو كانت المكافأة المتوقعة كبيرة. وعلى النقيض، يؤدي انخفاض نشاطها إلى ارتفاع الدافعية، وربما إلى اندفاع أو تهور في اتخاذ القرارات. وقد أثبت الباحثون ذلك من خلال تجارب علمية مخبرية دقيقة.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة هامة نحو فهم أعمق لاضطرابات الدافعية، مثل التردد المزمن، التسويف، وبعض أعراض الاكتئاب أو الفصام أو مرض باركنسون. كما يفتح أبوابًا لتطوير علاجات مستقبلية تستهدف هذه الدارة، مثل التحفيز العميق للدماغ أو الأدوية، لتحسين القدرة على اتخاذ القرارات والبدء في المهام والإنجاز.
ولا يقدم هذا البحث تفسيرًا بيولوجيًا فحسب، بل يسلط الضوء أيضًا على تفاعل الدماغ مع الضغوط اليومية، وكيف يمكن لآليات عصبية دقيقة أن تحدد ما إذا كنا سنبدأ المهمة الآن أو نؤجلها أو نشطبها نهائيًا من أجندتنا. قال تعالى (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) صدق الله العظيم.

أضف تعليق