مداراة الناس .

Photo by Min An on Pexels.com

نقرأ في سيرة الإمام ابن قدامة المقدسي أنه كان حسن الأخلاق لا يكاد يراه أحد إلا مبتسمًا، يحكي الحكايات ويمزح مع طلابه ويلاطفهم… وأنه كان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره…

قلت هذه صفات يمنحها الله لبعض عباده ويمنعها عن بعض، ومن أعطاه الله القدرة على تحمل الآخرين والعفو عن زلاتهم والتغاضي عن هفواتهم، ومداراتهم، وكظم الغيظ إزاءَ اساءاتهم، ومراعاة مشاعرهم، وتصيد الفرص السانحة والأوقات المناسبة لملاطفة جلسائه وادخال السرور على أنفسهم والابتعاد عن شكوى تكدر صفاءهم، أو منافسة تجلب جفاءهم، فتلك نعمة من الله وفضل وحكمة موهوبة من الرب عز وجل (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) صدق الله العظيم.

ولا تخلو الحياة من أناس يبادلونك الشَّمائل الحميدة والأخلاق المجيدة بمثلها، ويتقبلونها منك بطيب خاطر ويقابلونها بسلوك متحضر يضيف الى طاقتك طاقة ويضفي على سلوكك اشراقه. ولكن هناك فئة من الخلق مجبولة على الغِلظة والفَظاظة، تقابل الملاطفة بالمناكفة، والمجاملة بالوقاحة، تفسر العفو ضعفا، والتجاوز جبنا، وتلوي أعناق الكلام لتبلغ بذلك المرام.  

ان كبح جماح الانفعالات الداخلية إزاء سلوك الفئات الاستفزازية، ومجاملتهم والصبر على نزقهم وجلافتهم وعنادهم وسوء فهمهم وعدم مراعاتهم لشعور الآخرين، يولد معاناة نفسية وإجهادا ذهنيا هو نتاج تطويع النفس واجبارها على تهدئة الأمور مع هذه الفئة غير المهذبة.   

     يقول ابن الوردي في لاميته: نَصَب الْمَنْصِب أَوَّهـى جَلَدَي * وَعَنَائـي مِن مُدَارَاة الْسَّفَل.

   ان من أشد ما يوهي جَلَد الحكيم و يذهب حِلم الحليم، مداراة السَّفلة من الخلق وما اكثرهم، وما أقبح سلوكم وفي الحديث عن النبي ﷺ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه “إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم”. ولله در الشاعر حيث يقول:

ومن نَكَدِ الدُنيا على الحُرِّ أَن يَرَى *عَدُوّاً لهُ ما من صَداقتِهِ بُدُّ.

 ويقول الشاعر الشعبي:

 من كثر ما جربت واقبلت واقفيت * قولة هلا لمن لا يودك مهونة.

نعم مداراه السافلين المزعجين الوخمين والثقلاء الجَافِين، وحتى الابتسامة الصفراء المصطنعة في وجوههم مجاملة لهم، والقاء التحية عليهم في أدنى صورها، تتطلب صبرا وتورث معاناة، ولهذا كان سلوك المهذبين محموداً مأجوراً،،،  

التعليقات

أضف تعليق