العيون تفشي الأسرار .

 العين ليست مجرد عضو بصري، بل هي لسان القلب ومرآة السريرة. وقد قيل في المثل: (العين ترجمان القلب)، أي أن ما يضمره الإنسان في داخله تنطق به نظراته دون أن يشعر. ومن الأمثال أيضًا: (رُبّ عينٍ أنمّ من لسان)، أي أن العين قد تفضح أو تُظهر المشاعر والأحوال أكثر مما يستطيع اللسان التعبير عنه أو وصفه بالكلمات ، سواء أكان حبًا أم بغضًا، صدقًا أم نفاقًا.

وقد عبّر الشعراء عن هذه الفراسة البصرية بأبيات خالدة، منها قول أحدهم: (والعينُ تعلمُ من عينِ محدثِها. إن كان من حزبِها أو من أعاديها)، وقول آخر: (تُخبرك العينان ما الصدرُ كاتمُ. ولا جنّ بالبغضاء والنظرُ الشزرُ).

فالنظرة الهادئة المتأملة المُسْتغرِقة دليل الود والوفاء، والنظرة الحادة الثاقبة تكشف البغض والحقد والكره، وتفضح ما في القلب من عداء، حتى لو تزيّن صاحبها بالكلام المعسول.

وفي لحظة الخوف، لا تخفى النظرة المرتبكة، كما وصفها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهي صورة دقيقة لحالة الرعب التي تُفضَح من خلال حركة العين، فتكشف عن الجبن والخوف والاضطراب.

وصاحب الفراسة يستطيع إدراك نظرة السخرية والاستخفاف، ونظرة التململ ونفاد الصبر، ونظرة التحمل والمكر والخديعة، وغير ذلك مما يحاول المتحدث أو المستمع إخفاءه، وتكشفه نظرات العين وحركاتها.

قال ابن حزم: (العين باب النفس الشارع، وهي المُنقبة عن سرائرها، والمُعبرة لضمائرها، والمُعربة عن بواطنها)، وقد وافقه ابن القيم بقوله: (إن العين باب القلب، وهي المعبرة عن ضمائره والكاشفة لأسراره، وهي أبلغ في ذلك من اللسان، لأن دلالتها بغير اختيار صاحبها)، فالنظر لا يُزوّر، ولا يُصاغ، بل يخرج عفويًا، صادقًا، كاشفًا لما في الداخل، وفاضحًا للضمائر، صاحب الفراسة الحاذق يستطيع أن يدرك هذا كله.

ونستطيع أن نقول إن العين أداة كشف، ولسان حال، ومن تأملها بعين البصيرة، عرف الصادق من الكاذب، والوفيّ من المتلون، دون حاجة إلى سؤال أو جواب أو تحري أو استجواب.

التعليقات

أضف تعليق