أرض الجزيرة مهد الحضارات .

في قلب العالم، حيث تلتقي القارات وتتقاطع طرق التجارة، برزت الجزيرة العربية بموقعها الجغرافي المتميز كأرض ذات أهمية استراتيجية عظيمة. لم تكن مجرد صحراء قاحلة كما يعتقد البعض، بل مهدًا لحضارات متعاقبة، بعضها ازدهر لقرون ثم اندثر، وبعضها ما زال نبراس هداية يضيء أصقاع العالم.

المملكة العربية السعودية، التي تشغل معظم الجزيرة العربية، تحتضن بين رمالها وجبالها آثارًا تروي قصص عصور من التمدن والتفاعل الحضاري، عاشها إنسان هذه الأرض، التي كانت وما زالت منبعًا للخير والسعادة للبشرية.. وسوف أكتفي بالإشارة الى بعض هذه الحضارات لقرب تاريخها نسبيا ولآثارها الباقية والواضحة الملامح مع أن هناك حضارات غيرها يستطيع القارئ تتبعها في المصادر التاريخية .

في الشرق، امتد تأثير حضارة العُبَيْد على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، من شمال الخليج إلى جنوبه، خلال الألفية الخامسة قبل الميلاد. تُعد هذه الحضارة من أقدم الثقافات الزراعية في المنطقة، وقد ارتبطت بتأثيرات من بلاد الرافدين، تاركةً آثارًا تدل على تنظيم اجتماعي متقدم.

 كما ازدهرت حضارة دلمون في شرق الجزيرة العربية خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، واستمرت حتى حوالي القرن الثامن قبل الميلاد. بلغت ذروتها منذ عام 2050 قبل الميلاد تقريبًا، وامتدت لتشمل جزيرة البحرين والساحل الشرقي لشبه الجزيرة، وكانت مركزًا تجاريًا رئيسيًا بين سومر والهند، بدعم نظام إداري متطور وعلاقات تجارية واسعة.

 في شمال غرب الجزيرة العربية، برزت حضارات ذُكرت في القرآن الكريم، مثل ثمود التي امتدت من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الخامس الميلادي، وارتبطت بمدائن صالح قرب العلا، حيث تظل القصور الصخرية والنقوش المعمارية شاهدة على إبداع أهلها. أما حضارة مدين، فقد نشأت خلال الألفية الثانية قبل الميلاد في الشمال الغربي، وتركت آثارًا بارزة في مدينة البدع ما زالت قائمة.

 وفي العلا أيضًا، تأسست مملكة ديدان في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، ثم تبعتها مملكة لحيان التي اتخذت العلا عاصمةً لها، وتميزت بقوتها السياسية وإسهاماتها في الفنون والكتابة والتجارة والعمارة، وآثارها ماثلة حتى اليوم.

 أما حضارة عاد، فقد سادت في جنوب شرق الجزيرة العربية، وذُكرت في القرآن الكريم كشعب قوي، يُعد من أعظم شعوب الجزيرة وأشدها بأسًا. ويرجح بعض المؤرخين أنها ظهرت حوالي 2200 قبل الميلاد واستمرت حتى 1500 قبل الميلاد تقريبا.

كما شكلت مملكة كندة كيانًا سياسيًا وثقافيًا بارزًا في قلب الجزيرة قبل الإسلام، حيث أسست مملكة في نجد، واتخذت قرية الفاو (كاهل) عاصمةً لها. وتشير التنقيبات الأثرية إلى أن تأسيس القرية يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت مركزًا تجاريًا وملتقى للطرق القديمة، ساهم في تشكيل الهوية العربية بتوحيد قبائل متعددة تحت سلطة واحدة.

 أما دومة الجندل في منطقة الجوف، فقد كانت مركزًا تجاريًا مهمًا منذ القرن العاشر قبل الميلاد، ونقطة التقاء للقوافل القادمة من الشام واليمن.

 ومن مكة المكرمة، بزغ نور الحضارة الإسلامية عام 610 ميلادي، مع ظهور الإسلام الذي أسس حضارة عالمية أذهلت العالم، وامتدت من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ناشرةً نورها في أصقاع المعمورة. ولا يزال الإسلام يتردد صداه في وجدان نحو ملياري إنسان، يمثلون قرابة ربع سكان العالم، وظلت الجزيرة العربية المركز الروحي والسياسي لهذه الحضارة.

ختامًا، فإن الجزيرة العربية، كما تجسدها المملكة العربية السعودية اليوم، ليست فقط قلب العالم الإسلامي ومركز إشعاعه، بل سِجل حي لحضارات متعاقبة تروي قصة إنسان دؤوب في سعيه للإبداع، وبناء المجتمع، وتوطيد الأمن والرخاء للبشرية. ومن واجبنا إعادة قراءة هذا التاريخ، لا كأطلال وآثار، بل كجذور حية تمدنا بالهوية وتلهمنا لبناء المستقبل.

 وإن اختلف المؤرخون حول تواريخ قيام بعض هذه الحضارات أو اندثارها، فهذا أمر مألوف في علم التاريخ والآثار. لكن ما لا يُخْتَلف عليه هو أن إنسان هذه الأرض عاش هذه الحضارات، وسطر تاريخًا من التمدن والإبداع، وكان عماد نشر الحضارة الإسلامية وبناء صروحها الماثلة حتى اليوم. وما زال مبادرًا، يسعى إلى كل جديد نافع، ويسهم بفاعلية في رفاهية البشرية وعلو شأنها.

التعليقات

أضف تعليق