في الحركة بركة .

 كان أبو الأسود الدؤلي الكناني من التابعين المعدودين من الفقهاء والمحدثين، والأشراف والفرسان، والأمراء والشعراء والدُّهاة. ويُعد صاحب الفضل في وضع علم النحو.

في أواخر حياته، أُصيب بمرض الفالج، فسبب له عرجًا في مشيته، وضعفا في بنيته، ومع ذلك، لم يمنعه المرض ولا كبر السن من الحركة والسعي في الأرض؛ بل كان كثير الركوب إلى المسجد الجامع والأسواق، يزور الأصدقاء ويخالط الرفاق. فلما قيل له: يا أبا الأسود، لمَ تُكثر الركوب وقد كبرت وضعفت؟ لو لزمت منزلك لكان أرفق بك، أجابهم بحكمة بالغة فقال:

(الركوب يشد بضعتي –أي يقوّي جسدي ويعطيني حيوية–، وأسمع من الخبر ما لا أسمع في بيتي، وأستنشي الريح –أي أشمّ الريح وأستنشق نسيم الهواء–، وألقى الإخوان، ولو جلست في بيتي اعتر بي أهلي –أي تعبوا وتضايقوا مني–، واستأنس بي الصبي، واجترأت عليّ الخدام، وكلمني من أهلي ما يهاب كلامي –أي صاروا لا يهابونني في الحديث–، لألفهم إياي وجلوسي عندهم، حتى لعل العنز أن تبول عليّ فلا يقول لها أحد: هِس.)

وقد زار أبو الأسود الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فأراد معاوية أن يلاطفه ويخفف عنه، فقال له: “أصبحت جميلًا يا أبا الأسود، فلو علّقت تميمة تدفع عنك العين!” فردّ عليه أبو الأسود بأبيات من الشعر منها:

أفنى الشبابَ الذي فارقتُ بهجته * كَرُّ الجديدين من آتٍ ومنطلقِ.

 لم يتركا ليَ في طول اختلافهما * شيئًا أخاف عليه لذعةَ الحدقِ.

 فيا من طال مكثك، لا تجعل من دارك قبرًا لحياتك، ولا من راحتك سجنًا لروحك. واحذر من طول المقام مع من ألفته، فإن في ذلك خمولًا للعقل، وذهابًا للهيبة، وارحل، وسافر، وتنقل، واغتنم من الدنيا تجاربها، ومن مخالطة الناس معارفها، ومن الطريق دروسه. فإن في الحركة بركة، وفي السعي حياة، وفي السفر أسرارًا لا تُدرك إلا لمن سار.  

التعليقات

أضف تعليق