
كُثَيِّرُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الخُزاعيُّ، المعروفُ بكُثَيِّرِ عَزَّةَ، كان شاعرَ أهلِ الحجازِ في العصرِ الأمويِّ، لا يُقدِّمونَ عليهِ أحدًا، وكان بنو مروانَ يُعظِّمونهُ ويُكرِمونه. وكان مُفرِطَ القِصَرِ، دَميمًا، وفي نفسِه شَمَمٌ وتَرَفُّعٌ.
وقد حدث أنَّ كُثَيِّرًا كان يُنشدُ الخليفةَ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ قصيدةً له، وعنده الأخطلُ غِياثُ بنُ غَوْثٍ التَّغلِبيُّ، وكان نصرانيًّا — إذ كانت قبيلةُ تغلبَ نصرانيةً ثم أسلمتْ مع مرورِ الوقتِ -.
فقال الخليفةُ للأخطلِ: كيف ترى؟ فقد كان الخليفة يعلم الفارق بين أسلوب الشاعرين وبيئة شعرهما وأغراض الشعر عندهما فأراد أن يثري النقاش بسؤال الأخطل عن رأيه فيما سمع .
فقال الأخطلُ: حجازيٌّ مُجَوَّعٌ مَقْرورٌ، دَعْني أَضْغَمْهُ يا أميرَ المؤمنين — وكأنَّهُ احتقرَهُ لقِصَرِهِ ودمامتِهِ –(وأضغمه أي أعضه ويسمى الأسد ضيغما ) وأراد أن يفتعل موقفا يثير كثير عزة ، وربما دارت بينهما مساجلات كتلك التي كانت تدور بين الخطل وشعراء عصره مثل الفرزدق وربما لمس من سؤال الخليفة أنه يريد افتعال مثل هذا الموقف.
فقال كُثَيِّرٌ: من هذا يا أميرَ المؤمنين؟ (الأرجح أنه يعرفه ولكن أراد بالسؤال عنه التقليل من قدره فكأنه نكرة غير معروف لديه )
فقال له: هذا الأخطلُ.!
فقال له كُثَيِّرٌ: مَهْلًا، فهلا ضَغَمْتَ الذي يقول:
لا تطلبن خُؤولةً في تغلبٍ فالزنجُ أكرمُ منهمُ أخوالا.
والتغلبيُّ إذا تنحنحَ للقرى حكَّ استَهُ وتمثَّلَ الأمثالا.
فسكتَ الأخطلُ، فما أجابهُ بحرفٍ. والشِّعرُ من قصيدةٍ لجريرٍ يهجو فيها الأخطلَ.
يقول أبو العتاهية:
وَلَئِن ندمت على سكوتك مرة. فلقد ندمت على الكلام مرارا.
إن السكوت سلامة ولربما. زرع الكلام عداوة وضرارا.
أضف تعليق