التوازن الدقيق في النظم البيئية الجبلية.

أثناء رحلة استجمام في منطقة عسير، وفي أعالي جبال السودة حيث يعانق الضباب الهضاب وتتنفس أشجار العرعر أسرار الزمن، شاهدت خيوطًا خضراء فاتحة تتدلى من أغصان العرعر، تتحرك مع الرياح وكأنها مخلوقات تراقب مرور الغيوم. التقطت صورًا لهذه الكائنات الغامضة في أواخر أغسطس، وسط قطع الضباب التي كانت تسابق السحاب. وبعد البحث، تبيّن أنها ليست سوى Usnea articulata، نوع من الأشنات الفريتوكوزية (fruticose lichens) التي تزين غابات السحب في منطقة عسير، في مملكتنا الحبيبة المملكة العربية السعودية.

  تُعرف هذه الأشنة، إن صح التعبير، باسم (لحية الساحر)أو (الأشنة الحقيقية)، وتمثل اتحادًا حيويًا بين فطر وطحلب، يجسد التوازن الدقيق في النظم البيئية الجبلية. فهي ليست نباتًا بسيطًا، بل كائن مركب يتكون من فطر (mycobiont) يوفر الهيكل الواقي، وطحلب أخضر أو بكتيريا زرقاء (photobiont) تقوم بالتمثيل الضوئي لإنتاج الطاقة. في حالة (Usnea articulata)، ينتمي الفطر إلى فصيلة Parmeliaceae))، ويتحد مع طحلب من جنس (Trebouxia)، ليشكل هيكلًا يشبه الشجيرات المتدلية، قد يصل طوله إلى متر واحد في الظروف المثالية.

  ينتشر هذا النوع في المناطق الجبلية الرطبة حول العالم، وقد وجد ملاذًا خاصًا في جبال عسير، حيث سجلت الدراسات وجود 13 نوعًا من الأشنات، بما في ذلك Usnea، في المنحدرات الشمالية الرطبة.

 الصور الملتقطة في جبال السودة على ارتفاع يتجاوز 3000 متر، تُظهر هذه الخيوط الخضراء الفاتحة متدلية من أغصان العرعر كأنها ستائر تتمايل مع النسيم، محولة الغابة إلى لوحة فنية تجمع بين الغموض والجمال الطبيعي. ويُعد ظهور Usnea articulata) ) مؤشرًا بيئيًا حيويًا جيدا، إذ يحتاج إلى هواء نقي خالٍ من الملوثات، خاصة ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، التي تهدد نموه في المناطق الحضرية.

  في غابات السحب، التي تُعد رمزًا للنقاء البيئي في شبه الجزيرة العربية، يزدهر نمو هذه الأشنات الرقيقة ببطء، مستفيدًا من الرطوبة العالية والأمطار الموسمية. وتعتمد في انتشارها على التكاثر الخضري، عبر أجسام صغيرة من الفطر والطحلب تنتقل مع الرياح لتستقر في مواقع جديدة، وتمنحنا هذا الكائن الفريد.

  في جبال السودة، تنمو هذه الأشنات في ظروف مثالية بفضل درجات الحرارة المنخفضة، وظلال الأشجار الوارفة، وبعدها عن أشعة الشمس المباشرة. كما يدعمها الضباب الذي يوفر الرطوبة والمعادن الغبارية اللازمة لتغذيتها.

  نظرًا لانتشارها المحدود، فإن هذه الأشنات عرضة للانقراض إذا تعرضت الغابات للتلوث أوالقطع أو الجفاف. وفي عسير يرتبط نموها بأشجار العرعر العريقة التي قد يصل عمر بعضها إلى 100 عام، حيث تشكل شبكة مترابطة تزداد كثافة في المرتفعات. وتُظهر الصور هذا النمو الطبيعي للأشنات كخيوط متشابكة تتمايل معلقة على الأغصان، مستمدة حياتها من الرطوبة الجوية دون جذور حقيقية، في حركة بطيئة تعكس إيقاع الطبيعة الجبلية الآسرة.

  وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأشنات لا تؤثر سلبًا على أشجار العرعر، بل تُعد حليفًا نافعًا وحارسًا للتوازن البيئي، يساعد في تكوين رطوبة مستدامة تفيد الأشجار والنباتات عمومًا. ولا يُعد Usnea articulata)) طفيليًا كما يعتقد البعض؛ فهو نبات هوائي (epiphytic) يتعلق ميكانيكيًا باللحاء دون سحب المغذيات من الشجرة المضيفة. كما يساهم في دورة المغذيات بامتصاص الرطوبة والغبار، ثم يتحول إلى مواد عضوية تسقط مع الأمطار لتخصب التربة.

  أظهرت الدراسات أن هذه الأشنات تعزز التنوع البيولوجي، موفرةً ملاذًا مناسبًا للعديد من الكائنات الحية. إنها حليف يذكرنا بأن الطبيعة تعتمد على التوازن، وأكثر من مجرد كائن بيولوجي؛ إنها شاهد على نقاء الهواء واستمرارية الغابات القديمة.

  ومع مشاريع مثل (قمم السودة) ضمن رؤية المملكة 2030، يبقى الأمل في أن تظل هذه الغابات شاهدة على اتحاد الحياة الطبيعية وتكاملها، وأن يستمر هذا الكائن وبيئته في المساهمة في مواجهة أسباب التغير المناخي، والمحافظة على أحد أسرار الطبيعة الخلابة، وعلى استدامة الأجواء الممتعة لتلك الجبال الشامخة.

التعليقات

أضف تعليق