ستجد هنا بعضاً من الأفكار والتأملات، والخواطر المختصرة.

أحمد بن مصلح الثمالي.


مسألة يظنها البعض صغيرة، لكنها في حقيقتها كبيرة. هناك من يعتقد أن عددًا محدودًا من الأشجار تحتاج إلى التلقيح، والحقيقة أن الخالق سبحانه وتعالى خلق من كل صنف من النبات وغيره زوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ )ولا إنتاج بدون تلقيح. وجهود التلقيح التي يقوم بها المزارعون هي لعدد محدود من النباتات، أما المجهود الكبير فقد هيأ له الخالق منظومة من الملقحات الطبيعية، مكونة من كائنات حية، وعوامل طبيعية، تعمل في صمت، وتقوم بمهمة دقيقة هي نقل اللقاح من أعضاء التذكير إلى أعضاء التأنيث في النباتات، وهذه العملية التي تبدو سهلة هي في حقيقتها العمود الفقري لإنتاج الغذاء في العالم.
والكائنات الحية المنخرطة في عمليات التلقيح الطبيعي، هي مخلوقات سخّرها الله للقيام بعمليات التلقيح بطرق وأساليب تتناسب مع كل نوع من النباتات. وتشمل أكثر من 20 ألف نوع من النحل، إضافة إلى أعداد كبيرة من أصناف الفراشات والحشرات، والطيور، والخفافيش، وحتى بعض أنواع الذباب والخنافس. ورغم صغر حجم أغلب هذه المخلوقات، فإنها تقوم بمهمة عظيمة، في نقل حبوب اللقاح – بعضها صغيرة لا تكاد ترى بالعين المجردة – وذلك من زهرة إلى أخرى، وهذه العملية تسمح للنباتات بأن تُثمر وتتكاثر وتستمر في دورة الحياة.
ولا يقتصر التلقيح على الكائنات الحية، بل تشارك الرياح في هذه المهمة، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، ففي كثير من المحاصيل كالقمح والشعير والذرة، تنقل الرياح حبوب اللقاح من الأزهار المذكرة إلى المؤنثة.

وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) وتقييم المنصة الحكومية الدولية للتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES)، إلى أن نحو 75% من أنواع المحاصيل الغذائية العالمية تعتمد بدرجات متفاوتة على التلقيح الطبيعي، أما القيمة الاقتصادية السنوية لهذه الخدمة البيئية المجانية فتقدر بما يتراوح بين 235 و577 مليار دولار أمريكي، وهذا يعني أن الإنتاج الزراعي العالمي مهدد بالخطر إذا استمرت هذه الملقحات في التراجع.
وتحذر أبحاث علمية جامعية وتقارير دولية من أن تراجع الملقحات الطبيعية – نتيجة تصرفات البشر مثل فقدان الموائل، واستخدام المبيدات الحشرية، والتغير المناخي – يهدد الأمن الغذائي العالمي، ويؤثر في جودة المحاصيل، ويعرض سلاسل الإمداد الزراعي لمخاطر كبيرة. كما تشير تقارير صادرة عن جهات تابعة للأمم المتحدة إلى أن نسبة كبيرة من أنواع الملقحات الطبيعية مثل النحل والفراشات مهددة بالانقراض، وأن فقدان الملقحات سيؤدي إلى انخفاض واضح في إنتاج الفواكه والخضروات والمحاصيل.
الملقحات الطبيعية ليست مجرد تفاصيل صغيرة لا نعيرها الاهتمام، فهي جنود خفية تساهم في استمرار التنوع والتكامل على الأرض، بما يضمن الحفاظ على التوازن الذي أودعه فيها الخالق. ولهذا يذكّرنا القرآن الكريم بحقيقة أن الزراعة ليست مجرد جهد بشري، بل هي تدبير إلهي محكم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. صدق الله العظيم.

Posted in

أضف تعليق