عندما يُنهي البعض مراحل التعليم الرسمي والدراسة المنهجية، يبدأ في بناء معرفته عبر اختيارات ذاتية يُشكلها ميوله وتتحكم فيها توجهاته. فيقرأ الكتب التي تستهويه، ويطّلع على الصحف والمجلات التي تناسبه، ويتابع البرامج والمقاطع التي تجذبه، ويزور المواقع التي تتماشى مع اهتماماته. كما يشارك في المنتديات والمؤتمرات التي تروق له، ويختار أصدقاءه وجلساءه ممن ينسجم معهم، متجنبًا ما لا يناسب ميوله، بل قد ينفر منه أحيانًا.
هذا السلوك طبيعي في الإنسان، وقد استغلت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، هذه الطبيعة الفطرية فتبرز لكل شخص المحتوى الذي يلبي ميوله، ومن خلال تتبع ما يشاهده أو يتابعه أو يكتبه، تعمل هذه التقنيات على تسهيل وصوله الى المادة التي تُشبع رغباته وتتماشى مع توجهاته.
والميل الفردي المحدود، والثقافة الموجّهة يحصران الفرد داخل دوائر معرفية مختارة، شبيهة بأغلفة دودة القز الحريرية التي تحتمي بها. فتصبح مصادره المعرفية مغلقة، ومحفزات التفكير محدودة، تقيّد العقل وتحصر الثقافة.
والحكيم لا يحصر نفسه في دوائر معرفية ضيقة، بل يُوسّع آفاق تفكيره، وينهل من جميع الأوعية المعرفية لتطوير رؤيته الفكرية يستفيد من الإيجابيات ويتفادى السلبيات، مدركًا أن مصادر المعرفة واسعة وتحمل ما يعينه في حياته، ويمنحه حلولًا لتحقيق طموحاته وأهدافه.
إن القراءة في مختلف التخصصات، والاطلاع المفتوح على شتى جوانب المعرفة، وخوض التجارب الإيجابية في مجالات الحياة، إلى جانب مجالسة طبقات المجتمع المتنوعة من مختلف الأعمار، والحوار معهم وسماع آرائهم، والسفر والاحتكاك بأطياف البشر، كلها عناصر تُوسّع المدارك، فهي تُنمي المعارف وتُحسّن جودة القرارات في شتى مناحي الحياة.
أضف تعليق