الفزعة شكل من أشكال الأعمال التطوعية .

نظام الفزعة او عادة الفزعة من الامور التي كانت مألوفة عند المزارعين في زمن ليس بالبعيد. وقبل ان ندخل في تفصيلات هذا النظام وحتى نعرف كنهه نبدأ اولا بتعريف معنى كلمة (فزعة) في اللغة العربية، ففي المعجم، فَزِعَ إِلى القوم: استغاثهم، وفَزِعَ القومَ وفَزَعَهم فَزْعاً وأَفْزعَهم: أَغاثَهم, قال الشاعر: فقُلْتُ لكَأْسٍ أَلْجِمِيها فإِنَّما حَلَلْتُ الكَثِيبَ من زَرُودٍ لأَفْزَعا.
فالفزعة اذا هي ان يلبي الناس نداء داعيهم في طلب المساعدة أي مساعدة في عمل من الاعمال التي لا يجد سبيلا في انجازها لوحده وهذه المساعدة هي طبعا من الاعمال التطوعية التي تأدى بدون مقابل. ومن الأمور التي يطلب فيها الناس الفزعة عادة جني الثمار , وحصاد المحاصيل , فقد يطلب الشخص فزعة جاره او ابن عمه او حتى البعيدين ( لصرام الحنطة ) او قطاف الذرة او (الدياسة) وهي اي الدياسة كلمة عربية فصيحة جاء في الصحاح في تعريف كلمة ركس والراكس هو الهادي وهو الثور وسط البيدر تدور عليه الثيران في الدياسة . وجاء في اللسان والطائف ا لثور الذي تطوف حوله البقر في الدياسة .
قلت لقد استطرت هنا ولكن لا مانع لمزيد من المعرفة فالراكس هو المركوس الى عمود الجرين ويسمى القاعد لأنه اقل دواب الدياسة حركة. والطايف في آخر طرف الدواب مما يلي الحافة وهو أكثر دواب الدياسة دورانا.
وقد تطلب الفزعة لإصلاح اضرار سببتها السيول او لفتح طريق وتوسعته او حتى لبناء بيت او (كبسه) اي وضع السقف له وقد تطلب الفزعة من شخص واحد او شخصين او اكثر.
ويتساءل البعض هل الفزعة واجبة على المفتزَع أم ان له ان يرفض ذلك؟
والجواب انها ليست مُلزمة بل تطوعية كم ذكرت. ولكنه لا يستطيع ان يرفضها ادبيا وكذلك لا يستطيع رفضها لأنه محتاج الى الاخرين الذين سوف يعاملونه بالمثل فيما لو (أفزعهم) مستقبلا. فالذي يرفض ان يفزع لأخيه يصبح محل النظرة الدونية . ومن الذين ليس فيهم خيرا، كما ان المفتزع يعلم ان الرفض له آثار وخيمة لان الجماعة سوف يقاطعونه ( فلا يخرجون ثوره من البير) هكذا يقولون لان في هذا تمثيل لأقصى درجات حاجة الفرد للأخرين في ذلك الوقت فثوره سوف يموت في البئر قبل ان يجد من يخرجه منها ان قاطعوه.
نعود ونوضح ان الناس يستفزعون قومهم للمساعدة ويفزعون لهم وهذا النظام نظام منتج اقتصاديا فالشخص ليس لديه عمل مستمر كل يوم واغلب اعمال المزارعين موسمية ودورية يتخللها ايام فراغ فاذا تعاونوا في العمل انجزوه فهم يحصدون محصول ( فلان ) اليوم وبعد يوم او يومين يحصدون محصول جاره وهكذا .كما انهم يساعدون في هذه الاعمال بروح الاخوة وبمعنويات عالية وينجز الفريق في يوم ما لا يستطيع الفرد انجازه في شهر .أضف الى ذلك انهم يفزعون في كثير من الاحيان بآلاتهم ودوابهم .ومن مزايا هذا النظام انهم يستفيدون من خبرات بعضهم ومهارة كل فيما يحسنه فتجتمع المهارات والخبرات والآلات والمعدات لتكمل بعضها . ويزيد نظام الفزعة من تلاحم القوم ويقوي اواصر المحبة ولحمة الاخاء بينهم بالإضافة الى التوفير الكبير الذي يحققه لهم .
وان كان هذا النظام تطوعي بدون اجر فان هناك التزامات ادبية على المفتزِع منها ما اشرت اليه من انه ملتزم أدبيا بتلبية نداء الفزعة للآخرين ومنها انه منتظر منه تقديم وجبة او وجبات طعام (للفزًاعة) وكلما كان دأب المفتزع وعادته تقديم طعام جيد كلما تسابق القوم ملبيين طلبه . ومما يتناقله الناس ان البعض يتقدم للفزعة متى سمع بها حتى ولو لم تطلب منه هكذا تطوعا منه بكل اريحية وطيبة نفس.
وكما يفزع الرجال كذلك تفزع النساء ويشاركن في مجموعات في اداء ما يناسبهن من عمل، وكذلك الاطفال. وقد اشرت الى ان الفزعة قد تكون في مواسم الحصاد والدياسة، وهنا اشير الى ان صاحب المحصول يقدم طوعيا للفزاعة وأحيانا لمن يحضر المناسبة شيئا من الإنتاج ويسمى شُكدا، والشكد كلمة عربية فصيحة وهو ما يُمْنَح من الثّمر عِنْد الحَصَاد .
وللفزاعة حين مشاركاتهم في مجموعات لأداء العمل اناشيد تتميز بألحانها الشجية حسب نوع العمل وكذلك تتميز بكلماتها المثيرة للحماس والبهجة والفرح والتسلية في بعض الاحيان.لقد افتقدنا نظام الفزعة بعد أن هاجر العديد من سكان القرى الى المدن وتركوا العمل في الزراعة .
أضف تعليق