
من الذكريات الطريفة في أيام دراستنا الابتدائية.
عشت وبدأت تعليمي الابتدائي في قرية وهذه الذكريات، هي نتاج حراك تم هناك قبل أكثر من نصف قرن من الزمن :-
– كانت المدرسة تخدم عدة قرى والمسافة بينها وبين قريتنا حيث نسكن بضع كيلومترات . وكان جدي رحمه الله يعيرنا انا وأخي حماره في بعض الايام التي يكون فيها الحمار في اجازة، وكنا نركب ذلكم الحمار الاسود الفاره وهو من افخر حمير ذلك الزمان وأسرعها وعندما نصل المدرسة نربط حمارنا ليس بعيدا من فنائها. وإذا ما شعر حمارنا بالجوع جلجل بنهيقه المنكر مرارا وتكرارا حتى يرق قلب معلمنا ويسمح لنا بالانصراف.
– كنت انا وأخي ننطلق للمدرسة مع بزوغ نور الصباح لان بيتنا بعيد نسبيا وكان الصباح المبكر مخيفا لأطفال في سننا ، خاصة في فصل الشتاء حيث الضباب الكثيف الا ان هناك من تبرع لحراستنا كل يوم بدون طلب منا ولا تكليف من أهلنا ،ولا كلل منه ولا ملل فقد كان يصحبنا حتى باب المدرسة وعندما يتأكد اننا دخلنا مدرستنا يقفل راجعا للبيت ذلكم هو كلبنا الوفي. ولكم ان تتخيلوا ذلك الموكب المهيب المألف من طفلين وحمار وكلب وفي بعض الأحيان كلبين وهو مقبل على المدرسة.
– كان بالقرب من مدرستنا دكان يشتري البيض من الناس ربما ليعيد بيعه في مدينة الطائف ، وقد كانت امي رحمها الله تعطيني بيضة أو بيضتين في بعض الايام لأبيعها في ذلك الدكان واشتري بثمنها حفنة تمر او حمص آكلها في الفسحة وكان الدكان يبعد مسافة ليست بالقريبة عن المدرسة مما يضطرنا للسعي فور سماع صفارة وقت الفسحة باتجاه الدكان لاستغلال الوقت وكم تعثرت من مرة في الطريق فتنكسر البيضة وربما تلوث ثوبي واعود ادراجي للمدرسة مكسور الخاطر بلا فسحة ، مع انني اتذكر في بعض الحالات ان صاحب الدكان ذلكم الرجل الطيب رحمه الله يعوض من شكى اليه فقدان فسحته بمنحه حفنة من التمر الصقعي مجانا .
– كان في مدرستنا معلم واحد وهو المدير، وكانت إدارة التعليم ترسل مفتشاً بين الحين والآخر. أذكر أن المفتش جاء مرة إلى المدرسة ولم يجد المدير، فخرجنا للبحث عنه، ووجدناه يسقي أغنامه من بئر قريبة. ناديناه وأخبرناه أن المفتش يبحث عنه وأبلغنا المفتش أن المدير سيأتي فور الانتهاء من سقيا الأغنام، فبقي ينتظره حتى عاد.
كنا نتعلم من بعضنا، فيعلّم الكبير الصغير عند غياب المعلم، وكان غيابه متكرراً. وفي أحد الأيام صاح أحدنا بأن المعلم قد عاد، فخرجنا لنرى، فإذا به قادم يحمل بندقيته وفي يده أرنب. أسرعنا نجري لاستقباله ومعرفة القصة، وعدنا جميعاً معه إلى المدرسة لنواصل دراستنا.
– في بداية دخولنا المدرسة كان معلمنا يحدد لنا الواجبات المنزلية من كتابة وحفظ وكنت وأخي في أحد الايام نلهو ونلعب في مزرعتنا ولم ننظر في تلك الواجبات فقابلنا احد الجماعة وذكر لنا انه شاهد المعلم أسفل الوادي فركضنا باتجاه المنزل لحل الواجب ظنا منا ان المعلم جاء ليرى هل حلينا الواجب ام لا.
-كان مع أحد زملائنا صفارة صفراء اللون مصنوعة من النحاس، كبيرة الحجم وغير مألوفة بالنسبة لنا، إذ أن أكبر صفارة رأيناها من قبل هي صفارة المعلم، وهي أصغر من صفارة زميلنا ولا تتميز بلونها الزاهي الجميل.
وفي يوم من الايام فقد زميلنا صفارته تلك وكنا في الفصل ستة او سبعة اطفال فظن زميلنا ان أحدنا قد امتدت يده لصفارته فذهب للمعلم شاكيا وباكيا. فسألنا المعلم هل رأينا الصفارة؟ وهل نعرف من أخذها؟ فانكر الجميع ، مما دعاه الى الوقوف على باب الفصل “وقد كنا نجلس على مسطح (حصير) لم يكن لدينا كراسي في ذلك الزمن” فاقسم بالله العظيم ان لم تعد الصفارة قبل نهاية الفسحة ليضربن ذلك المسطح بتلكم العصى حتى يطير غباره. وكانت معه عصى من اعواد شجر الرمان المعروفة بشدة ألمها.
وفي نهاية الفسحة كانت الصفارة قد اعتيدت لشنطة زميلنا الحديدية ، بكل ستر ولم يُعرف من اخذها ومن اعادها حتى اليوم .
وكنا لصغرنا وخوفنا قد ظننا ان المعلم سوف يضربنا مع انه اقسم بانه سوف يضرب المسطح حتى يطير الغبار ، وكنت افسر القسم انه سوف يضع المسطح فوقنا ويضربه ونحن تحته او هكذا فسرنا التهديد الذي جاء بنتيجة طيبة واعاد الصفارة لصاحبها .
كنت مع الصغار ولم نكن أشقى القوم، إذ دخل المعلم إلى فصل زملائنا الأكبر سنًا فلم يجد أحدًا منهم، فتلفت يمينًا ويسارًا ولم يلمحهم، فصاح مناديًا بأسمائهم. عندها بدأوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر من سقف الغرفة المسقوف بالأعواد الخشبية الضخمة، إذ كانوا متعلقين بتلك الأخشاب بأيديهم وأرجلهم، مما دفع المعلم إلى أن يطلق على فصلهم اسم “فصل الخفافيش” أو شيئًا قريبًا من هذا الاسم.
أضف تعليق