(وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) 

Photo by Toni Cuenca on Pexels.com

بادئ ذي بدء لقد سعدت كثيرا عندما علمت بصدور العدد -الأول من مجلة النخيل والتمور، والحق أن رئيس التحرير الأخ الدكتور / عبد الله بن محمد الحمدان سبق أن أسر إلى بنيته في. إخراج هذه الإصدار متوسما عندي النصح عندما علم باهتمامي. بأشجار النخيل والتمور من باب الهواية، وقد شجعته على ذلك فهو -المختص في هذا المجال، والمؤهل فيه، وهو ابن بجدتها، وعذقيها المرجب ترعرع بين حيشها، ورقى عيدانها، فمن غيره لها.

النخلة أيها الكرام شجرتنا أبناء الجزيرة العربية، فهي جزء من شعار دولتنا، وهي رمز عزتنا ومصدر ضيافتنا، وعنوان -كرمنا النخلة عاشت معنا ولنا، وعانت قسوة المناخ وتحملتها مثلنا. في عمرها المديد، كما تحملها أجدادنا وآباؤنا، وأسعفتهم بغذاء -طيب متكيف مع مناخهم وأكثر من الغذاء. فهي عمتنا (أكرموا عمتكم النخلة).

تداخلت النخلة مع تقاليد الآباء والأجداد وتراثهم في -أشعارهم وأمثالهم ومروياتهم حتى أصبحت جزءا منهم، فهي لابن الصحراء نعم المعين والمسعف على شظف العيش وقلته، وهي. اليوم كما كانت في الماضي باسقة نائفة بكل شموخ تؤتي أكلها ثمرا طيبا مباركا، لم تنقض العهد ولم تنكث المواثيق. فهل نحن أوفياء لوفائها؟ وهل قدرناها حق قدرها؟

من منا لا يتصبح كل يوم ببضع تمرات؟ ومن منا لا يفتخر بتقديم التمر أول ما يقدم لأضيافه.

لقد رأينا جهودا طيبة بذلتها وتبذلها جهات رسمية لتعزيز زراعة هذه الشجرة والإكثار منها، والمحافظة عليها. ولكن الأمر من وجهة نظري يتعدى الجهود التي تبذلها الجهات الرسمية فمن حق هذه الشجرة المباركة علينا، أن تحظى بعنايتنا واهتمامنا عناية واهتماماً خاصين على كل مستوى، وان نضع نصب أعيننا انه لا غنى لنا عنها على المدى القريب والبعيد. وهذه المجلة جهد. مشكور في هذا الاتجاه.

التمور يجب أن تكون سلعتنا الاستراتيجية، وتنمية النخيل لابد أن تبقى هدفا استراتيجيا لنا، إن السلع الاستراتيجية هي التي تستهدفها الأمم وتضعها موضع التركيز بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، من حماية ومحافظة وإكثار، ودعم لتكون الركيزة للتنمية والأمن  الغذائي، والدعامة التي يُرْكن إليها بعد عون الله تعالى عند الحاجة وعند شح الموارد. وعندما تبخل الأمم بما تنتج مستبقيته قوتا لشعوبها.

إن التمور بفضل الله غذاء و (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر). وهي سلعة بل أفضل سلعة يمكن أن تنتخب لتكون قوام الأمن الغذائي لنا أبناء الجزيرة العربية وغيرها، فللنخلة مزايا نسبية عديدة تنافس أي شجرة أخرى. فهي واحدة من أقوى الأشجار المثمرة تحملاً لقسوة المناخ وتكيفا معه، وهي لا تتطلب سوى الحد الأدنى من الماء. وتستطيع الصمود في وجه الجفاف وتقلبات الطقس من برد قارس وحر جاف، وكذلك تستطيع الصمود والبقاء متكيفة مع ملوحة التربة مقاومة كل ذلك مددا طويلة لا يضارعها في هذا أي شجرة مثمرة على الإطلاق، ومع ذلك فهي تؤتي أكلها ثمرا سائغا شهيا يقاوم هو الآخر عوامل المناخ وظروف التخزين والنقل، حيث يبقى محتفظا بكامل عناصره الغذائية بأدنى وسائل الحفظ وأقلها تكلفة لمدد لا تصل إليها أي ثمرة أخرى.

 ومع ذلك فالتمور من أغنى المحاصيل الزراعية بالعناصر الغذائية. إن كيلوجراما واحدا من التمور يحتوي على حوالي (۳۰۰۰) ثلاثة آلاف سعر حراري مقارنة بكيلوجرام واحد من الأرز لا يحتوي إلا على حوالي (۱۸۰۰) ألف وثمانمائة سعر حراري وكيلوجرام واحد من الموز لا يحتوي إلا على (۹۷۰) تسعمائة وسبعين سعراً حراريا.

الاهتمام الإقليمي والدولي بالنخيل والتمور.

