الإخاءُ له أصلٌ شرعيٌّ ثابت، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقال النبي ﷺ: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ). وعلى هذا الهدي مضى الصحابة، فكانوا أعرف الناس بقدر الأخوّة؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعُدَّة في البلاء). فالأخ الصادق قوةٌ تُستمدّ، وذخرٌ يُلجأ إليه عند الشدائد.
أخاكَ أخاكَ إنَّ من لا أخًا لهُ * كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ.
وإن ابنَ عمِّ المرءِ فاعلمْ جناحُهُ * وهل ينهضُ البازي بغير جناحِ.

فالإخاء بابٌ من أبواب الفلاح، وعنوانُ النجاح، وما المرءُ إلا بإخوانه؛ فهو قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بهم. والوفاء في الصداقة ميزانُ المروءة، تُعرف به معادن الرجال. والألفةُ والمحبّةُ والإخاءُ ثمرةُ حسن الخلق، والتفرّقُ ثمرةُ سوء الخلق؛ فحسنُ الخلق يجلب التآلفَ والتوافق، وسوءُ الخلق يورث التباغضَ والتحاسدَ والتدابر.
وما المرءُ إلا بإخوانِهِ * كما تقبضُ الكفُّ بالمعصمِ.
ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً * ولا خيرَ في الساعدِ الأجذمِ.
فإذا صفا الودّ، وخلصت النية، وتواطأت القلوب على النصرة، نشأ من الإخاء تعاونٌ يقوّي العزم، ومحبةٌ تُرى في المواقف، ويقوم بها المرء مقامًا لا يقومه وحده؛ فجهدُ الإنسان لا يكتمل إلا بظهيرٍ يشدّ عضده، ويقوّي جانبه، كما يشدّ البنيان بعضه بعضًا، وهل تقوى اليدُ إلا بمعصمها، وينهض الطائرُ إلا بجناحين.
والتآخي قيمةٌ إنسانيةٌ مشتركة بين الثقافات والحضارات على اختلاف ألسنتها؛ فلا تكاد حضارةٌ تخلو من الحثّ على الاخاء وحسن الرفقة وصدق الصحبة. وهي تُجمع على أن الصديق الحقّ هو من يظهر في الشدة، ويبقى نقيًّا بعيدًا عن المصالح، ويشدّ أزر صاحبه، ويقرّب المسافات، ويشاركه الروح قبل الجسد. فالإخاء قوة، والصداقة ميزان مروءة، والمرء بإخوانه كثير؛ فالإنسانية في أصلها تدرك أن الإنسان اجتماعي بأصله لا يكتمل إلا بمن يُكمّله، ولا ينهض إلا بمن يُسنده.
وقد عجبتُ وتعجبون من أناسٍ همُّهم قطعُ أواصر الإخاء، وتقويضُ أسباب التآخي، والسعيُ في هدم بنيانه؛ يزهدون في أسباب القوة والمنعة للفرد والأمة، ويُصِمُّون آذانهم عن قولِ كلِّ مخلصٍ ناصح، ويتبعون كلَّ ناعقٍ فاضح. يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: (أعجزُ الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجزُ منه من ضيَّع من ظفر به منهم). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أضف تعليق