التقوى: خلقٌ دائم ومنهج حياة.

التقوى خُلقٌ راسخ ومنهجٌ سلوكيٌّ يلازم المؤمن في أقواله وأفعاله، ويهديه في مسالك الحياة. وهي شعورٌ دائمٌ بمراقبة الله سبحانه وتعالى، وتعظيم أوامره وامتثالها، وتعظيم نواهيه واجتنابها، والحرص على رضاه، والالتزام بالحق والعدل والصدق حتى في أدقّ المواقف وأصعبها.

وتتجلى حقيقة التقوى حين تتحرك الرغبات والميول، وتتباين الآراء، وتختلف النوايا، وتتشابه الصور، وتتشعب الطرق ، في غمار أعمال الحياة، فنجد من يحيد عن الصواب، ويُميله الهوى عن العدل والصدق، واتباع الحق (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) وفي المقابل نجد الملتزمين بالتقوى العارفين بأنها منهج النجاة، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).

وليست التقوى في ترك الحرام فقط، بل في اجتناب المشتبهات خشية الوقوع في المحرمات، قال ﷺ:(إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه…) وقال ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، قال ابن رجب رحمه الله:(وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى.)

فعندما يكون القلب السليم ميزانًا، والعقل الواعي الحكيم حكمًا، والبصيرة الثاقبة رادعًا، تأتي النتيجة عملًا منضبطًا موزونًا بميزان التقوى، فالتقوى ليست خُلقًا عابرًا، ولا سجيةً متكلَّفة، بل هي حالة قلبية دائمة تزن الأفعال بميزان رضا الخالق لا بميزان الهوى، فتجد صاحبها يعفو لا عن ضعف، بل لأن العفو أقرب للتقوى، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ويعدل ويصدق حتى مع من يكره، امتثالًا لقوله تعالى(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وهو يرى في التقوى بابًا لتفريج الكرب ، وجلب الرزق ،وتيسير الأمور، ثابت الثقة بالله، حَسَنُ الظن بربه، كما قال سبحانه: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) وقوله:(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).

والتقوى هي الزاد الحقيقي في رحلة الحياة، كما قال الله تعالى:(فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وقد لخّص الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله هذا المعنى في خطبته الأخيرة حين قال:(إن لكل سفرٍ زادًا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم.)

فمن أراد الزاد للدار الآخرة، ونيل القبول، والتيسير، والرفعة، والرزق في الدنيا، فليجعل التقوى نصب عينيه في كل عمل، وليجعل الوَرَع ملازمًا لحياته، وليحاسب نفسه بمعيار التقوى، وليجعل هدفه الدرجات العُلاَ.

وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ.

وَتَقْوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا وَعِندَ اللهِ لِلْأَتْقَى مَزِيدُ.

التعليقات

أضف تعليق