Photo by Hedaetul Islam on Pexels.com

وإذا كان برنامج الأمم المتحدة الخاص بالأمن الغذائي (SPFS) يرى أن الأمن الغذائي هو عندما يكون لجميع السكان في جميع الأوقات فرصة الحصول على الغذاء الكافي والسليم والمغذي، بما يفي باحتياجاتهم التغذوية وأفضلياتهم الغذائية للتمتع بحياة نشطة وصحية. فهل هنالك ما هو أفضل لسكان الجزيرة العربية وغيرهم من التمور. فهي الغذاء وأفضل غذاء يمكن أن تنتج منه أرضهم القدر الكافي والمغذي السليم المفضل لديهم.

لقد كان من بين توصيات الدورة الثامنة والعشرين للمؤتمر الإقليمي للشرق الأدنى الذي عقده المكتب الإقليمي للشرق الأدنى التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في صنعاء بالجمهورية العربية اليمنية في عام ٢٠٠٦م، أهمية أن تكون استراتيجيات التأهب للتخفيف من وطأة الجفاف متسقة مع الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة التصحر، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. ودراسة زيادة الاستثمار في البحوث الزراعية لتحسين كفاءة استخدام المياه والإنتاج المحصولي في ظل ظروف نقص المياه واستنباط أصناف مقاومة للجفاف والملوحة.

إن هذه التوصيات تعطي مؤشرات عامة لتنسيق أهداف تنموية في الزراعة وإنتاج الغذاء، ترتبط فيها استراتيجيات التحرك بما يخدم أهداف هذه التنمية، في توفير المياه والتخفيف من وطأة شحها، ومكافحة التصحر، وإنتاج الغذاء.

فإذا ما وفرنا من كميات المياه المتاحة، ورشدنا استهلاكها في الزراعة، وذلك بالتركيز على محاصيل لا تستهلك إلا كميات قليلة، وتقبل ملوحة المياه والتربة، وتتكيف مع الأجواء حارة وباردة، وتعطي إنتاجا معقولا نسبياً. فإننا بذلك نصيد عصفورين بحجر واحد، حيث نرفع وطأة التصحر والجفاف، ونكسب بالتشجير المثمر الإنتاج وتوفير المياه.

إن هذا ما أنشئ من أجله المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكاردا – (ICARDA) . ولكن ما يعنينا هنا هو أن نخيل التمور، هي من أكثر الأشجار ملائمة للقيام بهذا الدور، بل هي أفضلها على الإطلاق هنا في الجزيرة العربية، حيث شح المياه أكثر وضوحا من أي مكان آخر. وهو ما لم يغفل عنه (الايكاردا – ICARDA) حيث عقدت ندوات و لقاءات ومشاورات بشأن مناسبة تبني نخيل التمور، وتشجيع زراعتها لأنها المرشح الأكثر كفاءة للقيام بهذا الدور.

كما أن البرنامج الخاص بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة للأمن الغذائي (SPFS)، قد تبنى هو الآخر إدخال زراعة نخيل التمور في الساحل الإفريقي الغربي، في دول النيجر، ومالي، والسنغال، وبوركينافاسو، حيث يسود المناخ الجاف تلك المناطق، وباعتبار النخيل الأشجار الأكثر ملاءمة للقيام بهذا الدور.

إن لدينا في الجزيرة العربية أنواع وأصناف من النخيل تأقلمت مع تربتنا ومناخنا كما أن لدينا خبرات تراكمت على مَرٍ العصور والأزمان في زراعة هذه الشجرة واستصلاحها والتعامل معها، وهي خبرات مستوطنة لا يستهان بها، وقل أن تجد من ينافسنا فيها.

النخيل بدأت في أرض الجزيرة، وتوارثت زراعتها الأجيال لآلاف الأعوام، وما زالت باقية وماثلة أمامنا صباح مساء ما بقي النيران. امتدحها الله عز وجل في كتابه العزيز فقال: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً ميتاً كَذَلِكَ الخُرُوج). وأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمحافظة عليها، ففي الصحيحين: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فان استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها). فبقيت معنا ولنا، ثروة يجب علينا عدم التفريط فيها.

الحيلة أو النخلة؟

Photo by John-Mark Smith on Pexels.com

أورد أبو حاتم السجستاني (المتوفى عام ٢٥٠هـ) في كتابه النخل، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انه سأل رجلا من أهل الطائف: الحبلة خير أم النخلة؟ يعني شجرة الكرم فقال الطائفي الحبلة أتزببها وأتشننها، وأصلح بها برمتي يعني الخل، وأنام في ظلها، فقال له عمر رضي الله عنه: لو حضرك رجل من أهل يثرب لرد هذا عليك، قال: فدخل عبد الرحمن بن محصن الأنصاري فاخبره عمر خبر الطائفي فقال: ليس كما قال، إني إن أكل الزبيب أضرس وإن أدعه أغرث، ليس كالصقر (الصقر هو الدبس والمقصود هنا التمر الناضج) في رؤوس الرقل الراسخات في الوحل المطعمات في المحل، تحفة الكبير، وصمتة الصغير، وزاد المسافر، ونضيج فلا يعني طابخا، نحترش به الضباب بالصلعاء، وتخرسته مريم بنت عمران، فقال عمر رضي الله عنه: ما أراك يا أخا الطائف إلا قد غلبت.

نعم لقد غلب لأنه لا شجرة في الجزيرة العربية تنازع النخلة في المكانة، والسلام عليكم.

التعليقات

أضف تعليق