معادلة نعم ولا.

بمناسبة نقاشنا حول أهمية اللطف في التعامل مع الناس، وما أشرنا إليه من أن اللين والحلم والتغاضي من شيم الكرام، وأن السماحة تجمع القلوب، بينما يَنفُر الناس من الغِلظة والفظاظة، وأن اللطف يُسعِف في تحقيق الأهداف أكثر مما يُسعِف العنف؛ ومع ذلك، فإن لعلماء النفس رأيًا في الموضوع، حيث يرون أن الإنسان السوي يحب أن يقول “لا” أحيانًا. وهناك كتاب صدر بعنوان “داء إرضاء الآخرين” – The Disease to Please للدكتورة النفسية هارييت بي برايكر، وقد صدر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002م، وصُنف ضمن الكتب الأكثر مبيعًا في حينه.

والكتاب لا ينتقص من قيمة اللطف في التعامل على النحو الذي ذكرنا، بل يهدف إلى تقويم سلوك بعض الناس الذين بلغ بهم الحال إلى ما يُعرف بـ”متلازمة إرضاء الآخرين”، وهي حالة من المبالغة في اللطف وعدم الممانعة، ناتجة عن قصور سلوكي. وهذه الحالة ضارة ومؤذية للشخص، وذلك حين تتحول الرغبة في إرضاء الآخرين إلى نمط نفسي قهري، لا ينبع من كرم الشمائل دائمًا، بل من خوفٍ دفين من الرفض وتبعاته، أو شعورٍ بعدم الثقة بالنفس، أوعجزٍ عن قول ما يعتقد المرء صحته وصوابه.

ويرى الكتاب أن هذه الحالة نوع من الإدمان السلوكي الذي يُعطّل حياة صاحبها ويستهلك طاقته، لما يكابده من معاناة نفسية وحسية، وصعوبة في قول “لا”، إذ يتحمّل مسؤولية مراعاة مشاعر الآخرين، ويشعر بتأنيب الضمير إن لم يستجب لطلباتهم ويحقق رغباتهم، ويقيس قيمته الذاتية بمدى رضاهم عنه، حتى إنه “يعيش وكأن قيمته لا تُقاس إلا من خلال عيون الآخرين.” وهؤلاء “الأشخاص الذين همّهم إرضاء الجميع ليسوا مجرد لطفاء يُفرطون في المجاملة، بل هم أسرى حاجة قهرية لاكتساب قبول الآخرين.”

وتقع المشكلة حين يتحول الأمر من مجرد سلوك اجتماعي طبيعي إلى مرحلة إدمان، فيسعى إلى نيل الاستحسان أو القبول من الآخرين ولو على حساب حاجته وراحته، ولسان حاله يقول: “لا يجوز أن أُخيّب ظن أحد”، و”احتياجاتي أقل أهمية من احتياجات الآخرين”، ويتجنب الرفض مهما كان الثمن خشية النقد أو الاستنكار، مما يضخّم المشكلة ويحوّلها إلى مرض حقيقي، خاصة حين يُستغل من الآخرين الذين يدركون نقطة ضعفه.

ويشير الكتاب إلى أن هذا النمط من التفكير غالبًا ما يكون نتيجة لتربية مشروطة، حيث يتعلم الطفل أن الحب والقبول لا يُمنحان إلا بالطاعة والسلوك المثالي. ومع الوقت، تتحول هذه القناعة إلى عادة نفسية تدفعه إلى تهميش ذاته في سبيل إرضاء الآخرين، مما ينعكس على شخصيته بشعور دائم بالضغط والتوتر، وعلاقات غير متوازنة، ولومٍ للذات وتحسرٍ مستمر.

لذا، فإن هذا النمط السلوكي يجب أن يُقوَّم، وعلى صاحبه أن يتعلم أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، وأن من الواجب تعديل سلوكه، وأن يتعلّم متى يجب أن يقول “نعم”، ومتى يجب أن يقول “لا”. فاللطف لا يتعارض مع الحزم، ولا يستلزم أن تتفق دائمًا مع الغير، والحلم لا يعني التنازل عن الحقوق، والرحمة لا تبرّر الذوبان في الآخرين، وأن “من حقك أن تقول لا، وأن ترفض دون شعورٍ بالذنب، وأن تحمي وقتك وطاقتك من الاستنزاف”، وتحترم ذاتك وتتمسك برأيك.

فالغاية ليست أن يُحبّنا الجميع، بل أن نحيا باتزان، ونحترم أنفسنا دون أن نسقط في هاوية الموافقة الدائمة. فأنت تستحق الاحترام حتى لو لم تُرضِ الجميع.

لئِن كُنتُ مُحتاجًا إِلى الحِلمِ إِنَّني* إِلى الجَهلِ في بَعضِ الأَحايِينِ أَحوَجُ.

 وَلي فَرَسٌ لِلحِلمِ بِالحِلمِ مُلجَمٌ *وَلي فَرَسٌ لِلجَهلِ بِالجَهلِ مُسرَجُ.

التعليقات

أضف تعليق