
هناك من يرى أن تعامل الفرد مع الناس باللطف والتسامح يجعل أعمال قلبه زاكية إيمانية، ويسمّي ذلك “نظرية ابن القيم في السكينة”. وقد تحدث ابن القيم رحمه الله بالتفصيل عن السكينة، وفصّل القول فيها وأقام الأدلة في كتابه مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، حيث عدّها منزلة رفيعة من منازل السالكين، وبيّن أنها من منازل المواهب لا من منازل المكاسب، أي أنها عطية من الله تعالى وليست مجرد ثمرة جهد بشري.
ويمكن أن نفهم ما ذهب اليه ابن القيم من زاوية معاكسة للنظرة أعلاه، فنقول: كلما كانت أعمال قلب الإنسان زاكية إيمانية، انعكس ذلك على سلوكه، فكانت شمائله اللطف والتسامح. ففي الحديث الشريف: «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» وقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».
يقول ابن القيم في وصف أثر السكينة: “السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللغو والهجر وكل باطل” .
تسامح النفس معنى من معاني المروءة، بل هو أسمى صورها. فالذي يبعد نفسه عن مماحكات الآخرين ومشاداتهم وجدلهم، تزكو أعمال قلبه لبعده عن كل ما يعكر صفاءها. ومن يجعل التسامح واللطف ديدنه في الحياة، فقد ابتعد عما يعكر صفاء أعماله القلبية. وهكذا يتبين أن صلاح وصفاء الأعمال القلبية هو السبب وليس النتيجة، فهو الأساس الذي ينتج سلوكاً لطيفاً ومتسامحاً. قال تعالى ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صدق الله العظيم.
وعليه، فالسكينة، وهي هبة وعطاء من الخالق، تنعكس على المؤمن في سلوك طيب يملؤه التسامح والرضا والطمأنينة.، وليست هي المسكنة المرتبطة بالذل.، كما قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ فالمسكنة عقوبة من الله لبني إسرائيل، أما السكينة فهي هبة ربانية تورث العزة في النفوس والطمأنينة في القلوب والتسامح في السلوك.
والتسامح ليس ضعفاً ولا انكساراً ولا هزيمة، بل هو قوة وهيبة، وثبات على المبادئ. فالغاية ليست أن يُحبّنا الجميع، بل أن نحيا باتزان، ونحترم أنفسنا، ونعامل الناس بالحسنى واللطف، دون أن نسقط في هاوية الضعف والذلة، ظنا منا بأن ذلك من التسامح المطلوب لصفاء أعمال القلوب.
أضف تعليق